حافي القدمين: السيرةُ الآسِرة
كريم بلاد*
أنا أيضا من الحفاة..
لذلك لن أستنكف عن كتابة تقديم يليق برجل كان حافي القدمين..
ولن يقدر أحد أن يكتب عن الحفاة ما لم يكن حافيا، مشى حافيا، وركض حافيا، وتسلق الجبل حافيا، وعوقب من لدن مدرس الابتدائي حافيا، كما عوقب على بطنه بعصا شديدة صلبة صلدة عنيدة. لن يكتب عن الحفاة غير واحد من الحفاة، واحد ما يزال يُسقط عينيه على قدميه فيلفاهما عاريتين ومشوكتين، تقاومان قبح العالم، ولا تستطيعان نسيان الماضي، بالرغم من أنه غدا ينتعل من أفخم الماركات العالمية، جلدا ووبرا.
فليس عيبا أن ننتعل الحفى.. ولكن العيب أن ننكر أننا انتعلناه..
وليس عيبا أن نحلم حينها بزوج حذاء نراه في قدمين أخريين لأنثى ولدت في أبهة الغنى، ولكنها تقاسمنا كراسي الدراسة لأننا ولدنا في بلدات بعيدة، بعيدة عن الحضارة.. ولكن العيب أن نحقد عليهم لأنهم فُضلوا علينا في الرزق..
وليس عيبا أن نقضي أياما وأسابيع وشهورا نجرجر الصندل البلاستيكي أو الخف الجلدي القاسي، الذي مرت عليه سنون طوال، فقد فيها ليونته، ولونه، واستحال قاسيا كالأيام التي كنا نعيشها.. ولكن العيب أن ننسى بسهولة ذلك، ونكذب على أطفالنا فنحدثهم عن العصر الذهبي الذي عشنا فيه…
عندما قدم لي صديقي الشاعر والكاتب المتأنق والمتألق إبراهيم أوحسين مسودة عمله هذا، لم ألُكِ الشّكّ في فمي، ولم أتجلجل في الكلمات، فأنا أعلم أنه كاتب يحترم نفسه، ويقيم للأدب والشعر حدودا جديدة، يعز على غيره إقامتها. فهو المتمكن من ناصية اللغة، المتواضع بإزائها، وهو العارف بخباياها، الزاهد في الكتابة بها وعنها، وهو القادر على النقد الصارم وإخراج النصوص المعترف لها بالجائزة من دائرة التميز إلى دائرة الركاكة والإسفاف. وهو المتمنع، بعد ذلك كله عن الخوض في ذلك كله، لقوة عقله، ورجاحة فكره، وعمق شعوره، ونبل أخلاقه، وانغماسه المستمر في بطون الكتب والمصادر ينهل منها ما يديم تميزه، ويطيل باعه بين أقرانه ممن يعدون أنفسهم ذوي شهادات عليا في الماستر والدكتوراه وغيرهما، وأنا العارف به، عازفا عن مقاعد الدراسات العليا، وزاهدا في طلبها، فلم يلج جامعة، ولا حصل شهادة عليا، ولكن شهادة من يعرفه حق المعرفة في ميدان الفكر والأدب والشعر تكفيه فخرا، وتغنيه ذكرا وذكرى.
إبراهيم أوحسين ابن أيت ملول العتيدة، حفار كتب، ينقب بلا توقف عن الكنز فيها، وهو حفار لا ينتقل من مكان إلى آخر حتى يستنفذه ذخرا وجوهرا، حتى وإن التقى في الحفر الصخر، فهو القادر على النحت فيه، وذلك شغفه. فقد أجده يحفر في العقاد أياما وشهورا، وينتقل منه إلى طه حسين فينبري على كتبه ومؤلفاته، يدرس ويحلل، ومنه إلى ما كتب حوله من أعمال جادة، فيكمل صورته عنه، حتى إذا وجد في متن من المتون ما يخالف ما انتهى إليه، أعاد الحفر من جديد بلا كلل ولا ملل. وقبلهما حفر في الرافعي، وتتبع بنات أفكاره في مختلف مؤلفاته، فيدرس ويعيد، ويردد “كيف لأمة العربية أن تهمل رجلا من قيمة الرافعي علما وأدبا؟”. فيبدي إعجابه به، وبقدرته على النقد البناء، وعلى التواضع خاصة عندما طلب منه كتابة تاريخ آداب العرب. ولا أحسب تلك القوة التي يمتلكها أوحسين وهذا التواضع الجم، وتلك القدرة على النقد الصريح، إلا ثمرة حفره في مصنفات هؤلاء العباقرة، حتى إني أناديه بـ “رافعي أيت ملول”، وذلك لقبي له.
ذاك الرجل..
وأما الكتاب “حافي القدمين” فهو السيرة غير المنتهية، والحياة غير المكتملة، ولكنها السيرة الفكر، والحياة الكبيرة الغنية. اطلعت على مسودة هذا العمل قبل أشهر من كتابة هذا التقديم، ولن أقول بأني أعجبت بقدرة صاحبها على التعبير سردا، والتصوير وصفا، ونقل المواقف حوارا، فهذا مما لا يعسر حتى على أصغر الكتاب وأحقرهم. ولكني أعجبت بقدرة الكاتب على الانتقال بالقارئ من السيرة إلى الفكر، ومن القصة إلى الفلسفة، ومن الحياة إلى مواقفه من الحياة في نظره وفي نظر ثلة من الكتاب والمفكرين والفلاسفة والشعراء الذين لن أستطيع عدهم ها هنا عدّا، فهو الكاتب واسع الاطلاع، وهو الباحث غزير المعرفة، حتى إننا نعده، نحن جماعة من المثقفين بسوس، مرجعا نعود إليه كلما اختلفنا في شاذة من شواذ العربية، أو تركيب من تراكيبها، أو صيغة من صيغها النحوية أو الصرفية، أو غير ذلك، مما يفحمنا فيه بالحجة والشاهد شعرا وقرآنا. وتلك مثلبة لا يلقيها الحظ في طريق أيّ كان، ولكنها تلقى فقط في طريق “حافي القدمين”.
ويكفينا أن نستهل الكتاب بـ “همسته” فنجد أجوبة شافية عن مختلف الأسئلة التي يمكن أن نطرحها حول دواعي كتابة الحفى، على مثال أو على غير مثال من السير الذاتية أو المذكرات، أو مما لم يجنَّس بعد.
ولن أزيد شيئا عما سطره الكاتب بنفسه في هذا المجال. ولكني أأكد أن العمل الذي بين يدي القارئ عظيم النفع، رصين السبك، جيد المتن، قوي البناء، شديد التماسك، عميق الفكر، بعيد الغور. سيجد فيه كل قارئ ضالته. وسيكون بمثابة قوام جديد، يجمع بين السرد والمقال الفكري من دون نشاز، وسيكون كتابا يحتفى به، بالرغم من الغصة الأكاديمية التي سيلحقها بأصحاب الشهادات العليا الذين يكتبون – إذا كتبوا – وفق منظور تنظيري صارم، لا يحبون أن يخرج عليه أيّ كان، حتى لو كان إبراهيم أوحسين عينه.
إن كتاب “حافي القدمين” ليس خالصا للسرد، وليس خالصا للفكر. إنه مزيج منهما معا، وتم تكمن جماليته، وقوته شكلا ومضمونا. إن السارد يسرد حياته طفلا ويافعا، ولكنه يستشرف المستقبل كاتبا واعدا يقدم أجود الأفكار عن مواضيع العالم الذي يعيشه، فيستطرد فلسفيا وأدبيا في العقاب والطفولة والعلوم والفن والعقل والشيطان والسحر واللعب والنمو والحيوان والتربية والدين والتاريخ والمرأة والرواية والفلسفة والمسرح والشعر وغير ذلك كثير وليس يكون بحد.
إن كتاب “حافي القدمين” تحفة أدبية ووليمة دسمة لن تضر غير أصحاب الكروش المنتفخة بالغازات، وأولئك المرضى الذين لا يقدرون على تتبع أي حمية غذائية، أقصد قرائية.
ما عدا ذلك، فهو أيقونة، يحق لنا أن نقرأها، وعقد يحق لنا أن نعلقه في أجيادنا.
إن “حافي القدمين” سيرة آسرة لا كالسير، وأدب متأدب لا على نمط ولا جنس ولا نوع… إنه “حافي القدمين” وكفى.
أكادير يوم 28 يوليوز 2022م.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
