
الإعلام والتواصل في ظل الثورة الرقمية: التأسيس للتعايش
ابي بكر الجبوري*
الملخص:
توخت هذه المقالة تناول أطروحة الكاتب الفرنسي “دومينيك وولتون” من خلال كتابه: « Informer n’est pas communiquer» الصادر سنة 2010، والمتعلقة بتشريح مفهوم التواصل في ظل السياق العالمي الجديد للإعلام وتقنيات الاتصال. حيث عرضنا للقضايا الجوهرية في الكتاب، وعملنا على تفسير طروحات الكاتب بشأنها. وتنزيلها ضمن سياقها المعرفي؛ فقد وقفنا على تمييز الكاتب بين التواصل (وأساسه التفاوض والتعايش) وبين الإعلام (وجوهره التركيز على المعلومة والبحث عن “الحقيقة”). كما عرضنا لتحليل الكاتب لثورة المعلومات وما أحدثته من تقلبات في الاتصالات، خصوصا وقد ركنت إلى الشبكة العنكبوتية. وإذا كان الكاتب يقر بوجود مآثر للإعلام، ومنها التحرر ونشر المعلومة على نطاق واسع، فهو بالمقابل ينبه إلى إخفاقاته، ممثلة في كثرة المعلومات، وصعوبة التواصل بين الأفراد والجماعات، لأن الاختلافات أصبحت بارزة، وقلّت معها فرص النقاش والتفاهم. وقد حاولنا تفسير طروحات الكاتب التي تستند أساسا إلى السوسيولوجيا وأخلاقيات التواصل، و تتكئ على نزعة إنسانية و هي تبحث عن التداخل بين الأطراف الثلاثة: العلوم، والتقنيات، والمجتمع. كما انتهينا إلى أن مفهوم التواصل لدى “وولتون” هو في الآن ذاته وسيلة إجرائية، وطموح (أو تحد) جماعي، من شأنه أن يجعل المجتمعات أكثر إنسانية وتفاهما.
الكلمات المفاتيح: التواصل، الإعلام، التعايش، الإيديولوجية التقنية.
أ-بصدد الكتاب
صدر كتاب “دومينيك وولتون” Dominique wolton : « Informer n’est pas communiquer » سنة 2010 بباريس عن المركز الوطني للبحث العلمي(CNRS)لNRSالركز الوطني للبحث العلميr” 2010ن المتلقي، مع بيان سياقها وأبعادها في الحياة الإنسانية. تواصلا في 147 صفحة، سلسلة نقاشات (Coll Débats) . تُرجم الكتاب إلى اللغة العربية تحت عنوان: “الإعلام ليس تواصلا”، دار الفارابي، ببيروت (سنة 2012). صدرت هذه الترجمة بدعم من وزارة الخارجية الفرنسية والأوروبية والسفارة الفرنسية في لبنان، قسم التعاون والعمل الثقافي، وذلك في إطار برنامج جورج شحاذة للمساعدة على النشر.
يضم الكتاب، فضلا عن المقدمة والخاتمة، خمسة فصول، هي:
الفصل الأول: نظرية التواصل والاتصال
الفصل الثاني: التقنيات بين الانعتاق والإيديولوجيا
الفصل الثالث: مآثر الإعلام وإخفاقاته
الفصل الرابع: الحدود الجديدة لعدم التواصل
الفصل الخامس: المعلومات والمعرفة وتعايشهما الضروري
وقد جاءت المقدمة تحت عنوان (التواصل تفاوض وتعايش)، أما الخاتمة فعُنونت ب(التواصل: هل ثمة في مكان ما أحد يُحبني؟).
ب)بصدد الكاتب:
“دومينيك وولتون” كاتب وسوسيولوجي فرنسي من مواليد 1947، يشغل منصب مدير البحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، ومدير المجلة الدولية Hérmès، ورئيس مجلس أخلاقيات الإشهار(CEP).
وهو مختص في وسائل الإعلام، والفضاء العام، والتواصل السياسي، والتداخل بين العلوم، والتقنيات والمجتمع. ناهزت مسيرته التأليفية ثمانية وأربعين سنة. من أشهر كتبه:
-penser la communication 1996
-Internet et après ? 1999
-L’autre mondialisation 2004
-il faut sauver la communication 2005
-communiquer c’est vivre 2016
-communiquer, c’est négocier 2022
ج-قضايا الكتاب
نشير بداية إلى أن المؤلِّف أفرد المقدمة لرفع سوء الفهم الذي يطال الزوج: الإعلام/ التواصل، مشيرا، على خلاف ما يعتقد الناس، إلى أن التواصل مشروع إنساني صعب، ويُعتبر تحديا؛ لأنه يتعلق بالغير، ويستلزم التفاوض. أما الإعلام، فرغم مآثره، إلا أنه –خلال السنوات الأخيرة- أصبح عُنصرا لا يخدم التعايش والتفاهم، بالنظر إلى المساوئ التي ترافقه، مثل: الإيديولوجيا التقنية، والسيطرة، والسرعة، وزخم المعلومات التي جعلت الاختلافات اللسانية والثقافية تطفو على السطح دون أن يساهم الإعلام في تدبيرها. ويرفع الكاتب من شأن التواصل حيث يمكنه أن يُخلِّق الإعلام؛ فلا وجود للإعلام “في ظل غياب مشروع للتواصل”[1]. إن آفة الإعلام متأتية من تركيزه على التقنيات وحرصه على “الرسالة”، بالمقابل يعود نجاح التواصل –وتمايزه عن الإعلام-إلى تركيزه على العلاقة (مع الآخر).
أما سياق التناول بالنسبة للكاتب فهو: واقع ثورة الإعلام والاتصالات(القرن 21)، التي لابد أن تنبه المختص إلى “أزمة التواصل”، وإلى الحاجة إلى “تجنب جعل الإعلام أداة تسريع سواء التفاهم والكراهية” في الوقت الذي يرفع فيه هذا القطاع الحيوي شعار التحرر والانفتاح والتفاعل الإيجابي مع الآخر.
- بحثا عن نظرية للتواصل والاتصال
أ-نظرية للتواصل والاتصال
يؤكد الكاتب أن الإنسان يُواجه مع ثورة القرن 21 (ثورة التواصل والاتصالات) تحدي التعايش؛ حيث هناك زخم في المعلومات، ترافقه حاجة ماسة للتفاهم وتدبير الاختلافات اللسانية والثقافية والحضارية. وهذا الوضع لم يكن في السابق؛ لأن المجتمع كان متجانسا؛ فكان التواصل سهلا وعفويا.
ولتحقيق هذا المسعى-تفكيك هذا الوضع- ارتأى الكاتب الوقوف عند المصطلحات الثلاثة: الإعلام، والتواصل، والمتلقي:
1-الإعلام: يميز الكاتب بين ثلاثة أنواع من المعلومات: (المعلومة – النبأ): هذا النوع هو ما تقدمه الصحافة، و(المعلومة الخدمة): التي يوفرها الأنترنيت، و(المعلومة المعرفة): وتوفرها بنوك المعلومات وقواعد البيانات. وهناك صنف آخر من المعلومة يخترق هذه الأنواع ويُحيل إلى الهدف الإنساني، يتعلق الأمر (بالمعلومة العلائقية).
2-التواصل: التواصل حسب الكاتب من ضرورات العيش: “فالعيش يعني التواصل والتبادل مع الآخر”[2]. وهناك أهداف متعددة للتواصل: يتواصل الإنسان من أجل التقاسم/ التبادل، والإغراء، والإقناع. وقد تغير الأفق بين الأمس واليوم في حياة الإنسان: لقد كان التواصل هدفا رئيسيا يتم تحقيقه، أما اليوم فإن مواجهة اللاتواصل هي الرهان.
3-المتلقي: ينبه الكاتب إلى أن المتلقي قد تم تهميشه مع تطور وسائل الإعلام، ويرى أن إعادة النظر في وضعيته “تعني أيضا إعادة تقييم إشكالية التواصل”. لأن هذا الطرف المهم في العملية التواصلية كان يُعتبر مجرد مستقبل للرسائل. كما تشتد الحاجة إلى مراجعة دور المتلقي لأنه يواجه تحدي فرز المعلومات. كل هذا يستوجب استحضار التعايش والتفاوض، وهما يتطلبان الوقت والاحترام والثقة المتبادلة. أما حصر التواصل في الكفاءة التقنية فهو مضر بالعلاقات الإنسانية.
ويتبنى الكاتب تصورا أنتروبولوجيا للتواصل: إذ يراه حاجة حيوية للإنسان، وقدرا ملازما له. ولا تواصل في ظل تغييب لدور المتلقي وفاعليته. هذا المفهوم يتقاطع مع ما قدمه رواد الأنتربولوجيا أمثال: “هيرسكوفيتز” و”جاك بيرك” و “راي بيردواستيل” و “سابير” وليفي ستراوس” و”ديل هايمز” حيث يستند التواصل إلى مقومات الشعوب الثقافية.[3]
أ-من ثورة المعلومات إلى تقلبات الاتصال:
لقد هيمن على الإعلام تصور مبسط وساذج: بعث رسالة في اتجاه واحد، وتصور المتلقي قليل التعقيد، أو مستقبل فقط. فكان الفشل، وهذا التصور نجده في النظرية الرياضية للتواصل مع “شانون” و”ويفر” منذ 1949 .[4]هذا التصور الساذج يسرى على ثورة الإعلام والاتصالات منذ ق 16. ومع تطور التقنيات حدث شيء من التغيير في وضع المتلقي لكنه غير كاف. إن مسألة الآخر في التواصل شديدة التعقيد، ولا يكفي فيها كفاءة التقنيات. يفاجئنا الكاتب بقوله: “القرية الكونية حقيقة تقنية غير أنها ليست اجتماعية ولا ثقافية ولا سياسية”[5]. لقد أغرقنا الإعلام بالمعلومات، وأصبحت الاختلافات على السطح، وهذا الأمر عقد من أمر التواصل والتعايش: “فكيف السبيل إلى التعايش سلميا في عالم يرى فيه الجميع كل شيء ويعلم بكل شيء وحيث الاختلافات أوضح وأقل قابلية للتفاوض”. إن الحل هو التفاوض وليس التقاسم، فالتواصل: إرادة إثارة الرضى، والإغراء، والإقناع. تميل التقنية إلى التبسيط وتنميط الأشياء، أما حياة الناس والمجتمعات فتميل إلى التعقيد[6]. يرجع هذا الوضع غير المرضي، حسب الكاتب، إلى عدم إدراك شمولية مفهوم التواصل الذي ينطوي على ثلاثة أبعاد: بعد تقني(أوضح وأكثر إرضاء)، وبعد ثقافي(هو الأعقد)، وبعد اقتصادي(أكثر وعدا). ينطوي البعد الأول على وعد وخطورة في الوقت نفسه، يقول الكاتب: “إن التقدم التقني هو أفضل وأسوء ما في التواصل في آن”[7]. أما البعد الثاني فهو الذي يشكل التحدي، وأما البعد الأخير فقد أشار “هربرت شيلر” بشأنه إلى أن المؤسسات الإعلامية غالبا ما تكون موجة برأس المال، فتعمل بنفوذها المالي على توجيه الرأي العام حسب مصالحها المادية.[8]
ج-التواصل يعني التعايش
يبحث الكاتب مسألة التداخل والتعارض بين “الإعلام”[9] و”التواصل”، فيؤكد: “إن كل واحد من المفهومين، الإعلام والتواصل، يستولي على جزء من مرجعية الآخر”. فهما معا يشتركان في أفق: البحث عن الآخر وعن العلاقة، وهما معا نابعان “من المثال الديمقراطي ذاته”[10]. كما أنهما يشاركان في مسألة كبرى: “المجتمع الجماهيري ذي النزعة الفردية” حيث يبحث كل واحد عن قيمتين متناقضتين: “الحرية الفردية ومساواة الجميع”، “الانفتاح والهوية”، “العولمة والإقليمية”، “الفردية والهوية الجماعية”.
إن انتصار الكاتب لمفهوم “التواصل” المؤطَّر بالتعايش جعله يقر بأن “التواصل إشكالية من إشكاليات التعايش والرابط الاجتماعي، وينتمي إلى مجتمع يتصف بالحركة والتفاعل والسرعة والحرية والمساواة”[11]. فرغم كثرة الروابط وسريان المعلومات الكبير بفضل تطور التقنية، إلا أن الرابط الاجتماعي اليوم هش، والاختلافات الثقافية أقل خضوعا للتفاهم والتفاوض. بهذا الصدد يراهن الكاتب –من خلال مفهوم التعايش-على تقديم شروط نظرية وعملية تجعل التواصل أمتن وأقوى عبر “التأليف بين قيم وأبعاد متناقضة”[12]، هذا الأمر يقتضي في تصوره: “تجديد الخصائص المعاصرة للرابط الاجتماعي”[13]. ويخلص الكاتب إلى أن التواصل مفهوم موجِّه ومؤطِّر للمجتمع الذي نريده ونتوخاه[14]. هذه المقاربة سبق “لهابرماس” أن أسس لها من خلال مفهوم “الفعل التواصلي” الذي يقوم على التفاهم والتعاون بين الذوات البشرية في الفضاء العمومي.[15]
2) التقنيات: هل حررت الإنسان أم استعبدته؟
يناقش الكاتب مفهوم “الإيديولوجيا التقنية” في التواصل: وهي “إيلاء المعدات مهمة حل قضايا المجتمع التي لاتدخل في نطاق اختصاصها”[16]، وهو تحقيق المزيد من التفاهم بين الأفراد: عبر النقل والتحويل. وتظهر هذه الإيديولوجيا في مصطلحات مثل: “المجتمع الرقمي”، “مجتمع الإعلام”، “الديمقراطية الرقمية”، وغيرها. فيرى أن التقنية عقّدت أمر التواصل؛ إن كفاءة التقنية- تَعدّد خطوط الاتصال- لا تعني تواصلا أنجع. إن الولاء للتقنية أوقع الإنسان المعاصر في “الإدمان” فأصبح يعيش “التوحد التفاعلي”، وأصيب بالقابلية لتعقب الأثر Traçabilité. إن كل واحد من “التقنية” و”المجتمع” ينتمي إلى واقع مختلف عن واقع الآخر. ولن تلهينا التقنية بإغراءاتها: السرعة، الكفاءة، التفاعلية. أنه نوع من الزيف والوعد الخلب. لذا يؤكد الكاتب: “إن التوسيط الإعلامي والنقل الإعلامي والتفاعل ليست بالضرورة مرادفة للتواصل”[17]. إنها العبودية الإرادية: “لقد التهمت التقنية أبناءها”[18]. ومن تناقضاتها أنها توهمنا أننا نبدأ الآن، كما تعدنا بالحرية التامة “الولاء الكلي”… وقد احتلت “الطوبيا –الإيديولوجيا” مكان الإيديولوجيات السياسية التي تراجعت. وربما كان ما في هذه التقنية من بعث أحلام التضامن الكوني والتنبيه إلى انقطاع التواصل أو غيابه –وهذا من تناقضاتها-هو سر قوتها.
وقد أحدث لقاء التقنية بالإنترنيت تحديا كبيرا في التواصل إذ غدت الشبكة “شَرَك”. وفي الوقت الذي كنا نعتقد أن هذا الضيف الجديد(الأنترنيت) يلبي حاجة اللقاء فيما بيننا (عبر سمات السرعة- الحرية-التفاعلية التي تناسب سيادة الفرد والانتصار للمعلومة/الخبر) اكتشفنا أنه يزيد من هذا الحاجة. يُطلق الكاتب على هذا الوضع “يوتوبيا الأنترنيت”. إن الفرد وهو يستخدم الأنترنيت يشعر أنه توفر على “علاج مضادة للوحدة” ، وأنه خرج من تحكم المؤسسات وأغلالها عبر خلق روابط تضامنية جديدة.
غير أن هذا الاستخدام رافقته مساوئ كثيرة، فالأنترنيت يُؤسس للنزعة الفردية، ويؤثِّر على ممارسة الكتابة، ويحط من قيمتها. وهو يناسب ما أطلق عليه الكاتب: “أيديولوجيا التفلّت”، كما أن عدوه هو الوقت. وإذا كنا نظن أنه يخلق روابط جديدة لم تكن في السابق، إلا أن محوه حدود الزمان والمكان قد أثر على حماية الحقوق الخاصة والعامة. بهذا الصدد تشير “إلزا كودار” إلى التحولات السلبية للأنا في العصر الرقمي؛ حيث أصبحت الوسائط أساس تحديد هوية الفرد المستخدم، واختفت الأسرار من حياته أو كادت نتيجة “الافتراضي”. يقول “إلزا”: “إننا ننتقل شيئا فشيئا، داخل سياق مفرط في التواصل، إلى مجتمع شفاف أصبح من الصعب داخله إخفاء شيء ما أو الاحتفاظ به في سرّيّة”[19].
من هنا يؤكد الكاتب: إنها لخرافة أن نعتقد أن الأنترنيت شرط لدمقرطة المعرفة والثقافة، لأن هذين مرتبطين بتجارب إنسانية واجتماعية لا بسرعة الوصول إلى المعلومات. إن الإيديولوجيا التي تأسس عليها الأنترنيت تعود إلى “النزعة النسقية” (Systémisme) التي تم نقلها من العلوم الطبيعية إلى عالم المجتمع والبشر بتزكية من العولمة(نموذج فردي وجمالي النزعة)، وهذا مكمن خطورة هذه الإيديولوجيا. أما البيئة الديمقراطية فتحتاج، بالدرجة الأولى، إلى “الحوار شديد بين كائنات حية”[20].
3) الإعلام: نجاحات وإخفاقات
يعتبر الكاتب الإعلام( خلال القرن20) نصرا حقيقيا، وقيمته مركزية لمجتمعاتنا المفتوحة. فهو يحمل بعدا تحرريا، ويرافق الفكر النقدي. لكن مع تطور التقنيات أصبحنا أمام إعلام جديد يقضي على الروح النقدية والتعددية الثقافية. يحصي الكاتب عشرة تناقضات بالنسبة لإخفاقات الإعلام: منها كثرة المعلومات، وانعدام المقارنة، والإفراط في السبق، وسيادة إيديولوجيا السبق، وغلبة المنطق الاقتصادي. يقول الكاتب: “يخلط عالم الإعلام والاتصالات بين الضوء الذي يُسلطه على العالم وضوء العالم”[21].
وأمام هذا الواقع السيء، يُسجل الكاتب بطءا في التفكير في الإعلام بمجمله (أي الأخبار والخدمات والمعارف والعلاقات)، ويطرح خمسة ميادين للاشتغال العلمي والأكاديمي بهذا الخصوص:
– السرعة والحجم اللذين لا يرادفان الحقيقة ولا التعددية
– ضرورة التحكم بالتقدم التقني(غياب المسافة النقدية)
– مشكل المتلقي الذي يعتبر أفضل حليف لحرية الإعلام وألد عدو له في آن
-التنوع الثقافي والحاجة إلى التعايش.
-النزاع بين الإعلام وقابلية تعقب الأثر.
4) الحدود الجديدة لعدم التواصل
يقارن الكاتب بين “الإعلام” و “التواصل”: فالتواصل يطلب بالضرورة الاهتمام بالآخر وحتمية الاعتراف به. أما الإعلام بموجود بذاته. وإذا فالتواصل –والتعايش بالتبع-مرتبط بالثقافة الديمقراطية(الانفتاح والتفاعل ولابد فيه من التفاوض والحوار، مع القليل من النقل. وهذه أمور ينبغي مراعاتها أثناء فحص “الإعلام”، لأن الأخير لا ينفصل عن نظرة معينة للمجتمع. بهذا الصدد ينتقد الكاتب ديمقراطية الرأي لأنها تُعزز وهم المجتمع المتجانس(ديمقراطية إلكترونية). وتقع مسألة التعايش في صلب هذه المشكلة؛ لأن التعايش يرتبط بنموذج التواصل المعاصر الذي يواجه توحش العولمة. كما يضرب الكاتب أمثلة لإشكاليات تدبير التعايش وهي: التنوع اللغوي، والاتحاد الأوروبي، وعولمة الإعلام وحقوق الإنسان (اللذين يُهيمن عليهما ثقافة الشعوب الغربية). وتبقى الموسيقى رابطا روحيا بين الشعوب.
5) المعلومات والمعرفة وجهان لعملة واحدة
تواجه ثورة الإعلام/ المعلومات عقبتين: الأولى تتعلق بالتواصل(مع الآخر) والثانية ترتبط بوفرة المعلومات والحاجة إلى فهمها واستيعابها. أفاض الكاتب في تناول المسألة الأولى، وأما بخصوص المسألة الثانية، يتناولها في ثلاثة محاور:
أ- واقع المهن الوسيطة وعلى رأسها عمل الصحفيين:
يدعو الكاتب إلى الحفاظ على مهنة الصحفي، لأن دوره أساس في فرز المعلومات وتدقيقها، والتعليق عليها، ونقدها. فهو الذي يمنح النبأ معناه، ووجوده يُعتبر من أسس الديموقراطية؛ فهو ليس صديق أحد: لا رجل السلطة، ولا المتلقي، ولا القاضي، همُّه: “الحقيقة”. ويعيش الصحفيون اليوم تحديات كثيرة تتطلب مراجعة علاقة الصحفي بالثقافة والمعرفة والإيديولوجيا التقنية، كما تتطلب مراجعة تهميشهم الواقع، والوعي بخطورة الواقع المتخم بالمعلومات.
ب-حاجة الأخبار/ المعلومات الماسة للمعارف:
لقد غمر الإعلام المعاصر الثقافة والمعرفة، بسبب السرعة والإيجاز والمنافسة، وأصبحنا أمام حضور مهيمن للأخبار/ المعلومات، وغياب شبه تام للمعارف التي تفسرها وتضعها في سياقها. لذا يُشدد الكاتب على التكامل بين عمل الصحفي وعمل الأكاديمي في زمن تُهدد فيه وظيفتهما إيديولوجيا “المباشر” و”الوفرة”.
ج-نزاع الشرعيات:
يعيش الناس في عالم يتميز بوفرة المعلومات والمعارف، مما يطرح تهديدا بخصوص امحاء الحدود بين الإعلام والثقافة والمعرفة: “لا أحد يستطيع مزج كل شيء واستيعاب كل شيء. ثمة حاجة إلى قطيعة ثم إلى معالم معرفية وتعايشية للتفكير والفعل”[22]. ويدعونا الكاتب إلى الحفاظ على التنوع اللغوي باعتباره أول شكل للتعددية الثقافية، فـ”اللغة شرط أي انعتاق”[23]، كما يؤكد على أهمية الحفاظ على الصنائع والمهن الوسيطة(الصحفيون، الأساتذة، الأطباء، والمحامون..)، وعلى الحاجة الماسّة للانتباه إلى “المتلقي”؛ فلا ينبغي تضخيم أمره، لأن “هناك هامش ضيق بين الغيرية والهيمنة”[24].
هوية الأنا في عالم بلا حدود.. حسن الاختتام
عنون الكاتب خاتمة الكتاب بعبارة مثيرة للانتباه( التواصل. هل ثمة في مكان ما أحد يحبني؟). ويشير في هذه الخاتمة إلى إن مسألة الانعتاق الكبرى تعني الإعلام(معرفة العالم والفكر النقدي) والتواصل(المساواة بين الأفراد وشرعية الحوار) معا. وهذا المفهوم الأخير يقع في قلب مشروع إنساني وسياسي النزعة، فهو يرادف التفاوض واحترام الغيرية، ويقتضي استحضار التاريخ والسياسة والثقافة، عوض السقوط في مهاوي الإيديولوجية التقنية، وتغييب الواقع –المختلف-أو القفز عليه.
تقدم أطروحة الكاتب عدم التواصل أفقا للتواصل، مما يعني تأسيس العلاقة بين الشركاء على مبدأ المساواة وقبول الاختلاف والتعايش معه. هنا يجد البشر “أنفسهم وجها لوجه، متماثلين للغاية ومختلفين للغاية، وحيدين في مواجهة أنفسهم ومعهم شياطينهم ومُثُلُهم”[25].
خاتمة
يطرح كتاب “دومينيك وولتون”: (الإعلام ليس تواصلا) قضية الإعلام الجديد وواقع التواصل في سياق ثورة المعلومات والاتصالات، فيشرح بمبضع المتخصص الخبير آثار هذه الثورة على المعرفة والتعايش بين الشعوب. كما يدعو إلى ترشيد استعمال المعلومات وتأطيرها واستعادة دور الثقافة والمعرفة في النقد والحفاظ على الاختلاف. لأن مد جسور التفاعل والحوار المثمر بين الأنا والغير أمران لا غنى عنهما في مشروع التعايش. ولا شك أن أطروحة الكاتب تندرج ضمن نزعة إنسانية تهدف إلى تخليق الفضاء العام، وكبح تغول التقنية على العقول. فالوسائط لا تحقق التواصل المنشود لأنها تُغيب الآخر وتُنمطه في قوالب جاهزة تذيب اختلافه وخصوصيته.
المصادر والمراجع:
أ-باللغة العربية:
أحمد زايد، منظرو الإعلام الجدد بين الإعلام والاتصال والدعاية، ، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 2007.
دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، دار الفارابي، بيروت، ط 1، 2012.
عمراني المصطفى. “أنثروبولوجية التواصل ورهان الحوار الثقافي”، مقاربات : مجلة العلوم الإنسانية،مج. 2016، ع. 24.
إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء، ط1، 2019.
محمد الأشهب، الفلسفة والسياسة عند هابرماس، ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006.
ب- باللغة الأجنبية:
Habermas J, Théorie de l’agir communicationnel, tr jeans louis, Schlegele, Fayard, 1987.
Shannon and Weaver:The mathematical Theory of communication, Urbana, 1949.
الهوامش والإحالات
[1] – دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، دار الفارابي، بيروت، ط 1، 2012، ص 12.
[2] – نفسه، ص 22.
[3] – اُنظر: عمراني، المصطفى. 2016. أنثروبولوجية التواصل ورهان الحوار الثقافي. مقاربات : مجلة العلوم الإنسانية، 2016، ع. 24.
[4] – قدم كل من شانون وويفر نظريتهما خطاطة التواصل، وهي تُركز على نقل المعلومة وشرط سلامة تحويلها. اُنظر كتابه:
Shannon and Weaver:The mathematical Theory of communication, Urbana, 1949, P 5 et p 98
[5] – دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، مرجع سابق، ص 30.
[6] – نفسه، ص ص32-33.
[7] – نفسه، ص ص33.
[8] هربرت أ. شيلر، المتلاعبون بالعقول ، ترجمة: عبد السلام رضوان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت الطبعة2، 1999 الفصل الخامس(ص ص149-176)
[9] يختلف مدلول كلمة “الإعلام” بين اللغة الفرنسية والعربية، فالإعلام يشير إلى النقل (في العربية) بينما يشير إلى الوسائل (في اللغة الفرنسية)انظر: أحمد زايد، منظرو الإعلام الجدد بين الإعلام والاتصال والدعاية، الطبعة الأولى، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2007، ص. 29.
[10] – دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، مرجع سابق، ص ص35.
[11] – نفسه، ص ص36
[12] – نفسه، ص ص37.
[13] – نفسه، ص ص ص 36-37.
[14] – نفسه، ص 39.
[15] – محمد الأشهب، الفلسفة والسياسة عند هابرماس، ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى ، 2006م، ص.21. وانظر كتاب هابرماس:
Habermas J, Théorie de l’agir communicationnel, tr jeans louis, Schlegele, Fayard, 1987, P.10.
[16] – دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، مرجع سابق، ص ص43-44.
[17] – نفسه، ص ص 46.
[18] – نفسه، ص ص 47.
[19] – إلزا غودار، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء، 2019. ص 32.
[20] – دومينيك وولتون: الإعلام ليس تواصلا، مرجع سابق، ص ص 74.
[21] – نفسه، ص 84.
[22] – نفسه، ص 135.
[23] – نفسه، ص ص 137.
[24] – نفسه، ص ص 139.
[25] – نفسه، ص ص 150.
كاتب من المغرب
باحث في التداوليات وتحليل الخطاب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي