الرئيسية / الأعداد / انهزام التربية في عتمة الدلال، وظلمة القسوة بلا اعتدال – حسام الدين أبو صالحة.

انهزام التربية في عتمة الدلال، وظلمة القسوة بلا اعتدال – حسام الدين أبو صالحة.

انهزام التربية في عتمة الدلال، وظلمة القسوة بلا اعتدال.

حسام الدين أبو صالحة*

 

في دروب الحياة، كم من شجرة طيبة أثمرت فرعا سيئا؟ وكم من ثمرة شهية، التصقت بها ثمرة خبيثة؟ وكم من نهر صاف، انحدر منه جدول عكر؛ لا يروي، ولا يرجى منه، ولا به خير؟ ؛ إذ ليس كل فجر يولد عن فجر؛ بل يبزغ الإصباح  بعد عتمة الليل، ولا كل صلاح يورث، كما تورث الأرض والدور؛ فقد يعقب الصالح طالحا؛ فكم من أب مستقيم، سهر الليالي تربية، ودعاء، وإنفاقا؟ ، فإذا بولده يخرج عن نهجه، ويتمرد على دربه، وينكر المعروف، ويهدم بيده كل صرح له مألوف؛ فيمحو بعزمه كل قيمة بناها، ويقتلع بكفه كل نبتة غرسها، وأنماها، فما أكثر الآباء الذين ظنوا أن حسن نيتهم يشفع لتقصيرهم !، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد ، لقد اعتقدوا أن صلاحهم كاف بسخاء ؛ ليكون الأبناء امتدادا مستقيما لهم، دون عناء؛ فغفلوا عن أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، وأن النفس ميالة للغي، إن لم تقوم، والعقل ضال، إن لم يوجه، والطفل مهما بدا بريئا، قد يحمل في داخله بذور التمرد، ونواة العصيان إن لم تغرس فيه القيم غرسا، وتسق به الأخلاق بالقدوة، وتحاط بالرعاية الطيبة، وتصان بالحزم مع الرحمة، وتثمر بالشدة مع الشفقة.

لا زلت أتذكر ذاك المشهد الواقعي، والحوار البليغ الندي، الذي قصه القرآن الكريم على أسماعنا؛ لي لخص لنا ما نريد قوله، وما نرغب سوقه، في قوله تعالى: “فَانطَلَقَا حتى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ، قَالَ: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا” (الكهف: ٧٤) حين انطلق موسى، والخضر ــ عليهما السلام ــ للمرة الثانية، بعد خروجهما من السفينة، وقبول الخضر اعتذار موسى، وهما يمشيان على الساحل؛ حتى إذا لقيا غلاما في طريقهما، يلعب مع الغلمان، فما كان من الخضر إلا أن أخذه؛ فقتله!، وهنا، لم يستطع موسى ــ عليه السلام ــ أن يصبر على ما رأى، أو يكظم غيظه؛ فأخذته الحمية الدينية؛ حين قتل الخضر غلاما صغيرا لم يذنب؛ فقال باستنكار، وغضب: “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً؟” أي: طاهرة، بريئة من الذنوب، “بِغَيْرِ نَفْسٍ” أي: دون أن تقتل نفسا أخرى؛ “لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا”، أي: منكرا عظيما!

لم يع سيدنا موسى ــ عليه السلام ــ حقيقة الأمر؛ فما بدا له هو ظاهره، لا باطنه، وهو الجرم الكبير بقتل نفس طفل بريء من الآثام، بغير ذنب! إنه لأمر منكر، وكما لم يع سيدنا موسى ــ عليه السلام ــ باطن الأمر، وحكمته؛ بكون الطفل قد طبع كافرا، ولو عاش؛ لأرهق والديه طغيانا وكفرا؛ حتى أخبره الخضر بذلك، كذلك الأبوان لم يعرفا ــ حتى ماتا ــ الحكمة من قتل الخضر لابنهما الفاسد، وأن الله ــ تعالى ــ قد أبدلهما خيرا منه إيمانا، ورحمة؛ فنجاهما ــ سبحانه ــ من الطغيان، والكفر؛ بقتله، وماتا، وهما على يقين؛ بصلاحه الواهي، رغم أنه طبع كافرا، ولو عاش؛ لأدركتهما الدواهي! فقد كان الغلام قرة عين لأبويه، وكان ظريفا، ووضيئا، حسن الوجه؛ حيث ماتا، وهما على يقين بصلاح حال هذا الغلام الفاسد، وأن من قتله؛ قد ظلمه، وهدم حياته؛ بإزهاق روحه!، إذ لم يدركا المغزى من قتله، فمن رأى قتله، وشاهده بعيني رأسه، هو سيدنا موسى ــ عليه السلام ــ قد استنكر هذا الفعل، واستشنعه في حينه، قبل أن يخبره الخضر بما لم يحط به خبرا، وما لم يستطع عليه صبرا.

فيا لشدة تعلق قلب الأبوين كليهما بابنهما، رغم فساد حاله، وانحراف فعاله! ويا لانغلاق قلبيهما على تدليله، وإطلاق العنان له، بفعل ما يشتهي، والمضي فيما يريد وينوي، حتى لو كان على حساب إرهاقهما طغيانا، وكفرا!

يا لغياب عقليهما عن الرشاد، فيما يقوله الابن الضال، وما يرتكبه من سوء الفعال، دون تقريع، أو مجازاة بعقاب، لما ارتكبه بالسداد!

إن الوالدين لم يبصرا إلا بعين الابن القاصرة، عن إدراك النور من الظلمة، والضياء من العتمة، ولم يستمعا إلا بأذنه الصماء، عن الحق، النائية عن التفوه بالصدق.

فالأبوان، رغم شدة صلاحهما، وعظم شأنهما ــ فقد كان الأب من عظماء إحدى القريتين، والأم من عظماء القرية الأخرى ــ إلا أن الابن كان قاطعا للطريق بينهما!، فالابن، رغم شدة فساده، وكثرة اعوجاجه؛ لم يكترث بصلاح والديه، ولا بالمصائب التي يسوقها لهما بيديه.

إن كثيرا من الآباء يخدعون بحقيقة أبنائهم المرة، ولا يرونهم إلا بأعين أبت إلا أن ترى محاسنهم وإن نأت بالمرة؛ فقد عاهدت نفسها أبدا بغض الطرف عن مساوئهم المستقرة، وقد صدقت حكمة القائل: «مرآة الحب عمياء»؛ إذ لم يعتد الأبوان سوى سماع صوت ولدهما الفاسد، حين يحلف لهما أنه لم يقطع طريقا، ولم يسرق متاع أحد، ولم يفسد؛ فيحلف كذبا، وزورا، وبهتانا، فيصدقانه؛ لشدة ثقتهما فيه، وكثرة تعلقهما به بل، ويحميانه ممن يطلبه!

ليس عيبا أن ندلل أطفالنا؛ ولكن الدلال ليس على حساب احترام الآخرين، والانتقاص من قدرهم، والحط من شأنهم، وإهمال أمرهم.

ليس صلاح الوالدين شرطا جازما لصلاح الولد؛ فقد كان ولد سيدنا نوح ــ عليه السلام ــ كافرا.

إن تقديرك لولدك، هو أن تجعله كبيرا في أعين الآخرين، لا في عينك وحدها؛ فإن عينك قد تقصر عن الإبصار، وقد تحيد أحيانا؛ فتدعي للنور إنكارا!

ليس عيب أن نجعل من أطفالنا سادة، ونحلم بهم قادة؛ لكن بحد الاعتدال، دون إفراط مخل، أو تفريط مذل؛ فإن الطامة الكبرى، هي كثرة نفخ ذات الابن من الوالدين؛ حتى تتضخم شخصيته عن المعتاد، ثم تنفجر أولا فيهما.

كم من ابن كان وبالا على آبائه، وانتكاسة لهم بأعبائه؟ وكم من ذرية ظن أهلها أنهم سيحفظون حسن ذكراهم، ويعلون قواعد بناهم، ويسطرون مآثرهم، ويدونون محاسنهم؛ فإذا بهم معول هدمهم، وممحاة أثرهم، فلا يذكرهم الناس إلا بسوء أبنائهم، وشناعة فعالهم، رغم صلاح الآباء، وسيرتهم الحسنة، ونواياهم الطيبة؛ فهذا ما جنته أيديهم؛ إذ السبب الأهم، والعامل الأعم: هو الثقة المفرطة في كل ما يقولون، ولو كذبا، وكل ما يفعلون، ولو نكرا؛ والتدليل الزائد، المفضي إلى الاعتلال، والرفاهية الزائدة عن قدر الاعتدال.

إن العامل الأقوى في فساد تلك الذرية، يكمن في: الإفراط في محبتهم دون تعقل، وفي تصديقهم دون مراجعة للنفس، فيما يظهر عليهم من ريبة، وشك بسوء تصرف، دون تمهل، وفي إرخاء الحبل على غاربه؛ فلا يرون الدنيا إلا بأعينهم الخادعة، ولا ينطقون إلا بألسنتهم الكاذبة، فإجابة مطالبهم على الفور، وتذليل كافة الإمكانات لهم ــ ماديا، أو معنويا ــ ؛ لعين الجور، وأحلامهم التي تتحقق رهن الإشارة في الوقت الذي يقتصر فيه تقويمهم على جانب وحيد من الثواب، دون عقاب على تقصير، أو تجاوز، أو استهانة، أو إساءة، فجانب العقاب، أو اللوم، لا يعرف لهم باب، ولا يعهد لهم طريق؛ إذ التقويم أعرج، يسير على قدم وحيدة، وأعور، لا يرى إلا بعين فريدة، ويد واحدة تطبطب، دون الأخرى التي تحزم حين الإساءة؛ فتضرب، ويكأن هذا ما جناه أبي علي، وما جنيت على أحد، ويصدق هذا مقولة الفاروق لأب شكا له عقوق ابنه؛ فلما جاء الفاروق بالابن، سائلا إياه، تبين له أن الوالد هو من عق ابنه قبل عقوقه إياه؛ حيث قال له: “يا أمير المؤمنين”، متسائلا: “أليس للابن حق على والده؟” قال له: “نعم، إن من حق الابن على أبيه أن يحسن اختيار أمه، واسمه، ويحفظه شيئا من كتاب الله”، فقال له الغلام: “لم يفعل لي شيئا من هذا؛ فلم يحسن اختيار أمي؛ حيث كانت زنجية لمجوسي، وسماني (جعلا)، أي: خنفساء، ولم يحفظني حرفا من القرآن”. فقال الفاروق للوالد: “لقد أسأت إليه قبل إساءته لك، وعققته قبل أن يعقك”.

تذكروا، أيها الآباء، أن أبناءكم أمانة بين أيديكم؛ فلا تهملوا فيها، وأنكم مسؤولون عنها؛ فأحسنوا إليها، ولا تفرطوا في تدليلهم، والإسراف في تأمين رفاهة حياتهم، وإياكم، وغلظة القلب، وقساوة الطبع؛ فإنهما أدعى للمعاندة، وإنتاج الهم، وانتثار الغم؛ فما وضع الرفق في أمر إلا زانه، وما نزع منه إلا شانه.؛ حتى لا ينقلبوا خائبين، ويصيروا من الخاسرين.

يا أيها الآباء، لا تجعلوا صلاحكم ستارا لغفلتكم، ولا محبتكم غطاء لتقصيركم، ووازنوا بين الحنان والتقويم؛ فإنكم لا تسألون عن صلاح أنفسكم فحسب، بل عن الأمانة التي بين أيديكم: أمانة الأبناء، التي لا تؤدى إلا بالعدل، ولا تحفظ إلا بالوعي، ولا تنمو إلا بالبصيرة، ولا تثمر إلا بالموازنة بين الثواب والعقاب، بين الشدة والرحمة، بين العزم، والتروي، بين القوة، والشفقة، بين اللين، والتقويم؛ فلكل مقام مقال، ومراعاة المقام لمقتضى الحال؛ لمن نجاح المآل، فالشدة مع الرحمة أنجع، والقوة بدون قسوة أردع، واللين في غير ضعف أنصع، والعزم مع بعض التروي أنفع؛ فحين تنهزم التربية في عتمة الدلال، وظلمة القسوة بلا اعتدال؛ عندئذ لا يجدي عمل، ولا يصلح مقال.

 

كاتب من مصر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً