قصيدة ارْفَقْ يَامَالْكِي لسيدي قدور العلمي

اختيار وتقديم: الحسن الگامَح
تقديم لقصيدة سيدي قدور العلمي
سيدي قدور العلمي (1760-1850) هو أحد أبرز شعراء الملحون المغاربة، وفارس من فرسان هذه القصيدة الزجلية الشعبية. عاش في فترة شهدت تحولات اجتماعية وسياسية في المغرب، وقد انعكس ذلك على شعره الذي تميز بعمق فلسفي ورؤية نقدية للمجتمع والحياة.
تعتبر قصائده أيقونات في فن الملحون، حيث جمعت بين البلاغة الفنية والسهولة اللغوية، مما جعلها محبوبة لدى مختلف الأوساط. اشتهر سيدي قدور العلمي بقدرته على تناول مواضيع متنوعة بأسلوب فريد، من الغزل العفيف والحكمة البالغة إلى النقد الاجتماعي الساخر. غالبًا ما تميزت قصائده بأسلوبها الشعبي الدارج، مع استخدام قوي للاستعارات والتشبيهات التي تعكس غنى الثقافة المغربية.
لم تكن قصائد سيدي قدور العلمي مجرد كلمات منظومة، بل كانت مرآة عاكسة لروح العصر، حيث عبر فيها عن آمال الناس وهمومهم، وعن نظرته للحياة والموت، والقدر والمصير. ولا تزال أعماله تُغنى وتُدرس حتى اليوم، لتظل شاهدة على عظمة هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الأدب المغربي.
قصيدة “ارفق يا مالكي” لسيدي قدور العلمي هي قطعة شعرية رائعة تعبر عن تجربة الحب والفراق في فن الملحون المغربي. تبدأ القصيدة بمناجاة الشاعر لمحبوبه، الذي يسميه “مالكي” و”صَابْغْ النـّْيَامْ”، مُظهرًا بذلك مدى تعلقه وتقديره له. يتضرع الشاعر طالبًا الرحمة والعطف، ويصف حالته البائسة بسبب الهجر، فقلبه قد أنهكه العذاب، وهو “المَلْسُوعْ بَالـْغْرَامْ”. هذه الشكوى العميقة لا تعكس مجرد تذمر، بل هي صرخة ألم من روح تائهة في بحر الشوق.
تتعمق القصيدة في تصوير المعاناة الجسدية والنفسية للشاعر؛ فدموعه “حَايـْفـَا سْجَامْ” أي تسيل بغزارة، ويقضي لياليه ساهرًا “نـَبْكِي وَ نـُّوحْ فَالظـْلاَمْ”. هذه الصور البلاغية المؤثرة تنقل للمتلقي شدة الحزن الذي يعيشه الشاعر، وتجعله يتعاطف مع ألمه العميق. ورغم هذا الألم، يظل الأمل في الوصال مشتعلًا في قلبه، فيتمنى رؤية خد محبوبه الذي “يـَضْوِي عْلـَى الرّْسَامْ”، تعبيرًا عن جماله الذي يسطع كالنجوم، وهو يرى في هذه الرؤية خلاصًا وشفاءً من “مْحَايْنْ الـْجْفَا”.
في الأقسام اللاحقة، ينتقل الشاعر إلى مرحلة العتاب، متسائلًا عن الوعود والعهود التي كانت تجمع بينهما، وكيف أن محبوبه قد تغير وربما تأثر بكلام “الحْسُودْ”، ليصبح الشاعر “العْدو” بعد أن كان الصاحب الوفي. هذا العتاب يعكس مرارة الخيانة أو التجاهل الذي يشعر به. وفي تحول لافت، يصل الشاعر إلى ذروة اليأس من الوصال، فيلجأ إلى الدعاء على محبوبه بأن يذوق مرارة الفراق والألم الذي يعيشه هو نفسه، قائلًا: “نـَطْلـَـبْ رَبِّـي اللـِّي ابْلانِـي يـَبْلِيـكْ بْلِيعْتْ الغْرَامْ”. هذا الدعاء، وإن بدا قاسيًا، إلا أنه يبرز عمق الألم الذي بلغ بالشاعر حدّ التمني بأن يشعر محبوبه ببعض مما يعانيه.
تتميز القصيدة بلغة دارجة غنية بالبلاغة والصور الشعرية، وتتبع بناء الملحون التقليدي بأقسامه المتكررة (المبيت، السارحة، الحربة) التي تمنحها إيقاعًا مميزًا ووحدة موضوعية. كما تظهر القصيدة قدرة سيدي قدور العلمي الفائقة على التصوير الحسي للمشاعر، والتنقل بين حالات نفسية مختلفة، مما يجعلها عملًا فنيًا حيًا ومعبرًا عن التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها. “ارفق يا مالكي” ليست مجرد كلمات، بل هي مرآة تعكس معاناة المحب من جور الهجر، وشاهد على عبقرية سيدي قدور العلمي في فن الملحون.
قصيدة:ارْفَقْ يَامَالْكِي لسيدي قدور العلمي
مبيت ثلاثي
القسم الأول
اَرْفـَقْ اَمـَالـْكِي ْبعَبْدَكْ وَ اعْطَفْ يَـا صَابْغْ النـّْيَــامْ
يـَا بَـدْرْ نْـبَـا مَـنْ الـْغـْتـَـامْ
يَـهْـديـكْ الله لاَ تْعَـذَّبْ قَلْـبِـي قَـصِـيـتْ مَـا كـْفـَـا
اَنـْتَ الـْمُوصُوفْ بَالـْمْحَاسَـنْ وَ نـَا المَلـْسُوعْ بَالـْغْرَامْ
وَ عْـيِـيتْ مْلاَزَمْ السّْقـَامْ
اَمَـا بَرَّدْتْ مَـنْ جْـمَـارْ فـْقـَلْبِـي مُحـَالْ تـَنـْطْفـَـــــــــا
انـْـبَـاتْ نْـسَاهَـرْ اللـّْيَالِـي وَ دْمُوعِي حَايـْفـَا سْجَــــامْ
نـَبْكِي وَ نـُّوحْ فـَالظـْــــلاَمْ
اعْلـَى مَحْبُوبْ خـَاطْرِي مـَنْ جَارْ عـْلِيَّ وْ لاَ عـْفـَـا
اِمْتـَى يَا مَالـْكِي نـْشَاهَدْ خَدَّكْ يـَضْوِي عْلـَى الرّْسَامْ
مَـا بِـيـنْ مْحَافـَلْ الرّْيـَــــامْ
وَ نـْقـُولْ بـْرِيتْ مـَنْ عـْلاَلِي وَ نْسِيتْ مْحَايـْنْ الـْجْـفَا
الحربة
رَغْبـُوا تـَاجْ المْـلاَحْ فِيَّ يَحْيـِينِي غـِيرْ بَالسْــــــــلاَمْ
وِ يرَاعِي سِيرْتْ الـْــــــكـْرَامْ
لاَ خِـيـرْ فـَاللـِّي جْفـَــــــــا حْبِيبُو بَعْدْ ايْامْ المْوَالـْفـَــا
القسم الثاني
سارحة
بَهْوَاكْ اَمَــــالـْكِـي افـْنِـيـتْ
لاَ حَـالـَا كِـيـفْ حَالـْتِــــي
رَاضِـي بَـهْـوَاكْ مَا شْكِيتْ
صَابَـرْ لـَضْـرَارْ عـَلـْتِّــي
فـَطـْرِيقْ هـْوَاكْ مَــا عْيِيتْ
حَـتَّـى تـَــقـْضـَى حَاجْتِـي
و لا نـَا نـَلـْـتْ مـَـا نـْوِيــتْ
مـَنـَّكْ يـَا رُوحْ رَاحْـتِـــي
نـَفـْرَحْ وَ نـْقـُولْ مَا مَشـَى لِي تـَمْجَادِي فـَالـْبْهَا حْرَامْ
وَ نـَا مَا ضَاعْ لِي انـْضَامْ
نـَسـْمَـعْ قـُولْ الحْـسُـودْ فِـيَّ يَـتْـكـَدَّرْ بَعـْـدْ مـَا صْفـَا
فـَايَـنْ الـْعْهُودْ وُ الـْمْوَاثـَـقْ وُ احْنـَا خَاوَا بـْلا خـْصَامْ
لاَ تـَسْمَعْ لـَلـْعـْدَا كـْلامْ
وُ الـْيـُومْ نـَا ضْحِـيـتْ العـْدُو وَ اعـْدَايَا لِيكْ رَايـْفـْا
شـَوَّقـْتـِينِي فِي ذَاكْ الـْبْهَا وُ اهْجَرْتـِينِي عْلـَى الدّْوَامْ
الله اَ سـَابْــغْ الـنـّْـيـَـــامْ
انْشـَرْ ثـُوبْ الرّْضَا عـْلِيَّ وُ اطـْوِي ثـُوبْ المْخـَالـْفـَا
نـَعْتـَادَكْ صَاحَبْ الـُولاَعَا فـَابْيَاتْ الشـَّعْرْ وُ النـّْضَامْ
وُ ابْـرَاوَلْ مَـا لـْهَا سْوَامْ
وُ انـْعـَرْفـَكْ صَاحَبْ اللـّْطـَافـَا وُ الرَّافـَا وُ المْسَاعـْفـَا
الحربة
رَغْبـُوا تـَاجْ المْـلاَحْ فِيَّ يَحْيـِينِي غـِيرْ بَالسْــــــــلاَمْ
وِ يرَاعِي سِيرْتْ الـْــــــكـْرَامْ
لاَ خِـيـرْ فـَاللـِّي جْفـَــــــــا حْبِيبُو بَعْدْ ايْامْ المْوَالـْفـَــا
القسم الثالث
سارحة
امَـا دَوَّزْتْ مَـنْ وْقـْـــــاتْ
كـُنـْتْ مْـغَـطـِّي ابْثـُـوبْـهَـا
تــَسـْوَى اليـَـاقـوتْ وَ التـْقـَاتْ
وَ السَّـعْـدْ اسْـكًـَـامْ مَـنـْهـَا
وَ الكـَـاسْ مْـدَامْـعـُو اجـْرَاتْ
اعـْلـَى الشـَّمْعـَا وُ ضِيْهـَا
مـَا تـَسـْمـَعْ غِـيـرْ كـُبْ هـَاتْ
وَ الخَـمْـرَا بـَاحْ سَرّْهـَا
فِينْ ايّْامْ الزّْهـُو الـْبـِيضَا وَ انـْتَ نـَشـْوَانْ بَالـْمْـدَامْ
سَالِي فـَبْسَاطـْنـَا هـْمَامْ
مَحْجُوبْ اعْلـَى عـْيُونْ لـَعـْدَا وَ عـْلِيكْ التـَّاجْ مَا خْفـَا
صَدْقـُو مَـنْ حـَدْثـُّو وُ قـَالـُو مَا دَامْتْ لـَزّْهـُو ايَّامْ
لـُـو كـَانـْتْ تْـدُومْ لـَلـْـقـْدَامْ
لــُوكـَانْ الشـَّمْـسْ فِـي سـْمـَاهَـا تـَبْقـَى دِيمَا مـْشـَرّْفـَا
كـُنـْتِـي عـَنـْدِي بْحـَالْ رُوحِـي وَ نـَايـَا لـِكْ كـَالـْغـْلامْ
نـَخْـضَـعْ وَ نْقـَـبَّـلْ الْقـْدَامْ
و نـْبـَايَـعْ لِـكْ غـِيـرْ نـَـنـْـظـَرْ وَجْهـَكْ يَا شـَارْدْ الـْعْفـَا
امَا صَبـَّرْتْ خـَاطـْـرِي كـَانْ يـْدُوزَكْ مـَا رْضَا حْكـَامْ
وَ احـْلـَـفْ السـَّعـْدْ لا سـْكًامْ
مـَا بِـدِي مـَا نـْدِيـرْ نـَطـْلـَـبْ مـُولايَـا يـْجُودْ بـَالشـّْفـَا
الحربة
رَغْبـُوا تـَاجْ المْـلاَحْ فِيَّ يَحْيـِينِي غـِيرْ بَالسْــــــــلاَمْ
وِ يرَاعِي سِيرْتْ الـْــــــكـْرَامْ
لاَ خِـيـرْ فـَاللـِّي جْفـَــــــــا حْبِيبُو بَعْدْ ايْامْ المْوَالـْفـَــا
القسم الرابع
سارحة
هـَـذِ مُـدَّا بْـلا حْـسـَــــابْ
وَ نـَــا كـَامِــي اعـْلايـْلِي
نـَتـْسَنـَّى سَـاعْــتْ الـصـّْـوَابْ
نـَـقـْضِـي فِـيـهـَا مْسَايْلِي
كـَنـَطـْلـَبْ عـَاتـَقْ الـرّْقـَابْ
يـَجْـمَـعْ بـِـيَّ اغْـِزيّْـلِــي
مـَحْـبُـوبِـي رَاشـَقْ الهْـذَابْ
نـَايـَـرْ الـخْـدُودْ قـَاتـْلِي
صَرْصَرْ عـَنِّي وُ شـَافْ فِيَّ وَ ابْهـَضْنِي مَالـْكِي وُهـَامْ
كـَبـَازْ هْـوَى عـْلـَى حـْمَامْ
وَ اتـْرَكْ جـَسْمِي انـْحِيلْ فـَانِي مـَقـْسُومْ عَلْ المـْنـَاصْفـَا
لـُو صَبْتْ نـْعِيدْ لِيهْ سَرِّي وَ نَـا وَحْدِي ابْلا زْحَامْ
لـُو كـَانْ رْقـَصْتْ بَالكـْمَامْ
عَسَّـى يـَرْطـَابْ خـَاطـْرُو مَكـْمُولْ الصُورَا المْشـَرْفـَا
مـَالـَكْ مَـا فـَادْ فِيـكْ تـَمْجَادْ وَ لا رَغـْبَا وُ لا ذْمَامْ
يـَا تـَابَعْ سِـيـرْتْ الغْشـَـامْ
دَابـَا رَبِّـي مَـنْ الـْجـْمَـالْ يْسَلـْبَـكْ يَنـَاقـْـصْ الوُفـَا
نـَطـْلـَـبْ رَبِّـي اللـِّـي ابْلانِـي يـَبْلـِيـكْ بْلـِيعْتْ الغـْرَامْ
حَتـَّى تـَكـْـرَهْ الطـّْعـَــامْ
وَ اجْـمَـارْ الـْبـِيـنْ فـِي امْهـَاجَـكْ تـَبْقـَى دٍيمَا مْشـَغـْفـَا
الحربة
رَغْبـُوا تـَاجْ المْـلاَحْ فِيَّ يَحْيـِينِي غـِيرْ بَالسْــــــــلاَمْ
وِ يرَاعِي سِيرْتْ الـْــــــكـْرَامْ
لاَ خِـيـرْ فـَاللـِّي جْفـَــــــــا حْبِيبُو بَعْدْ ايْامْ المْوَالـْفـَــا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي