الرئيسية / الأعداد / تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة -رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا

عبدالرزاق اسطيطو *

 

جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة فاس، موضوعا لروايته، محاولا إعادة الاعتبار له انطلاقا من المعارك والبطولات المتعددة التي شهدتها ضفاف وادي اللبن.وهي المعارك التي لم تحظ من قبل التاريخ الرسمي بذكر يوازي أهميتها. وقد لخص الكاتب في المقدمة علاقة هذه الرواية بالتاريخ المنسي لمنطقة تيسة التي ينتمي إليها السارد والكاتب في نفس الوقت. وذلك بالقول “تمتاح هذه الرواية حكايتها من خيال منضد على وقائع بعضها حدث فعلا، وبعضها حدث احتمالا”1 . وهو القول الذي يكشف لنا كيفية توظيف الروائي للوقائع والأحداث التاريخية التي عرفتها منطقة تيسة المطلة على وادي اللبن. بمعنى أن هذه الأحداث التاريخية وظفت بشكل روائي تخييلي حديث، وقد استمدت الرواية مصداقيتها ومرجعيتها من الذاكرة الجماعية لتيسة ومن كتب سجلتها الموسوعة الفعلية وبين كتب سردتها موسوعة الرواية”إذ استطاع الكاتب عبر السارد كمال الكشف عن خلفيات الأحداث والمعاني، والأمكنة والأزمنة التي دارت فيها أحداث الرواية، والشخصيات التي شاركت فيها، والمصائر التي انتهت إليها .

تنطلق أحداث رواية وادي اللبن  بخبر وفاة خال كمال بطل الرواية، وتنتهي الرواية بوفاة عبدالله المهياوي  الملقب بأغراب، وهو ابن خالة أم السارد، الذي كان قد أخبر السارد بحكاية سرقة رجال التحرير للتاج الملكي الذي أهداه لجدهم. مما دفع بالسارد إلى البحث عن صدق أو زيف هذه الحكاية التي تزعم أن لسلالة المهياوي  هدية سلطانية. والسارد كمال وهو شخص مثقف، أستاذ باحث في مجال التاريخ يميل إلى التأويل. مهووس بالبحث والقراءة. ” كي أبحث في كتاب ابن سيرين أو غيره عن تأويلها”مؤمن بالحدس، ويعتبر على أن الحدس هو حدس فطري ويفسره بأنه يتجلى في نداء خفي لا نعرف مصدره. والذي أخبر كمال عبر الهاتف بوفاة الخال هو أخوه عبد الدايم، الذي في اسمه دلالة على دوام العلاقة ومتانتها سواء بالسارد أو بأهالي تيسة.ويستقر أخو البطل بفاس القريبة من تيسة، ويخشى البطل أخبار الموت يعرف بحدسه على أن الأخبار التي ينقلها الهاتف بالليل هي غالبا أخبار محزنة مرتبطة بالموت “صباح الخير من مات”.ومن خلال المكالمة التي دارت بينه وبين أخيه يتبين وفاة خال السارد. ومباشرة بعد ذلك سوف يسيطر الحزن على السارد ويدفعه إلى استرجاع علاقته بخاله المانع الحياني. ونتعرف من خلال تقنية الاسترجاع التي تمتح من الذاكرة الفردية الطفولية لكمال على حياة كمال وأفراد أسرته؛ فهو أب متزوج له ابن وبنت وإخوة يسكنون بالدار البيضاء وفاس، ومباشرة بعد انتهاء المكالمة سوف يتوجه السارد إلى فاس معشوقته التي له بها ذكريات لا تنسى يقول عنها” أروع لحظات العمر تلك التي تسمح لي بالذهاب إلى فاس. مدينتي المعشوقة، التي لا تعوض مكانتها في قلبي مدن الدنيا قاطبة”5 ومنها ينتقل إلى تيسة مسقط رأسه التي تبعد عن فاس بحوالي أربعين كيلومترا باتجاه تازة أو تاونات. ثم يسترجع حياة إخوته وماضيهم “حميد الأكبر سنا، عامل بمصنع أحذية نسائية، حفظ القرآن الكريم منذ الصبا لم يتوفق في مساره الدراسي، ورسب سنتيين متتاليتين في السنة الثانية إعدادي فطرد من الدراسة ثم عبد الرسول الذي يصغره بسنتين، غادر بدوره الدراسة مبكرا”.فرواية وادي اللبن عبر التذكر تتغذى من بدايتها لنهايتها من مخزون الذاكرة الفردية لكمال، والجماعية لتيسة عبر اعتماد تقنية الاسترجاع التي تملء الفجوات وتربط الماضي بالحاضر وتكمل صورة الشخصيات والأحداث”7  .ينتقل بعد ذلك السارد في اطار استرجاع تاريخ المغرب إلى بداية السبعينيات حيث شهدت هذه الفترة هجرة اليهود المغاربة المكثفة. كما وصف السارد وهو يسترجع ذكرياته عادات وطبائع كل واحد من إخوته، وعمل على تحديد موقع وادي اللبن مستندا على الوصف “كان صباحا باردا لا يعد بشمس مشرقة، أو بفجوات صحو تبدو خلالها زرقة السماء التي نشتهيها، في مثل هذا الوقت، بتيسة الرابضة بهدوء، قاتل وممل، بين جبال مقدمة الريف، على الضفة اليمنى لوادي اللبن”8  ثم يعود السارد لاسترجاع حياة خاله كيف كانت حيث نكتشف من خلال هذا الاسترجاع بأنه كان إنسانا بسيطا عاديا متعبا بهموم الحياة منشغلا بواجباته فقد اشتغل قهوجي في السوق الأسبوعي لتيسة. والطريق إلى تيسة هو طريق ضيق  وكثير المنعرجات، لأنه منحوت وسط الجبال والتلال، إنه بداية طريق الوحدة التاريخي الشهير الذي شارك في تعبيده الملك الحسن الثاني والمهدي بن بركة، وثلة من رجالات الدولة والمقاومة”9 وهو الطريق الوحيد الذي يربط العاصمة الأولى للدولة فاس بمدينة المحمدية عبر تيسة وتاونات وكتامة، وتركيست ولا مناص من المرور به. وأثناء حضور السارد كمال بتيسة لتشييع جنازة خاله سمع جملة قالها أغراب ” سرق رجال التحرير تاج جدنا الذي أهداه إياه السلطان”10فأي تاج يتحدث عنه أغراب ؟ هذا ما شغل السارد ويتبين من خلال أحداث الرواية هو أن البحث عن تاج السلطان صار من أبرز أحداث الرواية. استثمر الروائي عبداللطيف محفوظ المادة التاريخية ليعيد بناءها بواسطة التخييل ليقدم للمتلقي عبر شخصيات الرواية تركيبا جديدا للوقائع والأحداث والظروف التاريخية في تلك الفترة معتمدا على التأويل السيميائي . فقد جعل الروائي من صفات بطل الرواية كمال الحنين إلى الماضي والشرود والتأويل والبحث عن الحقيقة الضائعة، والوفاء للأمكنة وللأزمنة والافتتان بالفن وبالطبيعة والأحداث التاريخية المرتبطة بوادي اللبن ومنطقة تيسة المعروفة بشجاعتها وفروسيتها ومواجهتها لكل محتمل “بدت لي، على غير ماأراها رسومات تضمر جمالية خفية لا تدركها عين ترى الأشياء بروح فنان” 11فاستحضار الماضي عبر أسلوب الاسترجاع والاستذكار هيمن على الرواية من بدايتها لنهايتها “فهو السمة الأساسية لأي كتابة وهو التدفق الحركي المتصاعد الذي يعمل على تجميع العناصر الدرامية المتفرقة والمتباعدة “12” أخذني شرودي إلى استعادة شكل الحياة في تلك الأزمنة البعيدة، وخصوصا منها أيام الجمع التي كان يسعد بحلولها الحرفيون والتجار الذين كانت تعج بهم المدينة القديمة “أخرجني أخي من شرنقة السفر البعيد في مسارب الذكريات اللذيذة “13وبها سيكون لقاؤه بزميله عمر التاهلي الذي اشتغل معه بالدار البيضاء، واعترف السارد بأن صداقته بعمر كانت قوية جدا، وحافلة بالذكريات المشتركة، ويسترجع السارد أول لقاء له بعمر والذي كان بقبو الشرطة “اعتقلت حوالي الساعة الرابعة مساء بباب فتوح، واعتقل هو في نفس الوقت تقريبا”14واعتقاله كان بسبب دهسه لرجل عجوز وتدخل أخوه وزوجته لإخراجه من ورطته بعد تنازل الشيخ عن القضية مقابل مبلغ مالي، ويتبين على أن البطل شخصية متحررة وهذا ما يكشف عنه السارد بالقول “دخلت إلى الحانة ضاحكا، وعانقت عمر بحرارة قال لا نلتقي بالمحمدية وها نحن نلتقي بفاس” 15   كما يبرز موقف كمال من الأحزاب السياسية خاصة التي تدعي التقدمية و”هي حافلة بقيادات متواطئة تنهب الأراضي، وتحصد الامتيازات “16مبرزا كيف تشكلت في عهد الاستعمار نخبة من الأعيان والشرفاء استغلت سداجة العامة لتستولي على أملاكها، وتصبح من ذوي النفوذ بل أكثر من ذلك أنها ستتواطأ مع المستعمر ضد الأهالي والمقيمين الشرفاء.كما وجه كمال أثناء سرده سهام النقد لفساد  بعض أعوان السلطة “حين ذهبت إلى المقاطعة تلكأ المقدم الذي ربما اعتاد على الإكراميات المسبقة لتسليم الوثائق المستحقة “ 17.لينتقل السارد عبر الاسترجاع والوصف إلى تاريخ الفيضانات التي كانت تأتي على تيسة عندما يفيض وادي اللبن. ويسلط السارد الضوء على ما يعتمل في نفوس الأهالي من خوف بسبب ما تخلفه هذه الفيضانات من ضحايا وخسائر وتوقف طويلا السارد عند اجتياح مياه فيضان واد تيسة لبيت الفراط وسعي أهالي تيسة لإنقاذ عائلة الفراط من الغرق في يوم ممطر عاصفي وتضامنهم معه كما ارتبط هذا الفيضان بحكايتين متلازمتين الأولى اختفاء الصندوق الذي كان به كل ما يملكه الفراط خاصة التاج الذي كان قد أهداه احد الملوك لأحد أجداده وذلك أثناء الفيضان والثانية مرتبطة باختفاء وغرق وجنون الفراط بعد اكتشافه ضياع صندوقه في الفيضان. “ثم بدأ البحث عن الفراط  ليكتشف في النهاية وجود الفراط بمستشفى سيدي بوجيدة للأمراض النفسية بعد أن دعاهم الطبيب إلى زيارته والسماح لهم بخروجه من المستشفى “في الصباح الباكر جاء سائق الشاحنة وأخذ، مقدما أجره وقيمة رشوة الطريق ” 18وفي هذا انتقاد لفساد بعض أفراد السلطة  فالرواية كانت تعكس بوضوح مظاهر حياة المجتمع الظاهرة منها والخفية، في دعوة إلى رفضها، “فالرواية الحديثة أظهرت قدرتها على استيعاب معطيات الراهن والآني، ولم تعد مجرد سرد أدبي للتاريخ الموضوعي في بنيته الحديثة الخارجية، بل أصبحت التاريخ الإبداعي والوجداني العميق المتخيل لهذا التاريخ الحدثي الذي يجاوز هذه المظاهر الحدثية ليغوص في أعماق ما يدور فيما وراء وفي باطن وفيما بين الأفراد والجماعات والطبقات والأحداث والوقائع الجزئية والعامة والذاتية والجماعية من مشاعر وهواجس ورغبات وتطلعات وارادات وايديولوجيات وأفكار وقيم ومواقف ولغات “ 19ونكتشف عبر مسار الرواية كيف صار السارد كمال مهووسا بقصة الوسام والتاج وقصة الفراط وأغراب مع هذا التاج محاولا فك خيوطها، والوصول إلى أصلها وحقيقتها، حيث شغلت هذه القصة باله وأرقت عليه مضجعه ” كنت أحس بأنني مدفوع برغبة خفية في البحث عما وراء التاريخ مستترا باختلاف فضول التعرف على حكاية واقعية تبدو شبه خيالية  “20  .وما البحث في أصل هذه الحكاية وصحة روايتها ماهو إلا بحث في تاريخ منطقة تيسة المسلوب والمنسي والمهمش، لكن ليس بعين المؤرخ وقلمه وإنما بعين الكاتب الروائي وقلمه وعين سارده كمال، وتأويل عقله ومنطقه في محاولة لكتابة تاريخ تيسة المنسي الحافل بالانتصارات والبطولات وأهمها صد حملة العثمانيين على المغرب ومنعهم من احتلاله فالرواية هي تاريخ من لا تاريخ له “وكثيرون ما ذهبوا إلى أن الرواية هي كتابة التاريخ غير الرسمي أو التاريخ المنسي ” 21 وقد أدى ضعف وغياب المعلومات، وتضاربها بين الرواة أحيانا بالسارد كمال إلى تمزيق الأوراق التي دون فيها المعلومات عن المنطقة وعن قصة التاج والوسام الملكي” قمت وأنا أقول لنفسي: “تاج مفقود، صندوق مفقود، علم مفقود، أصل حكاية مفقودة” 22 .وكان يلجأ في الغالب أثناء البحث والتقصي وسماع الحكايات المرتبطة بالتاج وبتاريخ تيسة إلى المنهج السيميائي، لتأويل المعلومات والمعطيات وتفكيك الحكايات أو الأحداث المروية من شخصيات الرواية للوصول إلى حقيقة التاج إن لم نقل حقيقة تهميش تاريخ التيسة الذي يشبه حكاية التاج المفقود أو المسروق، اعتمادا على ما يحكيه الأهالي والأصدقاء، أو اعتمادا على بعض الكتب بعد تأكده من صحة معلوماتها باعتماد الربط المنطقي بينها وبين ما حصل من أحداث “باختصار لم أجد ذكرا مسهبا وشبه مقنع إلا في كتب لا زاريف الإسباني، ومحمد المودن، ومحمد مزين، حيث تاريخ المنطقة أكثر وضوحا من حيث التسلسل والثوتيق من خلالها توضحت لي نسبيا بعض الحقائق التي يمكن أن تكون سندا لتأويل ممكن”23  .وبفضل هذا التأويل كان يصل السارد إلى خلفيات الأحداث وأسباب وقوعها لسبر أغوار المناطق والقبائل المجاورة لوادي اللبن أو في البحث عن حقيقة حكاية التاج أو الوسام المفقود، بينما كان في الحقيقة، يبحث عن الوسام أو التاج الذي هو حق من حقوقه، كي يسلبه من هذا الخائن الذي سجن المقاومين وأرشد عنهم خصوصا بعد نفي الملك الذي تحدث عنه كل من أغراب ومحمد الفراط “من بين المقتحمين ابن عمه الفراط، الذي كان لا محالة يتظاهر بالنكش والتكسير، بينما كان في الحقيقة، يبحث عن الوسام أو التاج الذي هو حق من حقوقهن كي يسلبه من هذا الخائن الذي سجن المقاومين وأرشد عنهم خصوصا بعد نفي الملك“24وليست رواية وادي اللبن بحثا في التاريخ المهمش والمنسي لوادي اللبن، وإنما هو بحث كذلك في قيم وعادات وثقافات وأنماط حياة  أهالي تيسة في عصور مختلفة كالتداوي بالطرق التقليدية على يد النساء اللواتي تحولن  بالوراثة، إلى طبيبات. وتعد اللاعيادة كشخصية في الرواية نموذجا للثقافة الشعبية المتداولة والمشهورة في تيسة “كانت للالة عيادة محبوبة من قبل الجميع، ليس فقط لأنها كانت تداوي كل أنواع أمراض الفم والحنجرة بفضل غصن من شجرة الدفلى وبركة من لعابها الشري”25كما اهتم الروائي عبداللطيف محفوظ عبر سارد الحكاية كمال بكل ما يحكم التصور الاجتماعي من خرافات وأساطير وسطوة للسلطة والأخلاق والامتثال لتوجيهات العقيدة والعادات والتقاليد والأعراف. مستثمرا أثناء السرد والوصف  لهذا التصور التأويل السيميائي .كما لو أن السارد كمال الذي ينوب عن الكاتب لم يكن يسرد لنا حكايات وادي اللبن، وإنما كان يؤرخ للحياة الاجتماعية لأهالي تيسة بشكل فني تخييلي وبأسلوب سردي روائي متحرر من قيود المؤرخ الرسمي باستثمار الذاكرة الجماعية بتمثيلها لتاريخ وادي اللبن. ذلك أن النقاد أجمعوا على أن مجموعة من الروائيين مؤرخين لعصرهم، وهذا راجع لقدرتهم على الـتأريخ لوقائع وأحداث وحياة اجتماعية وقعت في عصرهم أوفي العصور السابقة عنهم بشكل فني ممتع. خاصة منها المنسي والمهمش والمسكوت عنه “ولهذا اعتبر الروائي الفرنسي بلزاك نفسه مؤرخ العصر، واميل زولا هو مؤرخ للحياة الاجتماعية في القرن التاسع عشر، ونجيب محفوظ مؤرخا للقاهرة في الأربعينيات، وكذلك عبدالرحمن منيف في مدن الملح “26  .وكذلك عملت رواية “وادي اللبن “لعبداللطيف محفوظ على الوقوف طويلا عند القيم والعادات خاصة النبيلة منها التي كانت تزخر بها الهوامش المنسية المجاورة لوادي اللبن، وابراز العلاقات التي أنتجتها وتحكمت فيها كالتآزر الاجتماعي أثناء الكوارث والمصائب والأحزان. مثلما رأينا عندما داهم الفيضان منزل الفراط، وأغرق محتوياته، حيث عمل أفراد القبيلة بحب على التعاون معه ومؤازرته ماديا ومعنويا، وهو ما نقف عنده بقول السارد “فتح النقاش من جديد، وساد الاختلاف، لذلك حسم الحاج الأمر فقرر أن يكون المسكن قارا، وأن تتم مبادلة قطعة من أرض الفراط قرب الوادي بمثيلتها في حمى الحي فوجد ذلك قبولا حسنا عند العديدين” 27 .كما وقف السارد طويلا في أكثر من مرة عند خصلة الكرم، وحميمية أواصر القرابة بين أفراد أهالي تيسة ومثال ذلك حفاوة استقبال السارد من طرف المهدي،  وكريم المهياوي، ومصطفى كما يتبين لنا من خلال الرواية مدى صعوبة مهمة كمال في الوصول إلى تاريخ تيسة وتاريخ معاركها، وأصل حكاية التاج. حيث بدت مهمة كمال كباحث في التاريخ صعبة ومعقدة وتتجلى هذه الصعوبة في الوصول إلى معلومات، ومصادر وكتب تساعده، في فهم قصة ما قاله أغراب عن التاج، وإجابة على سؤال لماذا تم تهميش معركة وادي اللبن، ولماذا تم نسيان وإهمال ذاكرة تيسة موطن أم السارد كمال بطل الرواية وموطن خاله، يرد السارد كمال قائلا:” وقد دفعتني نتيجة بحثي الى التفكير في السبب الذي جعل الدولة تغض الطرف عن إحدى أهم المعارك في تاريخها تلك المعركة الفاصلة التي جعلت الأتراك ييأسون من احتلال المغرب، وقد تلتها معارك بلا عدد بين تيسة وجيرانها وكل متمردي الشمال والشرق، لأنها كانت عبر التاريخ تخوم مملكة فاس وبوابتها ” 28فالكاتب من خلال هذه الرواية يعيد الاعتبار لذاكرة وتاريخ وادي اللبن ولتيسة موطن أمه “استنتجت منه أن منطقة بردية كانت ميدان حروب متعددة أهمها معركة وادي اللبن الشهيرة بين الملك الغالب بن محمد الشيخ السعدي ضد الباشا حسن بن خير الدين بربروسا وأن آخرها حرب الدولة الشرعية في عهد المولى عبدالحفيظ ضد بوحمارة “29  .كما تيقن السارد كمال على أنها كانت دائما ميدان قتال للاستيلاء على فاس التي كانت على مر التاريخ عاصمة الدولة وعاصمة الشمال، ليتبين أخيرا لغز صمت الدولة عن إحياء ذكرى معركة وادي اللبن .بحيث بدا له ذلك عائدا إلى التباس التسمية بين معركة الغالب المظفرة ومعركتي المولى عبد العزيز ثم المولى عبدالحفيظ ضد بوحمارة فكلها عرفت بمعارك وادي اللبن ووقعت بنفس المكان “ضواحي تيسة “قرب حي المهاية، ولعل الاشتراك في الاسم جعل المخزن الذي وحده يهتم بتاريخ هذه المنطقة ويعقله، ومن هنا يأتي تأويل وتعليل السارد لماذا تجاوز المخزن الاحتفاء بصد الأتراك، واهتم بمعركة وادي المخازن، كما أننا نقف على معنى ودلالة تيسة بقول السارد” سؤال يطرح دائما من قبل مثقفي الحياينة، ومؤرخيها باستغراب كما يطرح السؤال عن تهميش المنطقة وموسمها التاريخي الذي يحتفي بالفرس والفروسية التي إليهما تعود تسمية عاصمتهم تيسة التي تعني بلغة افرقيش بن صيفي التابعي عاصمة الخيول. والتي عرفت بلا ريب، أول مهرجان للفروسية احتفاء بمعركة وادي اللبن ضد جيش سليمان القانوني”30 .وفي انتقاد السارد كمال لهذا الإهمال محاكمة للتاريخ الرسمي الذي أهمل تاريخيا ما شهدته مناطق شتى لم تكن مركزا، ومن بينها منطقة تيسة التي كانت ميدانا لعدد من المعارك أهمها معركة “وادي اللبن” ضد العثمانيين سنة 1558م31. فرحلة الكتابة روائيا عن ذاكرة تيسة  كذاكرة جماعية خاصة لم تكن سهلة نظرا لندرة الوثائق التاريخية عن هذه المنطقة، التي لم يوليها التاريخ الرسمي أهمية حيث يبدو أن كمال بطل الرواية تجشم عناء البحث والتقصي شفاهيا في البداية، استنادا إلى الحكايات الشعبية الرائجة والمتناقلة بين أبناء المنطقة وبين أفراد عائلة أمه. قبل أن يلجأ إلى كتب التاريخ التي ذكرت المنطقة والتي لم تكن كافية، لأنها تظم شذرات متقطعة ليس إلا، إلى جانب تضارب معلوماتها التاريخية حول تيسة. فالروائي عبداللطيف محفوظ من خلال السارد كمال كان يبحث عن المسكوت عنه في تاريخ منطقة تيسة ولماذا تم السكوت عنه وإهماله وفي ذلك اعادة الاعتبار لموطنه وموطن أمه وموطن سارده وهذه غاية روايته وادي اللبن حيث “تزاوج الكتابة الروائية بين سلطة التاريخ كخطاب مهيمن عايشته الجماعة البشرية وبين متطلبات سردية تعيد تشكيل الواقع تشكيلا رمزيا له فضاءاته الانزياحية، من خلال إعادة تمثل الحياة بالبحث عن الحقيقة وعن مجموع القيم والمعارف المندسة في أعماق الناس، مما يفرض على الكاتب مناخا تخييليا”32 تعاطت رواية “وادي اللبن “مع ذاكرة تيسة بنوع من النقد القاسي للتاريخ وللمؤرخين لإهمالهم لها .كما اعتمدت الرواية على التأويل، بتأويل السارد كمال لكل المعلومات التي توصل إليها في بحثه عن الهوية والتراث والحكايات والتاريخ الظاهر، والمستتر منه بحثا عن تاريخ تيسة، باعتبار التأويل كما يعرفه بول ريكور” طريقة لفك الرموز والشفرات”33، وقد اهتدى كمال الباحث عن تاريخ أجداده وأمه وقبيلته على الكتب التالية” تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية “لمؤلف مجهول، وكتاب “القرطاس “لابن زرع، وكتاب “مناهل الصفا في تاريخ اسيادنا الشرفا للفشتالي ومحاضرات اليوسي ونفح الطيب للمقري، وأجزاء من كتاب ابن خلدون “والذخيرة ” و”الاستقصاء” وغيرها. وهكذا يكون الروائي عبداللطيف محفوظ عمل على استلهام التاريخ وتأويل أحداثه ومروياته عبر تلاق انزياحي تخييلي روائي، وظف من خلاله آليات فنية سردية مختلفة. كتقنية الاسترجاع والتي تعد أبرز التقنيات المستخدمة في هذه الرواية إضافة إلى اعتماده تقنية التلخيص والحذف والاستشراف والحوار وغيرها من التقنيات السردية.

 

الهوامش:

  • عبداللطيف محفوظ رواية وادي اللبن دار الفاصلة ط1-2021- ص 7
  • نفس المصدر ص7

3- 4 -نفس المصدر ص10

5- نفس المصدر ص12

6- نفس المصدر ص 13

7- د:اوريدة عبود مجلة اللغة العربية العدد 44 المجلد 21 2019 ص 393 تماهي التاريخ والتخييل في رواية سوناتا

 8- عبداللطيف محفوظ رواية وادي اللبن “دار الفاصلة ط1 2021ص15

9- نفس المصدر ص17

10- نفس المصدر ص23

11- نفس المصدر ص-28

12- د: اوريدة عبود مجلة اللغة العربية  مقال تماهي التاريخ والتخييل العدد44 المجلد 21 2019ص 404

13- عبداللطيف محفوظ رواية وادي اللبن دار الفاصلة ط1-2021ص-32

14- نفس المصدر ص36

15- نفس المصدرص 44

16- نفس المصدرص45

17- نفس المصدر ص61

18- نفس المصدر ص 100

19- العالم محمد امين “الرواية بين زمنيتها وزمنها “مجلة فصول في النقد الادبي 1993ص 13-20

20- عبداللطيف محفوظ “وادي اللبن “دار الفاصلة ط1-2021 ص104

21- زياد الاحمد مجلة الجديد يناير 2020 العدد 60 العلاقة بين الرواية والتاريخ ص 11

22- عبداللطيف محفوظ رواية وادي اللبن دار الفاصلو ط1- 2021 ص 78

23- نفس المصدر ص145

24-  نفس المصدر ص113

25- نفس المصدر ص78

26- زياد الأحمد مجلة الجديد العدد60-2020 العلاقة بين الرواية والتاريخ ص13

27- عبداللطيف محفوظ رواية وادي اللبن دار الفاصلة ط1 2021 ص 85

28- نفس المصدر ص 174

29- نفس المصدر ص174

30- نفس المصدر ص174

31- نفس المصدر ص175

32- د: اوريدة عبود مجلة اللغة العربية  مقال تماهي التاريخ والتخييل العدد44 المجلد 21 2019ص 396

33- بول ريكور- صراع التأويلات (دراسات هيرمينوطيقية) ت منذر عياش مراجعة جورج زيناني ،دار الكتاب الجديد المتحدة ط1 – ص 233

 

كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

في الغُرْفَةِ رَقْم 3 مِنْ رَأْسِي – نهى الخطيب

نهى الخطيب* في الغرفة رقم 3 من رأسي امْرَأَةٌ تَعْرِفُ كَيْفَ تُحَوِّلُ العَالَمَ مِنْ حَوْلِهَا …

اترك تعليقاً