الرئيسية / الأعداد / كيكاكو، التلميذ المشاكس – حسني التهامي

كيكاكو، التلميذ المشاكس – حسني التهامي

نافذة على الهايكـــــــــــو

 كيكاكو، التلميذ المشاكس

حسني التهامي*

يشغل اسم كيكاكو (1661–1707) مكانة بارزة في عالم الهايكو الياباني الكلاسيكي، بوصفه أحد ألمع شعراء الهايكاي في أواخر القرن السابع عشر، وتلميذًا مقرّبًا من ماتسو باشو (1644–1694). اسمه الكامل تاهارا كيكاكو (Tahara Kikaku)، وقد نشأ خلال فترة إيدو، التي تميزت بازدهار ثقافي وتحولات نوعية في بنية الفن والشعر. انضم مبكرًا إلى حلقة باشو الشعرية، وسرعان ما لفت الانتباه بحسّه اللغوي الحاد وولعه بالتجريب. وبرغم تأثره العميق بأستاذه، أفصح عن ميول فنية مغايرة، تمزج بين الحذق اللفظي، والمفارقة الساخرة، والنفَس الشعبي المتشبّع بتفاصيل الحياة اليومية، لا سيما المضحكة والعابرة منها.

تأثّر كيكاكو كثيرًا بمعلمه باشو، واستقى من رؤاه الجمالية عناصر أساسية شكّلت نواة تجربته، مثل الـ”سابي” (الحزن النبيل)، واليوغن (الغموض الموحِي)، والكارومي (الخفة العميقة). لكنه، بطبيعته المتمرّدة، سرعان ما اتجه إلى بناء رؤية شعرية أكثر تحرّرًا، تمزج بين المزاح الرصين والتأمل، والسخرية. بهذا المزاج الجمالي المختلف، وسّع كيكاكو آفاق الهايكو، وحرّره من الجديّة الصارمة، جاعلًا منه حقلًا مفتوحًا للدهشة واقتناص المفارقات البسيطة واللامتوقّعة من مشاهد الحياة اليومية.

مثّل ظهور كيكاكو امتدادًا نقديًا لمسار باشو، لا قطيعة معه؛ فقد حافظ على بنية الهايكو الثلاثية وإيقاعه التقليدي (5-7-5)، مع التزامه بعنصر الكيغو الموسمي. غير أن منهجه انحرف عن التأمل الجاد الذي طبع هايكو باشو، لينحاز إلى نبض الحياة اليومية بما فيها من طرافة وتناقضات. جاءت لغته مشبّعة بالإيحاء والمفارقة اللفظية، تنفتح على تفاصيل الواقع الهشّ، وتعيد تشكيله عبر منظور ساخر لا يخلو من ذكاء وعمق.

البنية الجمالية في شعر كيكاكو

تقوم البنية الجمالية في شعر كيكاكو على مفارقة مزدوجة: فهو – كما يبدو في ظاهر نصوصه – شاعر هزلي تتّسم قصائده بروح الدعابة، غير أن كتاباته تكشف عن عقلية شاعر واعٍ، يستبطن نقدًا للواقع من خلف قناع الطرافة. لم يكن الهزل في تجربته غايةً في ذاته، بل أداة لتفكيك الانفعالات، وتخفيف وطأة الواقع، وربما مراوغة شعورية تجاه الألم والفقد، دون أن يقع في فخّ الابتذال أو السطحية.

يُشكّل الهايكو التالي لكيكاكو

الربيع في إيدو،

لا يمرّ يوم دون أن يُباع

جرس معبد

 

Springtime in Edo,

Not a day passes without

a temple bell sold[1]

أنموذجًا فريدًا لقدرة كيكاكو على التقاط تفاصيل الحياة الحضرية بزخمها اليومي، دون أن يفقد حسّ المفارقة أو روح التأمل. فبينما يُحتفى بالربيع عادةً كرمزٍ للصفاء والبدايات الجديدة، يقدّمه كيكاكو عبر مشهدٍ ساخر لبيع أجراس المعابد، في صورةٍ تنطوي على دلالة رمزية لاختلاط المقدّس بالدنيوي، والبساطة بالتهكم الخفيف. يكشف هذا النصّ عن نزوع كيكاكو إلى تجاوز النفس الجاد والتأملي الذي وسم هايكو باشو، ليقدّم بديلًا أكثر تحررًا وحيوية، وأكثر التصاقًا بنبض الحياة اليومية ومفارقاتها الطريفة.

في المقابل، يعكس هايكو باشو الشهير:

بركة قديمة ساكنة

ضفدع يقفز ،

صوت الماء[2]

 

An old pond —

a frog jumps in,

the sound of water.

– Matsuo Basho

روحٌ تأملية تستنطق الصمت والحركة في آنٍ واحد، من دون مفارقة ظاهرة أو تعليق ساخر. إنه هايكو لا يعلّق على العالم، بل يستبطنه، ويتوغّل في الحضور الزمني العابر باعتباره سبيلًا لاقتناص اللحظة الجمالية الخفيّة العابرة. من هنا، يتّضح أن كيكاكو انفتح على بُعد جديد أضفى مغايرة على تجربة معلمه؛ إذ مزج بين السخرية والتفاصيل العابرة، ومنح المدينة حضورًا شعريًا لم يكن بارزًا في تجربة باشو. وبهذا أسهم في توسيع أفق الهايكو ليشمل الواقع الصاخب والمفارقة الخفيفة، دون أن يُفقد الشعر خفّته أو يحرمه عمقه.

يميل كيكاكو إلى توظيف اللغة اليومية بكثافة لافتة، فتبدو القصيدة كما لو أنها التُقطت من فم العامة لا من معجم الشعراء. غير أن هذه البساطة الظاهرة لا تُخفي براعة شاعرٍ محنّك، يجيد التلاعب بالألفاظ والإيقاع وتراكب الدلالات. يعتمد في تشكيل نصّه على أدوات مثل التشخيص، والتورية، والمفارقة القائمة على المقابلة بين ما هو روحيّ أو تأمليّ، وما هو دنيويّ أو عابر من تفاصيل الحياة اليومية، ليخلق توترًا جماليًا يرتكز على الإدهاش والضحك، بوصفهما أفقًا تعبيريًا موازيًا للتأمل.

يُعدّ الحوار الشهير بين باشو وتلميذه كيكاكو حول قصة اليعسوب من أكثر اللحظات تداولًا في تاريخ الهايكو الكلاسيكي، لما يكشفه من اختلاف جوهري في الرؤية الجمالية بين المعلم وتلميذه، لما يكشفه من تباين جوهري بين رؤيتين متناقضتين للشعر:

قال التلميذ مازحًا:

يعسوبٌ مُندفع…

 انزع جناحيه اللامعين وانظر…

قرون الفلفل الأحمر الزاهية!

فارتاع الناسك ذو الحسّ المرهف، وقال: لا… ليس هذا هو الشعر، فأجابه التلميذ بدهشة: “إذن، ما هو الشعر؟”

فابتسم باشو، قائلا: — “الشعر أن تقول:

أضف جناحين

 إلى قرن فلفل أخضر،

وستحظى بيعسوب.” [3]

لم يكن ما قام به باشو مجرّد تعديل لغوي على نص ساخر، بل بيانًا جماليًا وأخلاقيًا موجزًا لماهية الشعر كما فهمه: فالشعر، عنده، ليس تلاعبًا لفظيًا أو تفنّنًا في بناء المفارقات، بل قوة خلاقة تُعيد وصل الأشياء بجوهرها، وتمنح حتى الجمادات روحا مفعمة بالحياة، من خلال رؤية تأملية منحازة للعالم. كان باشو دائما ما يدعو تلاميذه إلى تأمل التفاصيل الكونية: “تعلّموا من الصنوبر عن الصنوبر، ومن الخيزران عن الخيزران  “. [4]

ومن اللافت أن كيكاكو ظلّ، بعد وفاة باشو، وفيًّا لأستاذه إلى حدّ بعيد؛ فقد حرص على صون إرثه الشعري، وساهم في جمع بعض أعماله ونشرها، كما واظب على نقل تعاليمه داخل حلقات الهايكو. ومع ذلك، لم يتردّد في الحفاظ على نبرته الخاصة، ولم ينكر على نفسه الحق في الانحراف الجمالي عن نهج معلمه. ولهذا السبب، غالبًا ما صوّره النقّاد كتلميذٍ متمرّد، أو وريثٍ يرفض أن يعيش في جلباب أبيه.

 

يتبع

المراجع الأجنبية:

 1-Beilenson, Peter, translator. A Little Treasury of Haiku. New York: Random House Value Publishing, 1988.

2-Kikaku, T. (2006). Springtime in Edo: A Commemorative Anthology on the 300th Anniversary of Kikaku’s Death (N. Yuasa et al., Eds.). Keisuisha Publishing.

3-Kikaku, T. (1661–1707), & Bashō, M. (1644–1694). (c. 17th century). Haikai Dialogue on the Dragonfly and Red Pepper. Cited in: Blyth, R. H. (1963). A History of Haiku, Vol. I. Tokyo: Hokuseido; also cited in: Ueda, M. (1982). Matsuo Bashō. Tokyo: Kodansha International.

4-Trumbull, Charles. James W. Hackett’s Life in Haiku. Juxta, The Haiku Foundation, USA, 2015.

5-Ueda, Makoto. Matsuo Bashō and the Poetic Tradition. Princeton University Press, 1970.

[1] -Kikaku, T. (2006 (N. Yuasa et al., Eds., pp. 3–9

[2] – Bashō, Matsuo. The Narrow Road to the Deep North and Other Travel Sketches. p. 11

[3] -Kikaku, T. (1661–1707), & Bashō, M. (1644–1694). (c. 17th century) Ueda, Makoto. 153

(يُذكر هذا الحوار في: R. H. Blyth, A History of Haiku, Vol. I, p. 132؛ وأيضًا في: Makoto Ueda, Matsuo Bashō, p. xxx)

[4] Charles Trumbull, James W. Hackett’s Life in Haiku, Juxta, P.79.

ناقد من مصر

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً