الفنان الفوتوغرافي مروان مسلماني: أسطورة الفوتوغرافيا ورائد التصوير السياحي العالمي-

فريد ظفور*
مقدمة: توثيق الزمن بعدسة خالدة
في عالم التصوير الفوتوغرافي، قلة هم من يتمكنون من تخليد ليس فقط اللحظة، بل التاريخ بأكمله في عدساتهم. الدكتور مروان مسلماني، الفنان السوري العظيم، هو واحد من هؤلاء الرواد الذين حملوا الكاميرا كأداة لإحياء ذاكرة وطن غني بالحضارات والعراقة. طوال أكثر من ثلاثة عقود، أبدع مسلماني في توثيق الموروث الأثري والثقافي لسوريا، متجاوزًا حدود التصوير التقليدي ليجعل منه فنًا خالدًا روّج له عبر ألبوماته وصوره التي تجاوزت الأربعة ملايين. هذه الصور ليست مجرد توثيق، بل لوحات متحركة تحاكي الزمن وتروي قصص الحضارات التي سكنت تراب الوطن، لتجعل من التاريخ حاضرًا ينبض بالحياة.

مروان مسلماني: شيخ التصوير السوري وراصد حضارة الإنسانية
في عالم التصوير الفوتوغرافي العربي، يظل اسم الدكتور مروان مسلماني منارة بارزة لا تُنسى، وشاهدًا حيًا على عمق العلاقة بين الفن والتراث والذاكرة الإنسانية. وُلد مسلماني في دمشق عام 1935، حيث بدأ رحلة طويلة امتدت لأكثر من أربعة عقود في خدمة الآثار السورية وحفظها بعيون كاميرته. أسهمت أعماله في رسم سوريا بألوانها وأصالتها، من خلال أكثر من أربعة ملايين صورة ضوئية تُعد إرثًا فنيًا وإنسانيًا خالدًا.
مسيرة احترافية متميزة في خدمة الآثار
انضم مسلماني عام 1958 إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، حيث عمل حتى عام 1995، وتولى في نهايتها إدارة قسم التصوير والأرشيف الأثري السوري. لم تكن مهمته مجرد التقاط صور، بل كانت صناعة لوحات فنية توثق جماليات وحضارات سوريا القديمة بكل دقة وإتقان.
رافق مسلماني العديد من البعثات الأثرية العالمية التي عملت في المواقع السورية، بما في ذلك تعاونات مع علماء آثار بارزين مثل الفرنسي كلود شيفر في أوغاريت، والإيطالي باولو ماتييه في إيبلا، والفرنسي أندريه بارو في ماري. من خلال هذه الرحلات، استطاع أن يلتقط بأدق التفاصيل الحياة التي كانت تنبض في مواقع أثرية عريقة، مثبتًا بذلك دوره كصانع ذاكرة لا غنى عنها للأجيال القادمة.
التأثير الفني والاعترافات الرسمية
كان مسلماني من المؤسسين الأوائل لنادي فن التصوير الضوئي السوري عام 1979، وكان أول نقيب للفنانين الضوئيين في سوريا. سعى جاهدًا للاعتراف بالتصوير الضوئي كفن راقٍ وليس مجرد حرفة تقنية. كما درّس مادة التصوير الفوتوغرافي في جامعة دمشق، مما زاد من تأثيره في صناعة جيل جديد من المصورين السوريين.
نال وسام الاستحقاق السوري عام 1982 تقديرًا لمساهماته العلمية والفنية. كما أقام أكثر من 14 معرضًا متخصصًا داخل سوريا وخارجها، حيث عرض أعماله في ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، اليمن، المملكة المتحدة، وروسيا، مما أكسبه شهرة عالمية بين الباحثين وعشاق الفن والتراث.

أعمال خالدة ووثائق ثمينة
كتب مسلماني عدة مؤلفات توثيقية بسبع لغات، منها:
- سوريا أرض الإنسانية
- تدمر فن وعمارة
- دمشق وثائق وصور
- البيوت الدمشقية
- الجامع الأموي
- سوريا كنائس وأديرة في صور
هذه الكتب ليست مجرد صور، بل هي أرشيف تاريخي قيم يوثّق التراث الثقافي السوري في أبهى صوره.
إرث خالد وتأثير مستمر
رحل الدكتور مروان مسلماني في 21 فبراير 2013، تاركًا وراءه إرثًا يعتز به كل محب للتراث السوري والفن الفوتوغرافي. لقد رسم سوريا بكل ألوانها وأزمنتها، وأثبت أن الكاميرا ليست مجرد آلة بل أداة للخلود ومقاومة الموت. ولا تزال صوره التي تجاوزت الأربعة ملايين مصدر إلهام وتوثيق لا يقدر بثمن، يحتفظ بها الباحثون والمؤرخون حول العالم.
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا وتزداد فيه الصور انتشارًا، يبقى إرث مسلماني دليلًا على أن التصوير الفوتوغرافي فن يحتاج إلى الروح والإبداع والفهم العميق للتاريخ والحضارة.

أجمل ما قيل عن مروان مسلماني:
- “الكاميرا في يدي مروان مسلماني لم تكن مجرد آلة تصوير، بل كانت ريشة فنان يرسم تاريخ حضارة بألوان الزمن.”
- “رحل مروان مسلماني لكنه ترك وراءه صمتًا مزخرفًا بأربعة ملايين صورة تروي قصة سوريا من أعماق التاريخ.”
- “حين يلتقي الفن بالتاريخ في عدسة واحدة، يولد إرث خالد لا ينطفئ نوره مهما تغيرت الأزمنة.”
- “لم يكن التصوير عند مسلماني مجرد حرفة، بل كان لغة تعبير صامتة تحكي حكايا الأجداد بعيون الأجيال.”
- “في كل لقطة من صور مسلماني، تكتب سوريا سيرة ذاتية من الفخار والعراقة، تهدي العالم شهادة على حضارتها الخالدة.”
- “إنه لا يُوثق فقط الآثار، بل يوثق الروح النابضة خلف كل حجر وكل نقش، تلك الروح التي جعلت من سوريا مهد الحضارات.”
- “صور مروان مسلماني ليست صورًا فقط، إنها لوحات تأسر العين وتخاطب القلب والذاكرة.”
- “لقد أدرك مسلماني أن البقاء ليس للأجساد، بل للصور التي تحمل الروح والتاريخ والعاطفة.”
الفنان الفوتوغرافي مروان مسلماني في سطور:
- وُلد في دمشق عام 1935.
- التحق بالمديرية العامة للآثار والمتاحف عام 1958 حتى عام 1995.
- كان مديرًا لقسم التصوير والأرشيف السوري.
- نال وسام الاستحقاق السوري عام 1982 في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.
- أعماله الأثرية والفنية كانت مرجعًا للعاملين والدارسين في مجال التراث والعمارة والفن.
- ساهم عمليًا في المؤتمرات الأثرية والهندسية، فأقام ما يزيد على 14 معرضًا علميًا متخصصًا كان لها صدى واسع في الأوساط العلمية الوطنية والعالمية.
- كان الدكتور مروان من المؤسسين الأوائل لنادي فن التصوير الفوتوغرافي، وأول نقيب للفنانين الضوئيين في سوريا.
- قام بتدريس مادة التصوير الفوتوغرافي لطلاب كلية الآداب قسم الصحافة لمدة عامين.
- كرمته محافظة دمشق لكتابه الهام “البيوت الدمشقية”.
من معارضه البارزة:
- معرض الأختام الأثرية السورية: عُرض في جامعة توبنجن بألمانيا ونال عليه درجة الدكتوراه، واستمر عرضه عامًا كاملًا وكان مرجعًا لطلاب قسم التاريخ بألمانيا.
- معرض المرأة في الآثار السورية: عُرض في كوبنهاغن أثناء انعقاد مؤتمر المرأة العالمي.
- معرض مكتشفات إيبلا: عُرض في دمشق والأردن وروما.
- معرض الآثار الإسلامية: عُرض في إسبانيا واليمن.
- معرض خمسة آلاف عام من فن التماثيل في سوريا: عُرض في دمشق وبرلين.
- معرض الحضارات السورية القديمة: عُرض في الجامعة الأمريكية (الوست هول) عام 1981، وعُرض بدمشق وألمانيا الديمقراطية.
- معرض المخلوقات الأسطورية للنحات السورية سعيد مخلوف: كان عبارة عن دراسات فوتوغرافية لأعمال نحتية أسطورية، عُرض بدمشق وفرنسا في متحف الحضارات بباريس.
- معرض سوريا أرض الحضارات الإنسانية عام 1979: عُرض في لندن (باربيكان سنتر).
- أقام معرضًا علميًا في مدينة لندن تحت عنوان “عين شرقية في لندن”.
- أقام معرضًا حول الآثار والتماثيل البرونزية في موسكو.
- أقام معرضًا تحت عنوان “سوريا أرض الحضارات الإنسانية” عام 1981م في مكتبة الأسد بدمشق.
أعماله الفنية الأثرية:
- عمل مرافقًا للبعثات الأثرية وساهم بتصوير المكتشفات الأثرية.
- عمل مع العالم الفرنسي كلود شيفر الذي اكتشف أوغاريت.
- عمل مع العالم الإيطالي باولو ماتييه في موقع إيبلا لعدة سنوات.
- عمل مع العالم موتفارت في تدمر لعدة سنوات.
- عمل مع العالم هورست كلينغل.
- عمل مع العالم الأثري الشهير كريزويل، عالم الآثار الإسلامية.
- عمل مع العالم الفرنسي أندريه بارو في موقع ماري لعدة سنوات.
خاتمة: إرث لا يُمحى
رحيل الدكتور مروان مسلماني لم يكن نهاية لقصة فنان، بل كان بداية لفصل خالد من إرث بصري وإنساني سيظل شاهدًا على عبقرية سوريا وحضارتها. فقد ترك خلفه ثروة من الصور التي توثق ليس فقط الآثار، بل الروح التي كانت تنبض خلف كل حجر ونقش. سيبقى مسلماني علامة فارقة في تاريخ التصوير الضوئي السوري والعالمي، ومصدر إلهام للأجيال القادمة التي ستتعلم كيف تُحول الكاميرا إلى أداة خالدة تُحافظ على جوهر الزمن. وفي ذكرى هذا العملاق، نؤكد أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يستمر في أن يُروى عبر صور تحكي التاريخ بعيون من أحب وطنه وأبدع فيه.
فنان فوتوغرافي وباحث في الجماليات
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي