أسفي بوابة المحيط الأطلسي (الجزء الأول)
الحسن الگامَح*
لماذا الشعر…؟
(أَقِفُ عَلَى بَوَّابَةِ الْمُحِيطِ
وَأُحَاوِلُ أَنْ أُحِيطَ فِي جَوْلَةٍ
بِمَا تَزْخَرُ الْمَدِينَةُ مِنْ أَسْرَارِ التَّارِيخِ
وَهِيَ نَافِذَةٌ مُشْرَعَةٌ عَلَى الْمُحِيطْ)
أُحَاوِلُ أَنْ أَكْتُبَ مَا نَسِيتُ عَنْهَا
وَهِيَ الَّتِي لَا تُنْسَى فِي كُتُبِ التَّارِيخِ
هِيَ تَائسِفَهْ…
وَهِيَ أَسِيفُ النَّهْرُ، الْجارِي حِينًا
وَحِينًا يَرْكَنُ فِي صَمْتٍ
يَسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ هَدِيرَ مَوْجَاتِ الْمُحِيطْ
وَهِيَ اشْتِيَاقٌ مِنْ آسَفِي عَلَيْكَ
لَكِنْ تَبْقَى قَصِيدَةً مَفْتُوحَةً عَلَى كُلِّ اللُّغَاتِ
تَأْسِيسُهَا مَفْتُوحٌ عَلَى الْمُحِيطْ)

هي أسفي، جوهرة ساحلية على المحيط الأطلسي ، مدينة تجمع بين عبق التاريخ، وحيوية الحاضر. لكني لم أزرها، كما أذكر، إلا في بداية التسعينيات، عائدا من مكناس صحبة أسرتي الصغيرة لم تكن تتكون إلا من ثلاث أفراد، قبل ولادة الرابع، فقررنا أن نأخذ الطريق الساحلي بداية من الرباط مرورا بالبيضاء حيث تناولنا وجبة الغذاء، ثم عرجنا على الجديدة لزيارة صديق الدراسة في البيضاء، فقضينا ليلة في بيته، وفي الصباح توجهنا إلى أسفي: كانت رائعة بكل المقاييس البحر يلفها من كل جانب، وعبق التاريخ تشعر به قبل أن تطأ قدماك تربتها، وحسب كتب التاريخ فجذورها تعود إلى العصور القديمة، حيث كانت بلدة أمازيغية صغيرة. وعرفت بالتجارة البحرية، خاصة في العصور الوسطى، عندما كانت مركزًا تجاريًا رئيسيًا يربط بين المغرب وأوروبا. وقد خضعت أسفي لحكم البرتغاليين في القرن السادس عشر، ولا تزال آثار هذه الفترة ماثلة في المعالم المعمارية للمدينة.
(مِنْ أَيْنَ أَبْدَأُ كِتَابَةَ الْقَصِيدَةِ
وَالْمُحِيطُ يُنَادِي: هَيْتَ لَكَ، أَنْتَ الْمُنْتَظَرْ!
وَالْأَسْوَارُ الْعَتِيقَةُ تُنَاجِي: أَيْنَ أَنْتَ..؟
وَالْفَنُّ الْخَزَفِيُّ مَمْدُودٌ إِلَيْكَ
كَالتَّارِيخِ الْمَكْتُوبِ بِالْحَجَرْ
مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ شَاعِرٌ مُحْتَارٌ بَيْنَ الصُّوَرْ؟
أَمِنْ حَيْثُ بَدَأَ الْمُؤَسِّسُونَ الْأَمَازِيغُ؟
أَمِنْ حَيْثُ رسَى الْبُرْتُغَالُ بِمُحِيطِهَا الْمُنْتَشِرْ؟
أَمِنْ حَيْثُ يَبْدَأُ كُلُّ شَاعِرٍ تُنِيرُهُ
الْقَصِيدَةُ إِذَا مَا غَابَ وَمَا حَضَرْ؟)
الوقت وقت الزوال، ولا يحلو شيء سوى الطعام، تستقبلك المرسى بما جاد من أنواع السمك: طبق السردين المشوي، طبق متنوع من فواكه البحر مشوي ، ولأني من عشاق السردين المشوي فلن يهدأ لي بال حتى أستمتع به قبل الطبق المتنوع مقليا أو مشويا.
ثم نبدأ جولتنا مرسى المدينة النابض بالحياة. حيث تتراقص قوارب الصيد على إيقاع الأمواج، فستنشق عبير البحر والاستمتاع بمشهد الصيادين وهم يعودون بغلتهم. لا تبعد المدينة القديمة عن المرسى، فتكشف كنوز المدينة العتيقة، فهي تُعرف بكونها عاصمة الخزف المغربي، لذلك تجد الخزف في كل زاوية، وفي ورش الحرفيين وفي المتاجر التي تعرض أعمالهم الفنية الرائعة.
(وَتُكْتَبُ الْقَصِيدَةُ فِي وَلَهٍ
عَلَى أَلْوَانِ الْخَزَفْ
هُنَا مَرَّ مَنْ مَرَّ
لَكِنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِمَّا سَلَفْ
الْحَضَارَةُ مَنْقُوشَةٌ وَمُتَجَذِّرَةٌ فِي الْخَزَفْ
أَسْمَاءُ مَنْ مَرُّوا أَوْ رَحَلُوا
تَارِكِينَ خَلْفَهُمْ مَا يُحَيِّرُ الْعَيْنَ
مِنْ أَشْكَالٍ وَأَلْوَانٍ حَدَّ التَّرَفْ )
أكادير: 20 ماي 2023
شاعر من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
