لعنة أب

عمر سامي*
بعد وفاته بيومين، بدأ كل شيء.
كان أبي قاسيًا جدًا معنا، أنا وإخوتي الثلاثة؛ يضربنا باستمرار لأقل الأخطاء، ويوجّه إلينا الإهانات أمام الناس، ولم يكن يهمه إحراجنا أو إحراج نفسه. عانت أمي هذا المصير حتى قبل ولادتنا إلى هذا العالم، لكنه الآن قد توفي، وظننا أن ذلك هو النهاية. ولكن هنا بدأت معاناتنا.
لا أعلم بالضبط ما الذي حصل في البيت بعد رحيله!
بدأ أخي الكبير عادل محاولاته للسيطرة على “الوضع الراهن”، الفوضوي كما وصفه بعد وفاة أبينا.
لم يكن عادل شخصًا حازمًا، بل كان عطوفًا وهادئًا، ولكنه – رويدًا رويدًا – بدأ يثور من أقل كلمة، ويحاول أن يتقمّص شخصية الأب القاسي. كان يصفنا بالانحلال في كل لحظة غضب.
لا أنسى شجاراته اليومية مع أمي، أما صفاء، أخي الأوسط، فقد كان يهرب في كل مرة إلى أصدقاء لم نكن نعرف عنهم شيئًا.
بيتنا لم تكن هناك كلمة تصفه؛ إنه أشبه بخرابةٍ كونكريتية، خالية من أي نبضٍ للحياة، إلا منا نحن، وبعض القوارض غير اللطيفة التي دعت معها الحشرات لتضيق علينا الحال، وتملأ الجو بطنينها المتعاقب الذي لا يتوقف. صُدمتُ في البداية من سوء الحال. تمنيت عودة أبي؛ فرغم قسوته، لم تكن هذه الكآبة القاتمة والحزن الثقيل يدخلان إلى البيت، بل كان الخوف من الغد هو السائد. كانت أمي تنام وهي تبكي؛ لقد ضيّعت عمرها مع رجل لم يقدّرها، وقبل رحيله، ترك شذرات من روحه داخل كل واحد منا.
أعلنتها صراحةً:
“أنتم تُشبهونه… أنتم مثله”. وصوتها يعلن نحيبها المكتوم، ثم ينهار ويتحوّل إلى بكاء حارق؛ لأجل عمر ضائع، ومستقبل يسير في الاتجاه نفسه. رأيتُ، خلال عمري الذي سأقضيه في تقصّي آلامي قدمًا بقدم، نساءً كثيراتٍ يذبُلن بفعل الزمن والخيبات المتلاحقة.
إنها تسعى للتنفس ولكنها لا تستطيع؛ فالبشر لا يعيشون دون هواء، والمرأة هواؤها هو الحب.
تخيّلوا! لا أعلم كيف، ولكن الهواء الذي يدخل رئتي النساء هو الحب… نعم، أؤكّد ذلك. وكم خذلهن هذا الأخير! لقد خُذلن حدّ الجنون، ومع ذلك ما زلن مستمرات. نحن -الرجال- كنا سنجنّ لو تعرضنا لبعض ذلك الخذلان؛ كتبنا الملاحم المأساوية من أجل عشيقة صبا أو رفيقة لم تفكر بنا يومًا، أما النساء فقد خُذلن من الوعود التي بدت راسخة، فأصبحت رمادًا تذروه الرياح.
ها هي أمي… خذلها زوجها مرة بقسوته، وألف مرة بنا نحن الذين تهشّمنا على صخرة هذه القسوة.
بدأت علامات الحزن تظهر عليها، وفي تلك الأثناء بدأت إحدى جاراتنا بالتقرّب منها؛ ففرحتُ، لأنها بدأت تستعيد حيويتها. وبعد أسابيع، بدأت طباعها تتغير، صارت كثيرة الشرود، تبقى ساعات في غرفتها، وعند خروجها مع جارتنا كانت تمكث وقتًا طويلًا. حتى أخي عادل لاحظ ذلك، ونبّهها بصوته العالي الذي اعتدناه، فأطاعته بنظرتها المرتعبة، كما كانت تفعل مع أبي سابقًا، لكنها كانت تخالفه عندما يذهب إلى عمله.
وفي يومٍ ما، كان الجو يغلي من القيظ، والساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا،
عاد أخي عادل إلى المنزل، وكانت أمي موجودة، فبدأ بالصراخ والعويل. الذي فهمناه من كلامه أنه سمع أحدهم يتحدث عن أمّنا بسوء، وأنها امرأة “تبيع نفسها” مع تلك الجارة. لقد ضربها عادل – لأول مرة – في حياته. وعندما حاولتُ الدفاع عنها وإيقافه، ضربني معها.
كان قاسيًا، تحوّل للحظة إلى أبي في قسوته، وراودتني هذه الفكرة في تلك اللحظة – لأول مرة –
هل أبي مات وأورث لعنته؟
جلسنا نبكي، أنا وأمي، ذلك النهار حتى حلول الغروب. ومنذ ذلك اليوم، وعند أذان المغرب في المسجد القريب، كنّا نشعر بالوحشة والألم. فراغ لا يمكن وصفه، العالم يضيق، والهواء يضيق، وثيابي… وجلدي… كل شيء بدا بثقل لا يُحتمل. صفاء، أخي الأوسط، أخذته الحياة عنّا. لم نعد نراه كثيرًا؛ يأتي ويرحل كالشبح، يتكوّر على نفسه، يخرج صباحًا ويعود بعد العشاء بقليل. لا يأكل في البيت. عايرني أحدهم في المدرسة يومًا، قال: “أخو صفاء الحلو”، لم أفهم الجملة وقتها، لكنني فهمتها بعد زمنٍ لا يُمكن العودة منه. مع مرور الزمن، اختفى صفاء من المشهد اليومي. الشيء الوحيد الذي لم أفهمه هو: لماذا لم يكن عادل يسأل عنه أو يبحث؟!
وبعد مدة، عادت والدتي للخروج دون علم عادل.
أما أنا، فبدأت أنطوي على نفسي أكثر فأكثر، تمرّ أيام متتالية لا أخرج فيها من المنزل إطلاقًا.
توحدت مع هذا الخراب الذي انعكس من داخلنا، مشكّلًا صورة البيت. مرّ على ذلك أشهر لم أعدّها، وكان صفاء قد اختفى لأسابيع. ثم، حدث ما لم يكن بالحسبان. جاء عادل في أحد الصباحات، وكان قد استجوبني قبل أيام.
حاولتُ قدر الإمكان إخفاء غياب أمي عنه؛ فهو كان يريدني جاسوسًا عليها عند خروجه للعمل.
كذبتُ مرارًا بأنها لا تخرج مع جارتنا، وفي أحيان قلتُ إنها لا تخرج من المنزل إطلاقًا.
لكن في ذلك الصباح جاء متأكدًا من غيابها، وبدأ يذرع الحوش جيئةً وذهابًا حتى عودتها. صرخ بها عند الباب، وباشر بلكمها وقبضته مغلقة.
كنت قد هرعتُ إليها، لكنه ركلني وضربني على رأسي بقبضته، فسقطتُ. ظهر الجنون عليه، وفهمتُ لاحقًا أن شيطانًا قد همس في أذنه بأنها ترافق شابًا بعمره، عرفته عن طريق تلك الجارة الملعونة. بعد أن شبع من ضرب أمي، كانت شبه فاقدة للوعي. لكن ما كان أكثر إيلامًا لها هو كلماته. وصفها بالعاهرة، وبصق عليها… وعليّ… وخرج ولم يعد. عند المساء، سمعنا صراخًا في الشارع المقابل لنا، لم نهتم في البداية، حتى طرقت يد أحدهم بابنا بجنون، لقد جلبوه مضرجًا بالدماء، ويبكي كطفل صغير.
فهمتُ من الذين جلبوه إلى المنزل أنه هاجم الشاب الذي تشير الألسن إلى مرافقته لأمّنا.
قال لي أحد الحاضرين بعد الحادثة: “أخوك كان يحمل ساطورًا، لكنه – ولقلة خبرته – عندما سحبه باتجاههم، التفوا حوله، وضربوا يده فسقط الساطور، ثم اجتمعوا عليه ضربًا وسبابًا. ولولا تدخل الناس لتفريقهم عنه، لكانوا قتلوه”.
كان رأسه ينزف دمًا، فقد ضربوه بأحجار الطريق، وسبّوه بأمنا، واتهموه بعدم الرجولة. بعد هذه الحادثة، تغيّر عادل كثيرًا. أصبح انطوائيًا، ترك العمل، وأصبح معروفًا بين الناس بالاختلال. أمي قطعت علاقتها بجارتنا بعد ما حدث لعادل، وبدأت تهتم به.
في البداية كان يشمئز منها، ومع الوقت أيقن أنها شريكته في المأساة؛ فقد وزّع ذلك الأب القاسي علينا اللعنة. كلٌّ منّا أخذ جزءًا منها أثقل روحه. تركتُ الدراسة بعدها واتجهتُ إلى العمل. لم يكن قبر أبي في الأرض، بل كان داخل كلّ فردٍ منّا.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي