الرئيسية / الأعداد / “خنافس مضيئة”، رؤية جديدة في الفن والحياة للمغربي “سامح درويش” – حسني التهامي  

“خنافس مضيئة”، رؤية جديدة في الفن والحياة للمغربي “سامح درويش” – حسني التهامي  

 خنافس مضيئة”، رؤية جديدة في الفن والحياة

للمغربي “سامح درويش”

حسني التهامي*

 

 

في العالم العربي -كما هو الحال في أوروبا وغيرها من البلاد التي أفسحت المجال لفن الهايكو- لا تزال هناك تحديات تواجه كتاب هذا الفن، ذوي الفكر الطليعي، فيما يتعلق بماهية الهايكو، والشكل الذي ينبغي أن يكون عليه -وبعضهم حاول، دون جدوى، إيجاد مسمى غير مسماه الياباني، وآخرون يحبذون كتابته على سطر واحد، فيما يضعه غيرهم في ثلاثة أسطر. والمطّلع على تاريخ الهايكو الياباني -منذ نشأته حتى الآن- يلحظ مدى التحول الجمالي الذي مرت به قصيدة الهايكو على يد مؤسّسها الفعلي، ماتسو باشو، ومن أتى بعده من كبار الشعراء أمثال يوسا بوسن، وكوباياشي إيسا، وماسوكا شيكي، مرورا بجمعية “جينداي Gendai ” التي كسرت قيود الهايكو التقليدية كالموسمية، وكلمات القطع، وتناول الطبيعة كمصدر أساسي للجمال الحقيقي. وعلى الأرجح تظل هناك أربعة أشكال متعارف عليها للهايكو الذي يكتب على سطر واحد أو ثلاثة في أغلب الأحيان وهي الهايكو الخالص (هايكو الطبيعة)، والهايكو الهجين وهو السائد بين كتاب الهايكو في العالم، والسنريو، والهايكو الطليعي، أي هايكو ما بعد الحداثة.

يبين “جورج سويد”  George Swedeالشاعر الكندي، والمؤسس لهايكو كندا أن هناك نصوصاً تتجاور فيها عناصرُ الطبيعةِ مع العنصر البشري بكل ما يشير إليه من أثر مادي، أو مشاعرِ وانفعالاتِ تختلج في نفسه. يُطلق على هذا النوع الأكثر شيوعا بين كتاب هذا الفن “الهايكو الهجين”. تتوفرُ بعضُ عناصرِ الهايكو الكلاسيكيِ المُتعارفُ عليها كالموسمية، والاختزال، وعلامات القطع، والتنحي كمكونات أساسية للهايكو، ويشترك العنصر البشري في تكون المشهد الشعري، وإن كان، على الأغلب، ثانويا لا يتصدر اللوحة.

لنتأمل النص التالي لـ”جورج سويد”:

عواءُ ريحٍ

            تحتَ البدرِ

            رجلُ الثلجِ ، مبتورُ الرأس

تشير عبارةُ “عواءُ الرياحِ”، وكلمةُ “ثلج” ضِمْنياً إلى فصلِ الشتاء، بينما يعد رجُلُ الثلجِ أثرا بشريا مأخوذا من المادة الطبيعية، بيد أن الإنسانُ تدَخل في تصميمه وتجسيدِ صورتِه، لذا لا يعد هذا النص هايكو خالصا، أي لم تشكل الطبيعة تفاصيل اللوحة كلية.

تتطرق هذه الورقة إلى تجربة الهايجن المغربي سامح درويش في ديوان “خنافس مضيئة” المقسّم إلى ستة أجزاء، وتحوّلها الجمالي في ذات الديوان من الهايكو الهجين السائد بين شعراء العالم العربي إلى الفن الطليعي الذي ينظر إلى الهايكو كفن إبداعي لا يخضع لاشتراطات، لكونه لحظة جمالية والتقاطة لا مقصد من ورائها غير مسماها. يحتفي الجزء الأول من المجموعة الموسوم بـ”معْصوبَ المجاز أنظر إليْك يا أزْهار اللّوز” بالأنا التي لا يمكن تخيلها منفصلة عن العالم الطبيعي، فهي دائما تمتزج مع الكائنات الصغيرة وتتآلف معها، بل تتشابه، في كثير من الأحيان، مع الآخر غير البشري:

أنَا والقَمر،

وجْهَانِ لخَلْوةٍ واحِدَة،

معًا، نُضِيءُ فِي خُشُوعْ.

يضفي الهايجن في هذا النص على علاقته مع القمر نوعا من القداسة، فكلاهما شبيه في الخلوة والصفاء والكمال الروحي.

يقول أيضا:

ثَلاثَتُنَا،

نتَحدّثُ لُغَةَ الجُلَّنارْ

الدّعْسُوقةُ والرّمّانة وأنَا.

هنا يمتلك الشاعر حساسية الفنان المفرطة تجاه هذه الدعسوقة وثمرة الرمان اللتين تشكلان عالمه، وتتوافقان معه في كل شيء، حتى في ذات اللغة التي يتحدثها ثلاثتهم/ زهرة الجلنار الرقيقة. يخلق هذا الانسجام مع هذا الكائنات عالما أكثر توازنا وإنسانية، ويسعى إلى إزالة الفوارق بينها وبين الإنسان، كما يرسّخ لمفاهيم جديدة تجاوز مركزية الإنسان التي تضع من قيمة الكائنات الضعيفة في هذا الكون. وبذلك يحقّق هايكو سامح درويش بعدا أخلاقيا في الشقّ الأول من مجموعة الديوان، عبر الاتصال المباشر بالكائنات والحديث معها.

يقول في نص آخر:

عمْرُنَا وَاحِدٌ،

شجَرةُ اللّوز بِجَانِبِي

تُزْهِرُ الآنَ فِي وَقارْ.

هناك توأمة بين الذات وشجرة اللوز، وهذا التشابه حتى في لحظة الميلاد هو مصدر التوهج والدفء الذي يبعث الحياة من جديد، ويبدد وحشة الروح وينتشلها من غياهب عزلتها. فها هي شجرة اللوز تتفتح، وها هي روحه تشرق حين تتدفق البهجة نحو الداخل الكئيب.  توحي عبارة “في وقار” بامتداد حياة الشجر، وبمدى السكينة التي تبثها في روح الشاعر والمكان.

في الجزء الثاني من المجموعة “مكانَ قلْبي، بهِمّةٍ يحْفر نقّارُ الخشَب” يتفلت سامح درويش من الهايكو الهجين إلى الهايكو الطليعي برسم مشاهد سوريالية مذهلة تقصي فعل اللغة، وتترك القارئ وجها لوجه مع الصور المتلاحقة التي لا غاية لها سوى الجمال الفني.

Manucure ،

مِنْ علَى أظَافِرهَا

يطِيرُ  الفَراشُ .

نقْشُ حنّاءْ،

تحْتَ كُمّهَا الجُورْجِيتْ

تتَغَلْغَلُ بِيَ الزّخَارِف.

تلك اللوحات الثلاث مُجرّدة من أي مُلابسات فكریّة، أو معرفية، فهي – على عكس ذلك- لا تنشد شيئا جوهريا في الفن سوى الجمال. لقد سعى سامح درويش إلى حمل فرشاته، مدفوعا برغبة جامحة على التحول في تجربته الفنية، والانتقال من المنحى التقليدي المرتبط بالطبيعة والحياة. تتشكل اللوحات الثلاث من تفاصيل الحياة اليومية” Manucure، كمها الجورجيت، و”زخارف” الحناء”، حيث تتخلص اللغة من فعلها الدلالي والمجازي ولا يبقى سوى الألوان الموحية في جنبات اللوحة، بعيدا عن العنصر الطبيعي الذي بدونه لا يمكن تخيل الهايكو الكلاسيكي.

من “قُبْلة في الهواء تُبهج فتىً يُصْلح السّكّة” من ذات الديوان، نختار لوحات أخرى:

قطَارٌ عابِرٌ،

قُبْلةٌ في الهواءْ،

تُبْهجُ فتىً يُصْلِحُ السّكّة.

البُسْتانيّ،

بِكوْعيْهِ على مُشْط الأرْض،

يُحلّقُ مع طائِرة  تمُرّ .

بِقَضيبٍ منْ حَدِيد،

يرْسمُ قلْبًا

عامِل الخَرسَانَة.

استقى سامح درويش تفاصيل هذه اللوحات الجمالية من الحياة اليومية. فهو بانطلاقته من العالم الداخلي ليتشابك مع الواقع، يعيد إلى الحياة مشاهد متشابكة مع الذات والوجود. والشاعر بذلك لا يعيد إنتاج الواقع كما هو فحسب، بل يحوّله إلى عوالم متجددة من الجمال والكمال. ومن خلال رحلاته التأملية في الواقع، يصور الأشياء من وجهة نظر خاصة، تجمع بين واقع الصورة الحية وفعل الإبداع الشعري، دون أن يقدّم تأويلا أو تفسيرا لهذه اللحظة الجمالية المشعة.

في فصل آخر من الديوان بعنوان “خوْذَتُه معَه، لَكنّه يعْتَمر عمَامتَه”، يتجاوز سامح درويش بفرشاته الإبداعية إعادة إنتاج الواقع لخلق أنماط جديدة، ممسوسة بروحه الشعرية الوثّابة نحو التجريب والخلق، تسعى إلى تقديم رؤية خاصة وعميقة في الهايكو. يعتمد الهايجن في تقديم رؤيته الجمالية على المتلقي النوعي الذي يشارك المبدع في عملية البناء الفني للنص. ينطلق سامح درويش –في تقديم هذه الرؤية الحداثية- على المنحى الاستقزازي الذي يتجاوز رؤية المبدع الخاصة، وبذلك تتسع المساحة التخيلية والتأملية لدى القارئ.

يقول سامح درويش:

على لوْحة الإشْهار،

مَثّلُوا بالجَميلة،

وضعُوا لها شارِبيْن.

هنا تتكشف أمامنا لوحة فانتازية تعرض عالما أعمق للطفولة في لحظة من الوعي. لم تخبرنا اللغة صراحة بان من صنع الحدث في اللوحة هم الأطفال، بيد أن المساحات البيضاء في النص تشي بذلك. يعد تصوير العالم الطفولي دعوة لتغيير العالم والواقع، عبر تلسيط الضوء على عالم مفعم بالبراءة والبساطة، بعيدا عن تشابكات وتعقيدات عالمنا المادي المعاصر. يخلق الجمع بين الصور المعاكسة (الجميلة – شاربين) على لوحة الإشهار، تأثيرات مفاجئة ومتباينة، مما ينتج عنه صدمة للمتلقي، من شأنها أن تحرك ذهنية القارئ وتحقق له الإدهاش

في الجزء الأخير من المجموعة “سيرة الهايكيست: بالْتماعة منْ عينيْه يضيء هرّ اللّيل كياني”، يعود سامح درويش ثانية إلى المزج بين الطبيعي والبشري في بعض النصوص، مع غلبة للطابع السوريالي على طريقة رسم المشاهد الشعرية:

 عنْد الحلاّق،
لَديْكَ الوقْت الكَافي
لقِيَاسِ الهَاوِية.

سطْحُ بيْتِنَا القَديمْ،

منْ بِذارِ بهْجَتِي

تنْمُو الآنَ هذِه الأعْشابْ.

يقدم سامح درويش لوحتين بصريتين صادمتين بعيدتين عن الواقع من أجل إثارة القارئ، وإغرائه للغوص بحثا عن اللآلئ الدفينة في أعماق الهايكو. يسعى الهايجن من خلال ذلك إلى تحرير اللغة من قيودها التقليدية، إيمانا منه -وهو الشاعر والروائي المتمرس- أن لهذه اللغة إمكانيات لا محدودة من الغنى والتفرد والثراء. عمليا تبدو جوانب الواقع الملموس والظاهر في النص الأول من خلال كلمة (الحلاق) وفي التالي (سطح بيتنا/ تنمو الآن هذه الأعشاب)، بينما تتجاوز عبارة “قياس الهاوية” في الأول، و(من بذار بهجتي) المجرد وتذهب إلى  الميتافيزيقي، مما يعمق التجربة الشعورية حول الواقع بشكل مغاير وفريد.

مختتم:

استطاع سامح درويش في مجموعة “خنافس مضيئة” أن يجمع بين الإجادة في الهايكو الهجين الذي يمزح الطبيعي بالبشري، والهايكو الطليعي (الحداثي)، مرتكزا، لا سيما في الجزء الأول من الديوان، على المفاهيم المتوارثة والخصائص المتعارف عليها من تناول الطبيعة والإنسان لتشكيل الصور الحسية، وفي بقية الفصول على التجريب عبر مسارات ذاتية بحتة على مستوى اللغة والتعبير، في مشهديات مبتكرة غير مألوفة من تفاصيل الحياة اليومية. لجأ سامح درويش إلى التجريد في كثير من النصوص مدفوعا بالنزعة التجريبية، عبر إشارات تلميحية تستفز القارئ للوصول إلى فرضيات تفتح آفاقا جديدة للسياحة الذهنية في عالم الفن والجمال.

 

ناقد من مصر

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً