إضاءات على الهايكو
الهايكو العربي والتجريب المَثْلوب (الجزء الثالث)
توفيق أبوخميس
”قد يكون الشعر بالنسبة للإنسان السعيد ترفاً ذهنياً محضاً، غير أنه بالنسبة للمحزون وسيلة حياة.”
– نازك الملائكة.
في قراءة متفحصة للشعر العربي ينبغي لنا أن ندرك أن تكون بدايات هذا الشعر أبعد من زمن امرؤ القيس بقرون عديدة، فما نراه من دقّة الأوزان وإحكام الدوائر والتواطؤ على الزحافات والعلل يشير إلى أن هذه الصناعة الفنية الباهرة مرّت بمئات السنين من التجريب حتى وصلت في العصر الجاهلي إلى مرحلة النضج والكمال.
فالتجريب يدل على كل ما هو جديد كما يعكس التمرد على المواضيع الثابتة، ويرتكز بالخبرة وبتقنية الغرض، وهو تجاوز لنمطية النماذج الروتينية التي أصبحت مملة وغير مستساغة لدى المتلقي والذي بدوره لم يعد يجد فيها المتعة لكثرة تكرارها وخلوها من مقاومات الذوق الأدبي.
لذا يقترن معنى التجريب الأدبي بالمغامرة المتزنة، فالتجريب إذن هو التجاوز والمغامرة في أعماق النص الأدبي مع المحافظة على أساسيات بنية النص، وتلازم مفهموم التجريب بالإبداع أي التخلص من الشكل التقليدي محاولاً التجديد والتغيير. فالتجريب خلق من جدد ليعرف إلى البحث والاستكشاف والتغيير، لذلك يحاول جاهداً التخلص من الثبات وبتجاوز الممكن و المستحيل.
لقد اقترن التجريب من قبل بالخبرة والتجربة والمعرفة السابقة ومن بعدها اقترن بمعنى المغامرة والإبداع، فالتجريب عبارة عن مزيج علمي يوالف أكثر من معنى ولا يمكن حصره في معنى واحد.
كان إرتباط وجود التجريب في الحديث من الأدب العربي وبدايته بظهور الكتابة المسرحية، ومع بعض من المخرجين من خلال التجديد بتصاميم وديكورات الخاصة بخشبة المسرح، وكان ذلك بالطبع مخالفاً تماماً للمسرح التقليدي. وحيث وصلنا إلى خلاصة بأن التجديد في المسرح جاءت في المحاولة في تقديم شيء جديد ومبتكر في مجال الإخراج ، أو النص الدرامي أو الإضاءة أو الديكور .. حيث اتخذ أسلوباً جديداً تم به تجاوز الشكل التقليدي، الذي لا يقصد به تحقيق نجاح تجاري، ولكن بغية الوصول إلى الحقيقة الفنية وعادة ما يتحقق هذا التجاوز عن طريق معارضة الواقع والخروج به إلى أفق الخيال، بل المبالغة في ذلك الخروج في بعض الأحيان.
في الحقيقة أن أغلب ممن يدعوا بأنهم أهل التجريب وطرق الحداثة في الهايكو على وجه التحديد يجهلون ما هو الشعر، ولا يجيدون تذوقه، وأنهم أفسدوه بكتاباتهم وبنقدهم الباهت، ونظرياتهم الباردة التي لا أساس لها، وأن معظم نقدهم عبارة عن زوبعة في فنجان لا يَرقَى ولا يَبقَى، وأنهم ليس إلا شِلَلاً يكتب بعضهم عن بعض، وفي الوقت نفسه هم دكتاتوريين يُقْصُونَ مَن ليس على نهجهم.
وفي خلاصة القول أحب أن أذكر كلمات للروائي الأمريكي “هيرمان ميلفيل” حيث يقول: “من الأفضل أن تفشل وأنتَ أصيل، على أن تنجح وأنت مُقلّد.”
باعتقادي بأن أقسى أنواع الرفض لا يأتي من الخارج بل من الداخل، عندما يرفض الكاتب اختلافه وتفرّده.
حيث يحرم الكاتب نفسه من فرصة اكتشاف ما هو أصيل، ويخسر فرصة الإبداع فيه الذي قد ينبع من تنميته، لكنه سوف ينأى عنه بعيداً عندما يرفضه، ويحاول مُحاكاة الآخرين تحت بند ما يسميه التجريب.
قد يحظى الكاتب ببعض القبول من فئة قليلة عندما يفعل ذلك، ولكن الثمن سيكون كبيراً في المُقابل إلا وهو خسرانه لقبول نفسه/هويّته – التي ستبقى دائماً رهينة شيءٍ ما يقع من تقلبات.
ناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
