أنفاس الرؤيا وعلامات التكثيف في المجموعة القصصية “أخطاء جليلة…”
خالد مساوي*
تضعنا المجموعة القصصية “أخطاء جليلة…” في مواجهة حقيقتنا في أقصى حدود التعرّي بفضل قدرة النصوص على اقتحام المناطق الخفية في الذات فرديا وجماعيا، وبفضل الجرأة التي يمتلكها فعل السرد، ذاته، في التقاط الجوانب المعتمة في الوجود البشري، خاصّة أن السارد أظهَر انزياحا إلى اللامفكَّر فيه وجعل السرد وسيلة لطرح الأسئلة المغيَّبة التي تواطأ أَدب المؤسسات الرسمي على تجنّبها وعدم الاقتراب من مناطقها الحارقة ومنطقها الحدّي.
يكشف الاقتراب أكثر من المجموعة القصصية أنّ هناك ثلاثة محاور كبرى تتحرك فيها النصوص، وتتراوح بين النفَس النضالي بسخونة لحظاته وتوتّر خيوطه، والنفَس الرومنسي بحميمية لحظاته وتأجّج عواطفه، والنّفَس التخييلي الذي يمكّن السارد فيه النّصَ من إعادة التفكير في ذاته بمنطق الميتا تخييل.

1 ـ النّفَس النضالي:
يكشف هذا النفَس وقوع التّماس بين الكاتب وبين الواقع الاجتماعي الذي يحيط به، فسخونة الأحداث وتواترها المستمرّ لا يمكن أن تخطئ ما عين حاذقة كعين السارد في هذه المجموعة القصصية، وهذا ما يفسّر تركيز فعل السرد على اللحظات الخاطفة، كما لو أنّ السارد اقترف خطأً من أخطائه الجليلة ويتصوّر نفسَه ملاحقاً من قبل رجال الشرطة الذين وهم يطاردونه فيسرق من اللقطة ما أتيحَ له أن يسرق من أحداث ويقدّمها إلينا. وبهذا نفسر اختيار القصص القصيرة جدّا، لأنها تقوم على عنصر التكثيف الذي تُضغَطُ بمقتضاهُ أحداث كثيرة جدا في حدث واحد. وفي الحالة التي تعنينا، نجد أنّ السارد يضطرّ إلى حذف بعض عناصر الحدث، ليس لأنها غير ذات أهمية، ولكن لأنها ضاعت منه في لحظة فرار من الملاحقة لأنه ارتكب أخطاء جليلة. غير أنّ الحذف لا ينال من المعنى النّصي، بل إن هذا الحذفَ ذاته يصير محمّلا بمعاني كثير في سياق “بلاغة الصمت والإضمار” عبر ترك بعض المعاني مستترة، بحيث يتم فهمها من السياق أو تُترك لتأويل القارئ، وبهذا تمتلك القصة بعدًا تأمليًا أو فلسفيًا. ففي نص “انتحال صفة” نلاحظ كيف تنمو الأحداث بعدما قرّر البطل تلميع سيرته الذاتية بصيغة تُرضي كبرياء الشرطة، وفي غَفلةٍ من هذا كلّه تصدمه سيارة شرطة. ومعنى ذلك أنّ محور السرد ركّز على نوايا البطل وكشَفها وتتبع بداية تنفيذها، ولكنّه أضمر تخطيط الشرطة للاغتيال. وبهذا يفسَّر التفكّك الذي قد يلاحظه القارئ بين البداية والنهاية، لأنّ البطل أظهر حركته وحيوته فيما تكلّفت الشرطة بالنهاية. وبدل إتمام حكاية الشرطة والبطل تحوّل السارد إلى الحديث عن ذاته واتّهم فعل السرد بالتخابر. وينطبق الإجراء نفسه على نصوص أخرى داخل المجموعة (الخال، ثورة، كورونا، أزهار الحرب، يساري…)
2 ـ النفَس الرومنسي :
الشخصيات في القصص الرومانسية غالباً ما تكون مفعمة بالعواطف الجياشة كالحب، الحزن، الفرح، والغضب، وتهتم بإبراز المشاعر الداخلية للشخصيات وكيفية تأثيرها على تصرفاتها. كما أن الشخصيات الرئيسية في القصص الرومنسية غالباً ما تتحدى الأعراف الاجتماعية، سواء كانت هذه التحديات تتعلق بالحب أو الطموحات الشخصية ويتم تصوير الفرد ككائن ذي قيمة عالية. ومن معالم هذا النفَس أيضا عنصر من الحنين إلى الماضي أو الشعور بالخسارة، سواء كانت خسارة حبيب أو فرصة أو وقت مضى. وغالبا ما ترتبط هذه العواطف بالرغبة في الهروب من الواقع إلى عالم من الخيال أو الذكريات.
لقد بلغ اليأس ببطلة قصة “موت مؤجّل” درجةً لم يعد فيها للحلم معنىً، وهو تصوير مشهدي لمأساة الكائن صارت معه الأحلام في مهبّ حاوية الفضلات، ولم يعد للبطلة ملجأ سوى الانتحار كمسلك للهروب من الواقع. وفي قصة “رسالة” تنتعش الذكريات وينتعش الماضي فيشتغل الحنين بالأشياء البسيطة (تنقصني قطعة فرح، وحذائي القديم). وفي هذا تجسيد آخر للأزمة النفسية الناتجة عن حالة الاغتراب.
إنّ الأمر، هنا، يتعلق أساسا بتلاشي الكائن عضويا وسيكولوجيا، حيث يفتقد إلى التوازن وتضيع نقاط الارتكاز، فيعيش حالات تيه وانكسار ويغدو حطام كائنٍ بعد أن طوّحَت به أسباب وجود غير متوقَّعة.
3 ـ النفَس التخييلي:
يخلق السارد في المجموعة القصصية “أخطاء جليلية…” مساحات واسعة تتأمّل فيها الكتابةُ نفسَها، وغالبا ما ظهرت هذه التقنية في صيغة شخصيات تتمرّد على النصّ نفسه، أي إنها شخصيات ترتكب أخطاءها داخل مجموعة الأخطاء الجليلة. وبهذا يجعلنا السارد في مواجهة مرايا الأخطاء ومتابعة زوايا التمرّد. ففي قصة “الممثلة” تتسرّب جملة من حوار مسرحي إلى أحشاء الممثلة التي تتوجّه إلى السارد مستفسِرة بعد إسدال الستار “هل حدث وأن حملت ممثلة من جملة مسرحية؟”. وتتجلى القيمة الفنية لهذا الإجراء في تقليص المسافة بين النص (الجملة المسرحية المتخيَّلة) والواقع (حالة الحمل الواقعية) من جهة، وإبراز قوة الكلمة في التغيير والتخصيب من جهة ثانية. ونلاحظ كيف تتمّ مطاردة الشخصية الرئيسية في إحدى روايات السارد ضمن قصة “انتحال صفة”، لأنّ الشخصية تجاوزت حدود التخييل وتحررت من صفحات الرواية فصارت تتجول في الشوارع ذاتها التي يتجول فيها السارد. وبالتقنية ذاتها تفرّ بطلة الفلم الرومنسي من محاولة مغتصِبيها وتلجأ إلى حضن الكهل الذي أدمن على مشاهدة الأفلام الرومنسية.
لقد أفادت هذه التقنيات السارد في كسر الجدار الرابع الذي يفصل النص عن المتلقّين، ويورّطهم في الأحداث، وقد يحمّلهم مسؤوليتها أو يجعلهم معنيين مباشرة بالنتائج المترتبة عنها.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
