
فوتوغرافيا مترحلة تعيد صياغة أسطورة الحب
إبراهيم الحيْسن*
تندرج التجربة الإبداعية الراهنة التي يقترحها علينا الفنان الباحث سعيد أوبرايم ضمن الفوتوغرافيا المترجلة Photographie nomade التي تمتد لتجريباته المستمرة وأوقات اعتكافه داخل محترفة ستوديو»، حيث يتفحص منجزه الفوتوغرافي ويتتبع مراحل انتاجه الفني بتواطؤ بين العين والفكر في مختلف العمليات التي تلي ضغط الزر لالتقاط الصورة، واستجابة أيضاً للمشاعر والوجدان على اعتبار أن الصورة الجميلة هندسة يصممها القلب»، كما قال الفوتوغرافي العالمي ويللي رونيس Willy Ronis
من ثم، تظل فوتوغرافيات هذا المعرض أمينة وصادقة تقنيا بحكم التجربة والمراس، وتيماتياً لأنها تختزل رحلة سنوات طويلة في ضيافة قبائل إيت حديدو والقبائل المجاورة لها (إيت يافلمان)، كان عاشها الفنان المبدع سعيد أوبرايم داخل أرجاء منطقة إيملشيل في عمق الأطلس الكبير ليس بحثا عن الاستجمام بمعناه السياحي الضيق، وإنما لتوقيع بصمات إبداعية ترسمها تفاعلاته البصرية مع إيقاعات موسم الخطوبة الذي يسم المنطقة ويُميزها تراثياً واجتماعياً واقتصادياً.
هكذا بدأت الرحلة. واستمرت على امتداد قرابة عقد ونصف للقبض على لحظات هاربة ومنفلتة عاشها الفنان أوبرايم، رحالة مشاء يبحث عن التفاصيل الصغيرة وعيناه على الأشياء الهامشية والمنسية في آن . وهكذا رصد لنا مشاهد نادرة من واقع قبائل أصيلة تحتفل بعشرات الأزواج الذين قرروا اختيار عرائسهم بعد أن أنصفتهم أسطورة الحب إيسلي Isli وتيسليت (Tslit) التي تحكي سر هذا التقليد الثقافي الذي تأصلت فيه أعراف الزواج الجماعي بالمنطقة منذ ستينيات القرن الماضي تكفيراً عن ذنب . ارتكب قبل أكثر من قرن تسبب في انتحار شابين متحابين غرقاً في بحيرة مائية بعد أن انسد أمامهما باب الزواج.
وخلال زياراته المتتالية والمنتظمة للمنطقة، راكم الفنان أوبرايم علاقات وطيدة مع أهالي البلدة الرحل والباعة الموسميين، اندمج معهم وتقاسم معهم طقوسهم اليومية، بل وكسب مودتهم، الأمر ساعده على النقاط عشرات الصور التصفية والبورتريهات لنسوة ورجال من المنطقة، وأخرى لرحالة وافدين عليها من أمكنة وفضاءات مجاورة وقصية، بأرديتهم التقليدية تكريما لهم ولعاداتهم ونمط سهم.
وتقديراً منه لأهميته هذه الصور في اتصالها بمعاينة ميدانية حقيقية لا تتكرر التجربة اجتماعية نادرة استثنائية عاشها عن قرب واندماج محملاً بآليات اشتغاله، برزت فكرة تنظيم المعرض. لكن برؤية تشكيلية مختلفة، تقوم بالأساس على عرض المشاهد والبورتريهات بأسلوب تقني ومعالجة جمالية مغايرة تنهض على الدمج والتراكب والميكساج وإعادة التوضيب إثر ذلك أضحت الفوتوغرافيات التي أبدعها لوحات ضوئية وتشكيلية تتمازج فيها الأحداث والوقائع وموضوعات التصوير الموسومة بتأليف سمات لونية وضوئية مدهشة تتعاقب تعبيريا على سحنات وتجاعيد الوجوه لتمتزج مع ما يطبع الألبسة التقليدية والكثبان الرملية والمشاهد البيئية والأبواب الخشبية القديمة من آثار وخدوش وبقايا ة على العراقة والقدم والتمسك بالهوية والجدور.
هي، بلا شك سندات بصرية وفوتوغرافيات أخرى شاهدة على غواية التصوير وتشكيلية -Plasticité الصورة في مقابل تقنية تطويع الآلة التي تحولت إلى وسيلة للرسم الصولي بمعناه المعاصر الذي يتجاوز الوسائل التقليدية المتوارثة عن الحقب الكلاسيكية.. سندات بأنفاس جمالية تحمل إمضاءات وتواقيع محفورة في اللاوعي الجمعي والذاكرة التراثية المشتركة.
المقال مقدمة كتاب إملشيل (طبعة 2022)
فنان وناقد تشكيلي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي