الرئيسية / الأعداد / ذات أغسطس خوسي إميليو باشيكو (المكسيك) 1963 – ترجمة عبد اللطيف شهيد

ذات أغسطس خوسي إميليو باشيكو (المكسيك) 1963 – ترجمة عبد اللطيف شهيد

ذات أغسطس خوسي إميليو باشيكو1 (المكسيك) 1963   

ترجمة عبد اللطيف شهيد2

 

إهداء إلى روح مانويل ميشيل3

لن تنسَ تلك الأمسية من أغسطس أبدًا. كنتَ تبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، على وشك إنهاء المرحلة الثانوية. لا تتذكَّر والدك، الذي توفي بعد فترة قصيرة من ولادتك. كانت والدتُك تعمل في وكالة سفر. كل يوم، من الاثنين إلى الجمعة، كانت توقظُك في السادسة والنصف صباحًا. كان وراءك حلم معارك على شاطئ البحر، وهجمات على حصون الغابة، وعملية إنزال على أراضٍ معادية. وحلَّ يوم كان لا بد أن تعيشه، أن تكبر فيه، أن تودِّع الطفولة. في المساء، كانوا يشاهدون التلفاز، دون أن يتحدثوا بينهم. ثم كنتَ تحبس نفسك لتقرأ روايات سلسلة إسبانية، “مجموعة بازوكا”، حكايات عن الحرب العالمية الثانية كانت تمجِّد المعارك وتسمح لك بالدخول إلى العالم البطولي الذي كنت تودُّ أن تعيشه.

كان عمل والدتك يُجبرُك على تناول الطعام في منزل أخيها. كان شخصًا جامد الطباع، لا يُظهر لك أي مودة، وكان يطلب كل شهر دفع ثمن إعاشتك في موعده المحدد. لكن كل ذلك كان يعوضه وجود جوليا، ابنة خالك التي استعصى عليك الوصول إليها. كانت جوليا تدرس العلوم الكيميائية، وكانت الوحيدة التي تمنحك مكانًا في هذا العالم، ليس بدافع الحب كما ظننت حينها، بل بدافع الشفقة التي كانت تثيرها حالة الدخيل، اليتيم، الذي لا يملك حقًا في أي شيء.

كانت جوليا تساعدُك على الواجبات المدرسية، وتسمحُ لك بالاستماع إلى أسطواناتها، تلك الموسيقى التي لا تستطيع اليوم سماعها، دون أن تتذكَّرها. في إحدى الليالي، أخذتكَ إلى السينما، ثم قدَّمتكَ إلى حبيبها، أول من استطاع زيارتَها في منزلها. منذ ذلك الحين، أصبحتَ تكرَه بيدرو. كان زميل جوليا في الجامعة، يرتدي ملابس أنيقة، ويتحدث مع عائلتك على قدر المساواة. كنتَ تهابَه، وكنت متأكدًا أنه عندما يكون وحيدًا مع جوليا يسخر منك ومن قصصك الحربية التي تحملها معك إلى كل مكان. كان يُزعجُه أن تثير شفقة ابنة خالك، وكان يعتبرُك شاهدًا مُزعجًا، عائقًا، وبالطبع لم يكن يومًا يراك نِدًّا له.

في ذلك العصر من أغسطس، أتمَّت جوليا عامها العشرين. بعد انتهاء الغداء، سألها بيدرو إن كانت ترغب في التنزه بسيارته حول أطراف المدينة. أمركَ خالك: “اذهب معهم”، بينما كنتَ جالسًا في المقعد الخلفي، أبهرك ضوء الشمس وأحرقتك الغيرة. كانت جوليا تستند برأسها على كتف بيدرو الذي كان يقود بيد واحدة محتضِنها. كانت أغنية من ذلك الزمن ترسِل نغماتها من خلال الراديو، وكان المساء يتسللُ إلى على مدينة الحجر والتراب. رأيتَ البيوت الأخيرة، والثكنات، والمقابر تتلاشى عبر النافذة. ثم (شرعت جوليا في تقبيل بيدرو، حينها، تواريتَ عن الوجود، غارقًا في المقعد الخلفي) ظهرَت الغابة، الجبل، والصنوبر المخترَق بضوء الشمس أمام عينيك كما لو أنها تحجب عنك الرؤيا لتمنعك من البكاء.

أوقف بيدرو سيارته من نوع الفورد أمام دير مهدم. نزلوا وساروا عبر الممرات المليئة بالطحالب والأصداء. اقتربوا من السلم المؤدي إلى قبو مظلم. تحدثوا، تهامسوا، وأنصتوا إلى أصواتهم تتردد في جدران كنيسة، حيث كانت الحجارة تنقل الأصوات من زاوية إلى أخرى. نظرتَ إلى الحديقة، والغابة الرطبة، والنباتات الجبلية العالية. شعرتَ أنك لم تعد اليتيم، الدخيل، أو ابن الخالة الفقير الذي كان يواجه صعوبة في المدرسة، ويعيش في مبنى قبيح في مستعمرة إسكندون، بل شعرت أنك بطل من دونكيرك، نارفيك، طبرق، ميدواي، ستالينغراد، العلمين، الإنزال في نورماندي، وارسو، مونتي كاسينو، والأردين. شعرت أنك قائد في “الفيلق الإفريقي”، أو ضابط من سلاح الفرسان البولندي في هجوم بطولي وانتحاري ضد الدبابات النازية. روميل، مونتغمري، فون روندستيدت، زوكوف. لم تكن تفكر في الخيِّر والشرّير، في الضحايا والجلاّدين. كان المعيار الوحيد بالنسبة لك هو الشجاعة أمام الخطر والانتصار على العدو. في تلك اللحظة، كنتَ بطل مجموعة “بازوكا”، المقاتل القادر على كل عمل حربي، لأن هناك امرأة ستحتفل ببطولتك وانتصارك سيتردد مدى الدهر.

انقشعت سحابة الحزن، وانبثق الفرح من أعماقك كفجرٍ باغتَ ليلًا طويلاً. اندفعتَ تركض، تتجاوز الشجيرات والأسوار بخفة، بينما كان بيدرو يطبع قُبلة على شفتي جوليا ويطوّق خصرها بذراعيه.

نَزلا نحو مكان حيث الغابة تنبثق كحلم عند ضفاف جدولٍ بارد المياه، تتماوج فوقه لافتَةٌ تُحذر من قطف الأزهار أو إيذاء الكائنات.

هنالك، أبصرَت جوليا سنجابًا على قمة صنوبرة باسقة، فتمتمت بنبرة طفولية:

— ليتني أستطيع أخذه معي إلى المنزل.

فأجابها بيدرو:

— السناجب لا تُروَّض، ومن يحاول ذلك سيجد الحُرّاس له بالمرصاد.

عندها، ودون تروٍّ، صِحتَ من الحماسة:

— سأمسكه أنا.

وتسَلَّقتَ الشجرة، قبل أن تتفوّه جوليا بـعبارة “لا”.

كانت أصابعك المجروحة من قسوة اللحاء تنزلق في صمغ الشجرة، بينما السِّنجاب يصعد أكثر فأكثر. تبعتَه حتى بلغتَ غُصنًا وقفت عليه بقدميك. نظرتَ إلى الأسفل، فرأيتَ حارس الغابة يقترب، كان بيدرو معه، لا يُبعده أو يُصرفه، بل فتحَ معه حديثًا طويلا، فيما كانت جوليا تحاول ألا تنظر إليك، ومع ذلك لم تكفّ عن مراقبتِك.
لم يشِ بك بيدرو، ولم يرفع الحارس عينيه، مأخوذًا بحديثه. كان بيدرو يطيل الكلام بكل وسيلة ممكنة. لم يكن يحتاج أن يتحرك ليعذّبك، كان يفعل ذلك من مكانه على الأرض.
كان ينوي أن يقدّم كل ما حدث لاحقًا على أنه مزحة ثقيلة، مزحة يضحك منها هو وجوليا معًا.
وكان ذلك وسيلة مضمونة لتقويض انتصارك، وإطالة أمد الإهانة.

بعد أن مضت عشر دقائق. بدأ الغصن يضعف تحت وطأة جسدك. شعرتَ بالخوف من السقوط والموت، بل، الأسوأ من ذلك كلّه، أن تنهزم أمام أعين جوليا. إن أنتَ نزلتَ، أو طلبتَ النجدة، فالحارس سيقبض عليك لا محالة. كانت المحادثة في الأسفل لا تزال مستمرة، بينما السنجاب، في البداية، كان يتحدَّاك على بُعد بضع سنتيمترات، ثم انسحب فجأة، قافزًا إلى الأرض، واختفى راكضًا في عمق الغابة. أما جوليا، فقد كانت تبكي… بعيدة عن بيدرو، وعن الحارس، وعن السنجاب — لكنها كانت أبعد عنك، إلى حدٍّ لا يمكن تصوره.

وأخيرًا، انصرف الحارسُ مودّْعًا، بعدما دسّ له بيدرو بعض الأوراق النقدية في يده. حينها فقط استطعتَ أن تنزل… شاحبًا، متعثرًا، تشعر بالذل، والدموع في عينيك — دموع لم يكن ينبغي لجوليا أن تراها أبدًا، لأنها كشفت حقيقتك: يتيمًا، دخيلًا… لا بطل معركة إيوو جيما ولا مونتي كاسينو. ضحكة استهزاء بيدرو انطفأت فجأة، حين واجهته جوليا بوجه صارم وقالت:

— كيف استطعت أن تفعل هذا؟ أنت غبي… أنا أكرهك.

صعد الجميع مُجدَّدًا إلى السيارة. رفضَت جوليا أن تدع بيدرو يعانقها. لم ينطق أحد بكلمة. كان الليل قد حلّ حين دخلوا المدينة. نزلتَ عند أول زاوية تعرفها. مشيت لساعات بلا هدف، وعندما عدتَ إلى المنزل، أخبرتَ أمك بما جرى في الغابة. بكيتَ… وأحرقتَ مجموعة كتب “بازوكا” كاملة.
لم تنسَ تلك الأمسية من شهر أغسطس أبدًا. تلك الأمسية… التي كانت الأخيرة التي رأيتَ فيها جوليا.

 

من مجموعة ” الريح البعيدة” 1963

1خوسيه إميليو باتشيكو بيرني (José Emilio Pacheco Berny) (مدينة المكسيك، 30 يونيو 1939—26 يناير 2014 في نفس المدينة) شاعر وكاتب ومترجم مكسيكي، من كبار شعراء المكسيك في النصف الثاني من القرن العشرين. حصل على جوائز أدبية محلية ودولية عديدة، ودرّس في جامعات المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمملكة المتحدة.

2 مترجم مغربي يعيش بين إسبانيا والمغرب، صدرت له مجموعة قصصية مترجمَة تحمل عنوان: ” الشاب الذي صعِد إلى السماء: مجموعة قصصية من أمريكا اللاتينية”، عن الراصد الوطني للنشر والقراءة – طنجة، 2021.

3 مانويل سي. ميشيل زامورا (سان غابرييل، غاليسكو؛ 20 يناير 1885 – غوادالاخارا، خاليسكو؛ 6 أكتوبر 1935) كان ضابطًا عسكريًا مكسيكيًا شارك في حرب كريستيرو، وكان رئيسًا لمجلس الطرق السريعة. كان أحد أهم الدوافع وراء الموافقة على إنشاء أول طريق للسيارات بين سايلا وسان غابرييل وأوتلان.

 

المصدر:

https://lecturia.org/cuentos-y-relatos/jose-emilio-pacheco-tarde-de-agosto/11762/

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً