الرئيسية / الأعداد / هويّة الشّخصيّة الرّوائيّة في الرّواية القصيرة جدّا “هذيان محموم” للكاتب حميد الحريزي – سمير بية الشطي

هويّة الشّخصيّة الرّوائيّة في الرّواية القصيرة جدّا “هذيان محموم” للكاتب حميد الحريزي – سمير بية الشطي

هويّة الشّخصيّة الرّوائيّة في الرّواية القصيرة جدّا “هذيان محموم” للكاتب حميد الحريزي

سمير بية الشطي

 

مقدّمة:

إنّ القارئ لهذه الرّواية القصيرة جدّا “هذيان محموم” سيبحث حتما عن ميزات تميّزها عن الرّواية القصيرة بل وتجعل من خطابها الرّوائيّ قائما على ما هو مختلف ومبتكر إلى جانب الخصائص التي تمثّل المشترك بينهما، مثل هيكليّة الرّواية بما هي خطاب سرديّ يتجاوز القصّة القصيرة والقصّة الطّويلة في أساليب السّرد المتنوّعة إضافة إلى تداخل الأحداث وتعقّد الحبكة الرّوائيّة وتنوّع الحوارات ممّا يتطلّب تنوّعا في الشّخصيّات وفي القضايا التي تطرحها. فهذه الرّواية القصيرة جدّا لها هويّتها الخاصّة مثل الرّوايات القصيرة جدّا التي كتبها الكاتب حميد الحريزي. لذلك ارتأينا أن نقف على خصائص الشخصيات الرّوائيّة في هذه الرّواية القصيرة جدّا ودورها في تحديد انتمائها إلى هذا النوع الجديد ضمن جنس الرّواية في ما يسمّى بالميثاق الأدبيّ الفنيّ.

1 – الشّخصيّة الرّئيسيّة والميثاق التّخيلي:

أ- شخصيّة “حامد” من خلال الوصف: إنّ هذه الشخصيّة تبدأ الرّواية وتنهيها ممّا يعني أنّها هي محور الحديث والحدث ، فلولا وجودها ما وجدتْ الشّخصيات الأخرى وما جرت بينها تلك الحوارات فهذه الأخيرة تحضر في فعل القول أساسا. أمّا شخصية “حامد” فهي إلى المجتمع العراقيّ أقرب فهذيانه يجعلها شخصية مركّبة نامية، فحديث الرّاوي العليم كان يدور حولها فيصف حركاتها وسكناتها، ويجعلها تفكّر بصوت عال وهو ما ساهم في تفاقم الصّراع داخلها، فيصبح صراعا وجوديّا يصرّح ولا يلمّح بتلك التّقاليد والأعراف الاجتماعيّة التي سيطرت على المجتمع العراقي وخاصّة فيما يتعلّق بحادثة الموت. لكن رغم أنّ هذه الشخصية توحي بأنّها واقعيّة إلاّ أنّنا لا يجب أن نغفل على ذلك الميثاق الأدبي التخييليّ الذي يجريه الكاتب حميد الحريزي مع المتلقي، “وهكذا فإنّ الشّخصيات ليس لها وجود إلاّ بقدر ما يخبرنا به النّص فهي لا تعيش سوى في ثناياه”.

فالناقد فيليب هامون في كتابه” سيميولوجيا الشخصيات الرّوائيّة” يرى الشخصيات علامات” فهي كيان فارغ أي بياض دلاليّ لا قيمة لها إلاّ من خلال انتظامها داخل نسق هو مصدر الدّلالات فيها وهو منطلق تلقيها أيضا” فالشخصية تتشكّل ضمن رؤى الكاتب والقارئ والنصّ. لذلك فالكاتب حميد الحريزي جعل من هذه الشّخصيّة الرّئيسيّة تقرأ في هذا السّياق العامّ لما تطرحه من ثيمات تشكّل الخطاب الرّوائيّ لروايته القصيرة جدّا “هذيان محموم”، وقد اقترح تودوروف وديكرو أن نتبيّن كيفيّة تمظهر الشّخصيّة في النصّ وأولى هذه الكيفيّات هي في الاسم العلم للشّخصيّة.[1] وقد اختار الكاتب أن يسم شخصيّته هذه بطريقة غير مباشرة وهذا “عندما يكون من مشمولات المتقبّل أن يستخلص النّتائج وأن يسمّي المزايا إمّا انطلاقا من الأفعال التي تمارسها الشخصيّة أومن الشّخصيّة التي تدرك بها الشّخصيّة غيرها.[2] فشخصية”حامد” ولا سيما في خطاب الوصف القائم أساسا على رصد الصّفات الخِلقيّة والخُلُقيّة للموصوف لم يسع الكاتب “حميد الحريزي” إلى التوسّع في وصفها كما هو الحال في الروايات القصيرة أو الرّواية الطّويلة التي قد يفرد فيها الكاتب فقرات أو صفحات للوصف الدّقيق وبذلك لا يترك للقارئ المشاركة في تصوّر خصائص الشّخصيّة فكما يرى “فيليب هامون” أنّ الشّخصيّة ليست من بناء النصّ وحده بقدر ما يساهم المسرود له أو القارئ في إعادة تركيبها”[3] ولعلّ اخيار الكاتب عدم التوسّع في الوصف يتماشى مع شرط الاختزال في بناء الرّواية القصيرة جدّا. يقول الكاتب في الصفحة الأولى من الرواية:” كما تتهاوى ورقة صفراء على الأرض بفعل  ريح عاتية، عجزت  يده عن هش ذبابة أثارت طنينا مزعجاً بالقرب من أذنهِ اليمنى” يقول في الصفحة الثانية:” تتناوب مظاهر متناقضة على وجه حامد المعروض أمام أنظار المتسائلين،” من خلال المثالين نرى أنّ الكاتب لم يتوسّع في وصف “حامد” وصفا دقيقا مفصّلا بل اكتفى بالتلميح دون تصريح.

ب – شخصية “حامد” من خلال السّرد:

كان الراوي العليم في هذه الرّواية يتابع حركات “حامد” وأفعاله فنجد جلّ أفعال الشخصيات الأخرى متعلّقة بها ومرتبطة بأحداث يعيشها “حامد” أثناء معاناته من سكرات الموت أو خلال مراسم دفنه، أو بعد دفنه ولقائه شخصيات غادرت الحياة. يقول الكاتب في الصفحة الثالثة: يتجاهل حامد هذا القول، عيناه تدور (حامد) على الجالسين قارئاً ما تضمر نفوسهم”

” يسمع حامد: وأنا كيف تتركني في مثل هذا الوضع دون أنْ تحدد مصيري وتموت؟”… ” تتصاعد حسراته. تأخذه شبه إغفاءة متسائلاً هل سيجد الإنسان بعد يوم الحساب في الجنة مكتبات تضم مئات الملايين من الكتب الصادرة”

من خلال هذه الأمثلة يبدو الرّاوي محايدا فهو ينقل للقارئ ما يحدث معه وما يقوم به من أفعال وردّات فعل عمّا يحدث حوله. ثمّ يترك الرّاوي الشخصيّة تتكلّم عن نفسها بضمير المتكلّم يقول في الصّفحة التّاسعة “تعددت لافتات الأخبار عن وفاتي في صفحات التواصل الاجتماعي”(…)  عندها أحست روحي بارتياح وعادت إلىَّ فرحة منتصرة”. ويأتي هذا ضمن بحث الراوي عن تنويع طرق السّرد ففي عدّة مقاطع يتكفّل “حامد” بهذا الدّور وهذا لا يحيد عن الميثاق الفنيّ الذي يجريه الكاتب “حميد الحريزي”  مع المتلقّي. ثم يعود الكاتب إلى نقل الأحداث المتعلّقة بحامد من جديد يقول في الصفحة11: بالقرب منه يشعر حامد بوجود حركة(…) استمع إليه حامد وزال عجبه حينما سمع صوت أبيقور والمعري والخيام، فهو لا يرى تفاصيل جسده.” فالسرد بدا سردا خطيّا يسير مع حركة الشخصيّة وهذا يخدم مقصد الكاتب في جعل الشخصيّة الرّئيسيّة تقودنا إلى  الالتقاء بالشخصيات الأخرى والتّحاور معها لينفتح الحوار على قضايا وجوديّة وفكريّة تشغل “حامد” بل تشغل الإنسان. فالرّواية بذلك لم تعد خاضعة من هذا المنطلق إلى ذاك البناء الأرسطي للمسرحيّة(بداية فقمّة فكارثة أوسقوط) بل هي أساسا لا تنحو بالأحداث نحو نهاية أو قفلة كما هو الحال في الأقصوصة أو القصّة القصيرة.

ج – شخصية “حامد” من خلال الحوار:

+الحوار الباطني:

ترك الكاتب للشخصيّة في بداية الرواية حريّة مخاطبة نفسها لتكشف لنا عن أفكارها ومشاعرها. فتلك الحيرة التي يعيشها “حامد” انعكست على علاقته ببقيّة الشّخصيات الثّانويّة. يقول الكاتب على لسان “حامد” الصفحة الثّالثة:

إذن ماذا سيفعل الإنسان في جنات الخلد سوى ممارسة الجنس وأكل كل ما لذّ وطاب ويشرب من أنهار العسل والخمر واللبن؟. وأرجح أن يكون الناس بعمر المراهقة والشباب وإلا ما فائدة الغلمان والجواري؟؟

-هل يمكن أن يروْا الله، أو يسمعوه مباشرة أو عن طريق وسيط ربما يكون من الملائكة؟

ويقول في الصفحة  الثانية:” يبدو أنَّ أفراد عائلتي متواطئين مع من يريد أن يخنقني ويخمد أنفاسي، أمن المعقول أنَّهم لا يرون هذا العملاق المخيف؟؟

هل هذا هو الموت يا أبيقور، يا من لا تخاف الموت؟” فالحوار الباطنيّ يؤكّد مقصد الكاتب بتوجيه انتباه المتلقي إلى هذه الشخصية فعلا وقولا فهذه الهواجس ستقودنا إلى شبكة من العلاقات مع الشخصيات الأخرى وكذلك مجموعة من الحوارات الحاملة لقضايا وأفكار المتحاورين ومن ورائهم أفكار الكاتب ورؤاه. لذلك سنرى تأثير الحوار المباشر على هويّة الشخصيات سواء الرئيسية(حامد) أو الثانويّة(قبل الموت الأسرة والمحيطين بحامد) (بعد الموت الفلاسفة والشعراء) وقد أجّلت الحديث عن الحوار المباشر لأنّه أخذ حيزا أكبر من الرّواية في علاقة حامد بشخصيات اختارها الكاتب تماشيا مع ما يخدم مقاصده الفكريّة من هذه الحوارات؟

2- الشخصيات الثّانويّة:

أ- حضور الشخصيات الثانويّة في الحوار المباشر بعد دفن حامد:

إنّ حضور الحوار المباشر بدا مهمّا انطلاقا من الفصل الثالث للرواية وبدت مواضيعه ذات قيمة معرفية وحضاريّة وثقافيّة وعقائديّة، بل إنّ المتحاورين المختارين من الكاتب بعناية صاروا حمّالي دلالات لذلك تنوّعوا بين مشارب وحقول معرفيّة شتّى أثرت متن الرّواية وجعلت الكاتب حميد الحريزي يجتهد في بناء عالمه السردي الروائي بحضور ما هو فلسفيّ معرفيّ. يقول الكاتب في الصّفحتين 11و12: وصوت يحدثه بحرف عربي فصيح وواضح:

– لا تخف يا جاري العزيز فأنا جارك في المقبرة ولكني أقدم منك من حيث تاريخ  الدفن هنا  فلم تمض عليَّ أكثر من سنة،

سأل  حامد  جاره:

– باعتبارك مقيما أقدم مني في المقبرة  كيف  تقيم العلاقات  بين الموتى، هل هي مشابهة لما تظهره القبور من الفوارق بين متعالٍ باذخ العمران وبين أخر يحتضن الأرض تواضعاً أشبه بقزم يقف بجانب عملاق يفرض هيبته ووجوده على الجميع؟؟

– أخي حامد عليك منذ اللحظة أنْ تنسى كل ما  تعلمته ووعيته وعرفته في الحياة الدنيا

في الصفحة 14 يقول:  بعد فترة صمت قصيرة  توجه أبيقور إلى حامد قائلاً:

-((على فرض وجود ذلك، فهذه الإلهة بوصفها آلهة هي أسمى من أن تهتم بأمرك أيها المسكين المتوهم، إنّ الآلهة في عليائها تنتظرك لتموت لتحاسبك، ما وزنك أنت؟، ما قيمتك أنت في هذا العالم  اللامتناهي؟…))

من خلال  هذه الشخصيات التي أجرت حوارات بينها وكان “حامد” طرفا رئيسا فيها يقدر القارئ المثقّف أن يقف على دور الحوار المباشر في تأكيد نخبويّة هذه الشخصيّات عبر أقوالها التي تكشف عن أفكارها ورؤاها فالخطاب الرّوائيّ أصبح يرتدي حلّة فكريّة فلسفيّة عقائديّة. وهذا يعتبر توظيفا جديدا لمفهوم الشّخصيّة يختلف عن المفاهيم الكلاسيكيّة مثل دور البطولة أو ضمن نظريّة العامليّة التي جاء بها” قريماس” أو بما هي (الشخصيات) فواعل، بل لنقل أصبحت حاضرة بأقولها أي قوليّا وهنا صار الحوار أهمّ من الأفعال لتكون الرّواية فضاء حرّا لتبادل الأفكار والقضايا الإنسانيّة.

الخلاصة: 

إنّ هويّة الشّخصية في الرواية القصيرة جدّا “هذيان محموم” للكاتب العراقي حميد الحريزي كانت على غاية من الجدّة والطّرافة فهي في الوصف والسرد والحوار تجاوزت النمطيّات الكلاسيكيّة لهويّة الشّخصيّة الرّوائيّة فتنوّعها جاء مواكبا لتنوعّها في الرواية القصيرة أو الرواية الطّويلة لكنّ حضورها في هذه الرّواية القصيرة جدّا تميّز بهويّة جديدة قائمة على اختزال الوصف وتنويع طرائق السّرد والحوار ومواضيعه فالكاتب استطاع أن يعقد الصلة بين روايته والمتلقّي. ولعلّ مقاربة الشخصيّة تفتح لنا الباب أمام مقاربات أخرى تهم المكان والزّمان في الرّواية القصيرة جدّا لا تخرج عن المثاق الفنّيّ الأدبيّ لنوع الرواية القصيرة جدّا

 

ناقد من تونس

 

[1] أحمد السّماوي،عالم القصّة في سرد طه حسين، ط1،1996،التعاضدية العمّالية للطباعة والنّشر  ، ص12

[2] و.ديكرووت.تودوروف،المعجم الموسوعي لعلوم اللّغة،ص ص291،292

[3] أحمد السماوي،نفس المرجع،ص14

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً