الرئيسية / الأعداد / العدد الثالث والسبعون / أعمدة ثابتة 73 / عندما ينتصر الفن على العيوب – عـادل عطيـة

عندما ينتصر الفن على العيوب – عـادل عطيـة

لقـــــــــــــــــاء

عندما ينتصر الفن على العيوب

عادل عطية*

 

في فلورنسا، عاصمة الفنون في القرن الخامس عشر، تحلّقت جماعة من الفنانين حول كتلة ضخمة من الرخام، يزيد ارتفاعها على أربعة أمتار، لكنها كانت رقيقة، وقد نُحتت قاعدتها على هيئة مثلث حاد الزوايا.

كان الاهتمام منصبًّا على تقييم تلك الكتلة الحجرية التي عبثت بها يد نحات أخرق، فأفسدتها إفسادًا بدا كاملاً.

راح الفنانون يتأملون ما أصابها من ضرر، يهزون أكتافهم، ويرفعون أذرعهم في أسى ممزوج بالغضب، ثم يطأطئون رؤوسهم ويتمتمون: “مستحيل… هذا مستحيل!”.

كانت الكتلة من رخام فريد، مهيب الحجم، رائع التكوين، غير أن ما لحق بها من تشويه بدا بالغًا إلى حد جعل الإفادة منها أمرًا مستبعدًا.

وذات صباح، أقبل شاب عامل، فأقام حولها سقالة خشبية عالية، وبدأ يعمل فيها بصبر وإصرار.

وخلال أربع سنوات، ظل المارة يسمعون صوت الأزميل يضرب الرخام، وصوت المطرقة الخشبية المكتوم يتردد في المكان.

وأخيرًا اكتمل العمل، وأزيلت الأخشاب… فإذا بأهل فلورنسا يقفون مدهوشين أمام تمثال «داود» البالغ الروعة!

فمن تلك الكتلة الرخامية الهائلة المشوّهة، التي لم يكن أحد يظن أنه يمكن الإفادة منها، صنع «مايكل انجلو» واحدًا من أعظم روائع الفن في التاريخ.

لقد حوّل عيوب النحت الأول إلى عناصر جمال آسرة؛ فالارتفاع المفرط جعله بنيةً عضليةً لمصارع شاب، والثغرة التي كانت تشوّه القاعدة حوّلها إلى فراغ طبيعي بين الساقين القويتين.

وكان التمثال، في مجمله وتفاصيله الدقيقة، آيةً في الفن؛ فالعضلات والعروق بدت نابضة بالحياة، حتى ليخيّل إلى الناظر أن دمًا حارًّا يجري في شرايين ذلك الرخام.

لم يكن تمثالًا فحسب، بل كان أكثر من ذلك… كان حياةً تنبعث من الحجر، وكان نوعًا من القيامة الفنية؛ إذ تحوّلت الرخامة الباردة الجامدة إلى كائن حي، بعد أن لم تكن سوى كتلة مثقلة بالعيوب. لقد أصبحت «داود» الذي تحدّى «جليات» الجبار.

وهذا التمثال المدهش، الذي يزيّن فلورنسا منذ خمسة قرون، ما يزال يقول لنا حتى اليوم: لا تيأسوا من شيء، حتى من كتلة رخام صمّاء تبدو بلا قيمة؛ فكل ما تحتاجه هو يد فنان مبدع، قادرة على أن تحوّل العيب إلى جمال، والجماد إلى معجزة.

كاتب من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً