رواية الأسراب السبعة الروائي حامد المغرم

عصام عبد السلام الشرتح*
يطالعنا الروائي حامد المغرم برواية تاريخية من أجمل الروايات في تاريخ الفكر الروائي الإبداعي السعودي، من خلال شخصيات واقعية نقلها لنا نقلاً تصويرياً روائياً شائقاً من خلال تفعيل الشخصيات الرئيسة، كشخصية أبي ذهيبة، وسلمان بن نامي، وعلي الحربة، وعبد الباقي العامري، وأبو دعيج، وأبو حشرة، وغيرهم ،وهذه الشخصيات مأخوذة في زمن الاحتلال العثماني، وهي شخصيات حقيقية لها تاريخها الحافل في التراث الشعبي والحكايات والقصص الواقعية التي حدثت كما هي، وتعد شخصية أبي دهيبة ركيزة الرواية، ونقطة تمفصل الأحداث، ونسجها في الرواية، فهو الشخصية الرئيسة التي تنبني عليها الحبكة الروائية، وهو المحور الارتكازي في الرواية، ومكمن حراك الأحداث والمشاهد والوقائع والتفاصيل اليومية التي ينبني عليها الحدث الروائي، والمشاهد كلها في طقوس الرواية.
وأبرز ما يثير الرواية السلاسة اللغوية، ورشاقة الجمل الوصفية التي ترسم الأماكن والمشاعر بدقة متناهية، لاسيما وصف البيئة، وما يعتمر في ذات أبي ذهيبة من صراعات وتأملات وخطط حربية ظهرت في الرواية بمواقفه المشرفة، وتأملاته العميقة، وخططه الحربية الموفقة التي كان لها الدور الحاسم في انتصاراته لاسيما في نجاحه في قطع طريق الإمداد العصملي، لتؤكد الرواية مهارة الحبكة الروائية، ورشاقة الحوار، وواقعيته، واقترابه من لغة الواقع الوصفية التي تؤرخ للتراث الشعبي السعودي من عوائد، وتقاليد، ورؤى ممنهجة تحتفي بالواقع، والمناخ السعودي السائد في تلك المناطق التي شهدتها المملكة السعودية في تلك الفترة لتدل على تاريخها الحافل بالانتصارات والمواقف البطولية المشرف إزاء ممارسة الجنود العصمنليين أقسى ممارسات الاستغلال والقهر والظلم .وهذه الرواية تعيدنا إلى أزمنة ماضوية، وعوائد، ومنظومات تراثية تغني المخيلة السعودية بما كان وما تفيض به تلك الحقبة من عادات في الأعراس والقتال والعشق والزواج وطقوس الحفلات والعوائد العربية الأصيلة .
وتأتي أهمية الرواية، وتنبع قيمتها من عدة منظورات نبرزها في النقط التالية:
1ـ شعرية اللغة الروائية، وسلاسة التقاط المشاهد، وتفعيل الحوار على لسان الشخصيات لتجري ملامسة لدواخل المواطن السعودي، في تلك الحقبة التي جسدتها الرواية، لاسيما في الحوار الذي دار على لسان الشخصيات في حادثة مقتل مطلق، والهواجس النفسية والرؤيوية التي لازمت الشخصيات الروائية في تلك الحادثة، و كذلك في خطة إطلاق سراح سلمان بن نامي، التي جمعت الفكر الدرامي بالحدث الواقعي، لتكون الرواية شائقة في انساقها الوصفية وربط الأحداث، والانتقال من حوار شائق لسان بعض الشخصيات كشخصية علي الحربة إلى حوار واقعي يؤرخ للعوائد السعودية في طعامهم، وملبسهم، ونمط تفكيرهم وعاداتهم اليومية من خطبة، وزواج، وغزو، ورعي وزراعة وغيرها من الممارسات اليومية في واقعهم اليومي المتداول أو المعاش.
2- مهارة الروائي حامد المغرم في تفعيل الحوار بين الشخصيات الروائية، لتكون قريبة من الواقع ملاصقة لما يدور في خلد المواطن في تلك الحقبة، لاسيما في استخدام بعض الكلمات الدارجة، والامثال الشائعة، والشعر الشعبي البسيط الذي يدور على لسان الشخصيات في الرواية، لاسيما الشعر الشعبي الجميل على لسان علي الحربة في عشقه لهلالة العامرية التي تبرز روح الأنفة الأنثوية، وبطولاتها، ومغامراتها حتى في عشقها، وحبها العذري النقي الذي يتغلغل إلى روح القارئ بسلاسة ومتعة وجاذبية.
3_ بداعة الصور الوصفية في الرواية لتطغى لغة السرد الرقيقة السلسة، أو لغة السرد الشاعرية التي تحتفي بسلاسة لغوية شائقة، لاسيما في رسم أبعاد الشخصية الروائية، ومستوى تفعيل الأحداث الروائية في الرواية، وكأن الرواية تعيدنا إلى ما مضى بعين الواقع لاعين المتخيل والقصص المتخيلة، فالقصص مأخوذة من نبض الواقع، من نبض تلك الأزمنة، والدراما الحقيقية على لسان الشخصيات، وهي تسجل علامتها المؤثرة في جذب المتلقي إلى إحياء ذاكرة التراث الشعبي السعودي، وبطولاته المشرفة في تلك الحقبة الزمنية المهمة في التراث الشعبي السعودي.
3ـ الحبكة الروائية التي جمعت بين الفكر الجمالي في الوصف والسرد و تكريس الأحداث الواقعية، والحنكة في التقاط تلك القصص التي ساهمت في الأسراب السبع، لتكون الرواية تجسيداً واقعياً للأحداث التي وقعت في زمن الشخصيات من جهة، وتفعيلاً للمتخيل الجمالي في رسم البعد النفسي الشعوري لمسار الشخصيات الروائية من جهة ثانية، وكأنها تعكس أبعاد الشخصيات بحقيقتها وطزاجتها الشعورية، وحرارة التجربة التي تعيشها الشخصيات لتلامس الواقع بحذافيره وتفاصيله الصغيرة لاسيما في الجانب الحواري والعادات المقترنة بالشخصيات، ونمط تفكير الشخصية في الرواية ، وهذا ما يجعل الرواية تشكل منعطفاً مهماً في التراث الروائي الشعبي السعودي، لتؤكد غنى هذا التراث الذي وظفه المؤلف حامد مغرم، في هذه الرواية ليسجل خطوته الرائدة في هذا المجال، وهي إحياء التراث السعودي، وتحديثه ليعاصرنا، ويحيا معنا بنبض جديد، وحساسية روائية نادرة جعلت الرواية شائقة في أحداثها، وتفاعل شخصياتها، وكثافة الأحداث، والرؤى الملاصقة لها، وكأنها ملحمة من الملاحم الروائية التي تستحق أن تحظى بالدعم المادي والنقدي لتكون المدونة الروائية الأهم في الأدب السعودي الروائي الراهن.
كاتب من العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي