
قراءة في ديوان “مكب اللامة” للزجال محمد الحبيب العسالي:
إشكالية البحث عن الحق الضائع
سعيد فرحاوي*
“مكب اللامة” ليس مجرد قصيدة تحمل عنوان الديوان، بل هو بمثابة القصيدة الأم والديوان في آن واحد، كما يتبدى من اختيار الشاعر لهذه التسمية لوظيفة بنيوية مركزية. لقد بدا لي هذا العمق من خلال التركيب الدلالي للعنوان؛ فكلمة “مكب” تشير إلى تجمع اللامة – أي الشعب أو الإنسان – والمكب كمكان مخصص لهذا التجمع أو الوجود البشري. والنصوص المضمنة في الديوان، في مجملها، مصاغة في سياق ضياع هذه اللامة داخل هذا المكب، وهو ما يفسر استحقاق هذه القصيدة بنيويًا أن تكون المحدد للديوان والمهيمنة على مستوى النص البؤرة.

إن وظيفة العنوان في الإبداع، كما يرى النقاد، تحكمها صلة كهربائية، وهي وظيفة تواصلية بالغة الأهمية، ومؤشر إحائي قوي ندخل من بابه المفتوح إلى دلالات الديوان ككل. وإذا تتبعنا عناوين القصائد التي تشكل نسيج الديوان، نجد ما يلي:
(فتيات السكات): إشارات جزئية لمكونات الصمت واللاكلام، الذي يحمل في طياته قوة تفوق الكلام. فالإنسان لا يتكلم بالكلمات وحدها، والشاعر، من خلال الإشارة إلى الصمت/السكات، استطاع أن يعبر عن واقع المرارة بأبلغ التعابير.
(سولوا ولا تعولو): رد استنكاري يحدد منذ العنوان طبيعة الرد على سؤال من المؤكد أنه سيكون غير مجدٍ، لأسباب واضحة في مقدمتها أن المسؤول الموجه إليه السؤال ليس في مستوى تطلعات اللامة/الشعب.
(الحايط الكايم): صورة للواقع الهش والمائل للسقوط، لأن أساسه غير قادر على حماية المتكئ عليه/الشعب.
(كيد الحروف): تجسيد لمكر الكلمات وخيانة المحتوى المرجو سماعه، كلام يحمل في طياته الضغينة والمكائد والخيانة، في ظل واقع الاستيلاب.
(مكب اللامة): عودة إلى العنوان المركزي، وطن الشعب الذي تتكشف لنا حقيقته المغتصبة والمنهكة.
(شياه الحال): تشبيه للبهائم، يذكرنا ببهائم هايدغر التي تكلم عنها، وهي فئة لا تفهم ولا تستوعب، خُلقت لتُنتهك حقوقها ولتُسلعن إرادتها.
(سلطان القوافي): إيحاء إلى كتابة يعتز بها الشاعر، وهذا رأيه الذي نحترمه، ونتركه يفعل ما يريد، رغم أن هذه النية قد لا تجد لها صدى لدى القارئ. يبقى السؤال: هل يبيع الحب ويشتري ماذا؟ الأمر غير واضح.
(طيبوبة تعدت عتباتها): رأي آخر فيه نظر في ثقافتنا المريضة، لأنه ربما لن يتلقى نفس الرد لاختلاف العقليات.
في نص آخر، (دزة اللغا)، لا نجد إلا هذه الأبيات:
ولى لوجه كفا، دلكت السماطة الحفا،
ثمة صهد الكلام ودفا، وهنا كابت دزة اللغا.
وأخيرًا، نجد آخر قصيدة (لومة اللسان)، وهي تعبير قوي عن قساوة الحياة في واقع التشرد والضياع.
ليصبح الديوان في مجمله صورة لمسخ حقيقي، واقعه تعفنات لا مثيل لها، أساسه الضياع، حقيقته التشرد، سياسته التبضيع والضبيع والضياع، وفلسفته التسليع بصورة أعلن فيها الشاعر أن ربيعًا عربيًا خطيرًا قادمًا، نتيجته لن يترك وراءه حياة إلا وانتزع جذورها وأنهى وجودها ودمر سبلها، لأن الحالة ببساطة أصبحت لا تطاق.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي