الرئيسية / ابداعات / الظل الذي ابتلع الضوء – لبنى ياسين

الظل الذي ابتلع الضوء – لبنى ياسين

الظل الذي ابتلع الضوء

لبنى ياسين*

لم أكن أعلم أنني سأصبح شاهدًا على نهاية هذا العالم، أو ربما على ذلك التحول العجيب الذي جعل من البشر أشكالًا متشابهة، يقومون بالحركات ذاتها في الوقت نفسه، بلا ملامح، بلا شعور، كائنات مجردة من الأحاسيس، تحركها رغبات محكومة بالطمع والأنانية.

راقبت العالم طويلًا من وراء الشاشات، في الشارع، في العمل، في المطاعم والمقاهي. في الحدائق، والحفلات، لقد جنّ هذا العالم، لا شك في ذلك.

صرت أتابع موجات الجنون… هذه: التريندات المجنونة، المصائب الطبيعية، وغير الطبيعية، عمليات التجميل التي جعلت وجوه وأجساد النساء في غاية القبح.. والتشابه، النفخ الذي طال كل شيء إلا الدماغ، الديمقراطية المزيفة حين تهتف الشعوب بأكملها لإيقاف الإبادة في غزة، إلا أن الحكومات التي تدّعي الديمقراطية تفرّق الجموع بالعصا، وتعتقل من ترى أنه كان في مقدمة الاحتجاج.

بعد متابعة كل هذا الجنون بذهول، قررت أنه عليّ أن أفعل شيئًا لأنقذ هذا العالم المتعفن من قذارته، لا أدري من أين أتتني الشجاعة، أو ربما التهور، لأفكر في ذلك.

كنت كلما أمعنت بالتفكير اقتنعت أكثر بأن كل الإجابات التي أحتاجها موجودة لدى الشخص الذي يتحكم في القطب المسيطر، فقررت أن أتجه إليه مباشرة لأعرف ما الذي يحدث في هذا العالم.

بدأ كل شيء في تلك الليلة التي تسللت فيها إلى قصر ترامب، ذلك البناء الذي يشبه المتاهة، حيث تتداخل الأروقة، وتتشابك الممرات كأنها شبكة عنكبوتية ضخمة، تشعرك أنك عالق في دائرة مفرغة تعيدك للبداية كلما ظننت أنك ستخرج.

كنت أبحث عن الحقيقة، عن السر الذي يخفيه هذا الرجل الذي ظن فجأة أنه محور الكون، وبدأ يعبث بالتوازن الاقتصادي المشكوك بوجوده أصلا.

كنت أمشي، بحذر شديد، متحريا ألا يفضح أمر تجسسي على علية القوم، لكنني كلما اقتربت من قلب القصر، شعرت بأن الجدران تهمس بأصوات لا أفهمها، كما لو أنها تحذرني، وتتحرك بطريقة ما تناقض كل النظريات الفيزيائية التي قرأتها أو سمعت عنها، وأن الأرض تهتز تحت قدمي التي تحاول أن تسير بخطى لا تُسمع.

وصلت إلى غرفة مظلمة، تتوسطها مرآة ضخمة تعكس صورة لا تشبهني رغم أنها يفترض أن تكون أنا، اقتربت منها لأتأكد من هذا الانعكاس الغريب لصورتي، كانت أطرافي تتجمد لشدة البرد الذي باغتني مصاحبا للخوف، ورأسي يحاول حل هذا اللغز العجيب لصورتي المختلفة على المرآة الكبيرة، فجأة، وبينما أنا أحاول أن ألمس صورتي على المرآة لأتأكد من أنها انعكاسي، خرج منها ذلك الانعكاس، لكنه لم يكن أنا، بل  ترامب بشحمه ولحمه، لا تسألوني كيف، فأنا نفسي لا أجد تفسيرا منطقيا واحدا لكل ما يحدث على هذه الأرض، ورغم أنني عرفته فورا، إلا أنه كان مختلفا، ليس ترامب كما نعرفه، بل كائن غريب، عيناه تلمعان بضوء أزرق شرس، وجسده يتوهج بطريقة نارية مخيفة، بدا لي كما لو كان ظلا هائلا يبتلع كل الضوء الذي حوله، فيخادعك البصر وأنت تراه مضيئا، بينما هو معتم للغاية.

قال بصوت مزدوج يكاد يكون الكترونيا:

“أهلًا بك ..كنت أعلم أنك ستصل إلى هنا، فقد كنت أتطلع  لهذا اللقاء منذ قرون.”

” منذ قرون”!! أجبت بذهول.

أجاب: نعم ..نعم منذ قرون.. ستفهم لاحقا!!

شعرت بدوار غريب، انتابتني كل مشاعر الخوف، والرعب، والذهول، والإرهاق، والاستغراب، والدهشة.

أكمل كلامه: “انضم إلينا، ستتغير حياتك، ستلعب بالدولار، وتمتلك طائرة خاصة، وترتدي أغلى المجوهرات، والساعات، وتوفر لأولادك ما لا يستطيعون حتى الحلم به.”

نظرت إليه، لم أقوَ على الكلام، فقد كان الرعب يستعمرني. أظنه كان يعلم ذلك، فقد منحني وقتًا لأحاول أن أستوعب ما رأيت، على أن يراني في اليوم التالي.

شعرت بأنني أسقط في هاوية لا نهاية لها، بينما ذكرياتي تتلاشى، رأيت صورًا لعوالم تُدمَّر، ونجوم تنطفئ، وكائنات مدجنة تبكي بلا دموع.

استيقظت في غرفة بيضاء، لا يوجد فيها  سوى كرسي وطاولة، جلست، وبدأت أكتب هذه القصة، ربما في محاولة مني لقتل النسيان، أو لأحذر من سيأتي بعدي، لا أعرف كم من الوقت مضى، لكنني شعرت بأنني محتجز هناك منذ وقت طويل.

اقتحم ترامب الغرفة داخلًا من الجدار، كدت أجنّ، مرة من المرآة، وأخرى من الجدار، ما هذا الذي يحدث؟! كل شيء ينافي أي منطق يعرفه أي عاقل أو حتى مجنون.

سألني إن كنت سأنضم إليه، كنت قد قررت أن أخدعه، لأعرف الحقيقة، وأعلنها على الملأ، نستحق أن نفهم أي قوة خفية تلعب بأدمغتنا، وتدجننا، وتجعلنا أعداء، لكنه بطريقة أو بأخرى قرأ ما أفكر به، فقال بغضب بدا مفتعلا: “لست ممن يليق بهم مكان كهذا، عد إلى المزبلة التي كنت فيها، أنت لا تستحق أكثر منها.

أدار ظهره ليغادر، وجسده يشع بألف لون شيطاني عجيب، لكنه استدار فجأة وأكمل كلامه:

ستبقى هنا في هذه الغرفة عدة أيام حتى نمحو من ذاكرتك كل ما حدث، ثم نعيدك إلى مكانك.”

نمت لا أعرف كم من الوقت، استيقظت وقد وجدت هذه القصة مكتوبة بخطي، وأنا أدّعي أنني وثقتها قبل أن يجبروني على نسيان ما حدث.

وبدأت بعدها أشعر أن صلاحية رأسي قد انتهت، صرت أفكر جديًا في أن أضعه جانبًا على الرصيف، وأغادر دون جلبة، لكن أمي أوصتني ألا أترك رأسي بعيدًا لئلا يعبث الحالمون والظالمون به.

فكرت أن أدسّه في حفرة، وأطمره بالتراب، لكن رأسي يخاف العتمة، أخاف أن يمنحني كوابيسه المرعبة انتقامًا لدفنه في الظلام. فكرت أن أطعمه للعصافير، لكنني خفت أن تصاب بالجنون، أو الجذام، أو الهلع. فكرت أن أطحنه، لكن الأفكار اليائسة ستنسل بهدوء وتحطم كبرياء الفراغ. فكرت أن أتبرع به، لكن ما من مجنون على الأرض سيقايض رأسه برأس منتهية الصلاحية. سأتركه فوق رقبتي… وأترك للصدف الغريبة، والاحتمالات المدهشة أن تخلصني منه في أقرب فرصة.

لكن، وبينما كنت أتأمل في المرآة ذاتها التي شهدت لقائي الأول بذلك الكائن الغريب،  رأيت في نفسي شيئا غير مألوف لم أستطع سبر أغواره.

أغمضت عيني لوهلة، وحين فتحتها مجددًا، تماما في غمضة عين كما يفال وجدت نفسي في غرفتي، كل شيء في مكانه، لكن شيئًا ما قد تغير  بي، نظرت إلى المرآة، فرأيت انعكاسي، لكن عينيّ كانتا تلمعان بضوء أزرق شرس، أدركت حينها أنني لم أعد كما كنت، وأن الظل الذي ابتلع الضوء قد ابتلع ضوء روحي، وترك بصمته في داخلي.

قاصة من سورية

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً