الرئيسية / الأعداد / الخصائص الجماليّة والمعرفيّة “لغرفة الفضول” ودورها في تشكيل المنهج المتحفيّ الحديث – أمير الشلّي

الخصائص الجماليّة والمعرفيّة “لغرفة الفضول” ودورها في تشكيل المنهج المتحفيّ الحديث – أمير الشلّي

الخصائص الجماليّة والمعرفيّة “لغرفة الفضول” ودورها في تشكيل المنهج المتحفيّ الحديث

 

أمير الشلّي*

 

الملخص

في القرن السادس عشر، مع انبلاج عصر النهضة في أوروبا، ظهرت غُرف الفضول كفضاءت مخصصة لعرض أحدث الاكتشافات والاختراعات والابتكارات. وعلى الرغم من أن هذه الغُرف ظهرت كهواية نخبوية انفردت بها العائلات الأرستقراطيّة لإثبات تفوقها العلميّ والثقافيّ، إلا انها شكلت النواة الأولى لولادة المنهج التصنيفي الذي تقوم عليه المتاحف والمؤسسات العلميّة الحديثة.

وفي هذا السياق تتنزل دراستنا التي سنتعرف فيها على خصوصية هذه الفضاءات الجماليّة وما تحمله معروضاتها من قيمة فكرية وعلميّة وإبداعيّة.كما سنبحث عن الأسباب التي ساهمت في تحول غُرف الفضول من مجرد أماكن تكتنز الأشياء النادرة والنفيسة إلى متاحف تُعنى بالبحث العلميّ والتذوق الفنيّ.

الكلمات المفاتيح :  غرفة الفضول، تاريخ ،فن، أسطورة، علوم طبيعية

Les dimensions esthétique et cognitive des « cabinets de curiosité » et son rôle dans la formation de la méthodologie muséale moderne

Résumé
Au XVIe siècle, avec l’aube de la Renaissance en Europe, les cabinets de curiosité sont apparus comme des espaces dédiés à l’exposition des dernières découvertes, inventions et innovations. Bien que ces cabinets aient émergé comme un loisir élitiste, réservé aux familles aristocratiques pour affirmer leur supériorité scientifique et culturelle, ils ont constitué le noyau initial de la méthodologie de classification sur laquelle reposent les musées et les institutions scientifiques modernes.

Dans ce contexte s’inscrit notre étude, qui explorera la particularité esthétique des cabinets de curiosité et la valeur intellectuelle, scientifique et créative de leurs collections. Nous examinerons également les raisons qui ont contribué à la transformation de ces cabinets, passant de simples lieux accumulant des objets rares et précieux à des musées dédiés à la recherche scientifique et à l’appréciation artistique.

Mots-clés : Cabinets de curiosité, histoire, art, mythologie, sciences naturelles

المقدمة

شكّلت محاولاتُ فهمِ العالم المادي من حولنا وتصنيف عناصره حجرَ الأساس في بناء المنظومة الفكريّة التي ارتقت بالإنسان من مرحلة التصوّرات الخُرافيّة إلى المستوى العقلانيّ المبني على أدلة وبراهين تجريبية. وإذا ما بحثنا عن المحطة الأولى التي تجلّى فيها هذا التحول والاهتمام، سنجد عصر النهضة الأوروبية قد كان حقبة فارقة في تاريخ الإنسانية، حيث انكبّ العلماء على جمع كلّ ما وقع تحت أعينهم من نباتات وهياكل ومستحثّاتٍ  ليقوموا بدراستها وتصنيفها في محاولة تقديم صورة مُفصلة عما يحتويه العالم من كائنات.

وقد كان هذا التيار العلمي الناشئ ثمرةً لظروفٍ تاريخيةٍ استثنائية، أهمها الاكتشافات الجغرافية التي وسّعت من آفاق المعرفة الإنسانية. كما حدث ان تجدد في عصر النهضة الاهتمام “بمكتسبات العصور السابقة وخاصة العلم والفلسفة اليونانيّة[1]“حيث اعيد احياء أعمال” أرخميدس” في مجال الرياضيات، و”جالينوس” في مجال الطب، “وبطليموس” في الفلك ونصوص” أفلاطون” و”هوميروس” في مجال الفلسفة .  ولم يتوقّف هذا التأثير عند حدود الأوساط الأكاديمية، بل امتدّ ليشملَ الملوك والنبلاء ، حيث تحوّل الاهتمامُ بالمعرفة إلى ظاهرةٍ سياسيّة واجماعيّة، ما جعل العائلات الأرستقراطيّة تُمول البحوث العلميّة والرحلات الإستكشافيّة؛ حتى انهم بنوا في قصوهم غرفًا خاصة جمعوا فيها كل ما توصلت إليه البشرية من اختراعات تقنيّة واكتشافات طبيعية وإبداعات فنية؛ وكل ما بدا لهم نادرا ومبهرا وخلابا.

كانت هذه المقتنيات تعرض في ” غرفة فضول ” وهي أماكن ضيّقة تقع في قصورهم. تشير “غرفة الفضول” أحيانًا إلى حجرة بكاملها، وأحيانًا أخرى تكون قطعة أثاث تحتوي على عدة رفوف، غالبًا ما تكون ذات تصميم مُلفت وفريد، حيث تحفظ في أدراجها السريّة وأبوابها الخفيّة مجموعة هائلة من الأعاجيب الكونيّة؛ التي تختزلُ إنسان ذلك العصر بكلّ ما حمله من تناقضات.فغرفة الفضول تحكي قصةَ إنسانٍ يتشاوج إدراكه للعالم بين ما هو عقلاني وخرافيّ، وبين ما هو منظم وعشوائيّ. ففي نفس الوقت الذي كان يتوق فيها “الفضوليّ[2]”  إلى المعرفة العقلانية، كان ينجذب أيضا نحو  كل ما هو معقد وغريب واستثنائيّ. إذ لم يهتم الفضولي باقتناء ما هو جميل أو نافع بالمعنى التقليدي، فَكُلَّما انفردَ الشيءُ بِغرابَةٍ تُذهِل العين وتُربِك العقل، زادت رغبته في اقتناءه، حتى لو كان مجردا من أي قيمة جمالية أو علمية واضحة.

خزانة فضول تعود للرسام “ليوناردو دافنشي”

  1. معروضات غرفة الفضول

لقد كانت غرفة الفضول فضاءً مخصصًا لعرض المقتنيات النادرة والنفيسة، والتي تنتمي إلى الممالك الثلاث :المعدنيّة، والنباتيّة والحيوانيّة. وقد كانت هذه القطع تعرض بصورة عشوائيّة جنبًا لجنب مع مجموعة متنوعة من الاختراعات التقنيّة والإبداعات الفنيّة. ويمكن تصنيف هذه المقتنيات إلى أربعة فئات رئيسيّة :

  • عجائب الطبيعة

تضم هذه الفئة مجموعة وفيرة من التفردات الطبيعية تسمى “عجائب الخلق”. مثل الحيوانات البريّة والبحريّة، والهياكل العظمية الغريبة عن المجتمع الأوروبي، والتي كانت في غالب قادمة من بُلدان آسيا وافريقيا وأستراليا.. كما ركزت هذه المجموعات بشكل مبالغ  فيه على عرض حيوانات مشوهة او التي تعاني من خلل جينيّ. وكانت هذه العينات إما  تُحنط بالكامل عبر تغليفها بالشمع او حشوها بالقش مع الحفاظ على جمال فراءها ورشاقة قوامها وحيويّة تفاصيلها. كما ضمّ هذا التصنيف معادنًا وأصدافًا وأحجارًا ونباتات مثل المرجان واللؤلؤ والكهرمان وعينات أخرى كأنواع من الصخور المتأتية من أماكن بعيدة أوخطيرة. ويذكر المؤرخون أن “غرفة ميديشي في فلورنسا (1580) قد إحتوت على خزانة كاملة للمعادن: من حجر المغناطيس إلى البلورات الجبسيّة التي تتوهج في الظلام، حيث  كان يعتُقد أنها تحوي في داخلها روح الكون.[3]

  • عجائب مزيفة

رغم ما حققه عصر النهضة من تقدم في مجال العلوم، فقد ظل الاعتقاد الشعبي بالوحوش والكيانات الخارقة للطبيعة راسخًا في أذهان العامة. فلم يستبعد الناس إمكان وجود وحوش مفترسة تسكن البراري والبحار، بل وإن اكتشاف أحافير الدينصورات زاد من إيمانهم بوجود هذه الكائنات. وقد أدى ذلك إلى ظهور فئة كبيرة من المحتالين الذين كانوا يبيعون بيض النعام وأحافير الدينصورات وقرون وأنياب بعض الحيوانات على أنها تنتمي لتنانين او لوحيد القرن[4].كما راجت في تلك الفترة عمليات التعديل الجراحي لحيوانات نافقة مثل تركيب رأس النسر على جسد أسد لصنع مخلوق “الغريفون[5] ” الأسطوري. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد كان البحّارة يخيطون جثث القردة بذيول الأسماك، مُدعين انها حوريات بحر حقيقيّة. وقد نجحت هذه الحيل في خداع الكثيرين الذين صنفوا المخلوقات الأسطوريّة المُزيّفة على أنها أعاجيب طبيعية، فقد كان معاصري تلك الحقبة” سريعي التصديق لما يُروى لهم، وكلّما كانت الحكاية بعيدة عن الواقع ومبالغاَ فيها كانت أقوى وحظيت بإعجابهم أكثر. من هنا سرّ التعلّق بالمعجزات و بكلّ ماهو ساحر وخلاّب أو خارق للعادة. فبما أنّ الواقع المحسوس كان ضامرًاَ لديهم، فإنّ الوعي الأسطوري كان يتغلّب عليه إلى حد كبير[6]“.

حورية بحر مُزيّفة

  • عجائب صناعيّة

تضم هذه الفئة عجائب صنعتها أنامل فنانين وحرفيين كالوحات الفنيّة والتماثيل القوطية واخرى تستخم لغاية تعبديّة كالمنحوتات المصريّة واليونانيّة إلى جانب الأقنعة الإفريقيّة والدروع الرومانيّة والسيوف اليابانيّة. كما نجد في هذه الفئة حضورا كبيرا  لرسومات الطبيعة الصامتة ، حيث يُصوّر الفنان ترتيباً من الأشياء غير الحية كالفواكه والخضروات والمزهريات. كما تضم هذه الفئة منمنمات “الكاميو” ، وهي بورتريهات لشخصيات أسطورية تُنقش بدقة على أحجار العقيق والأصداف. وقد اعتُبر فن “الكاميو” في ذلك العصر معجزةً إبداعيةً تُمزج بين البراعة البشرية وجمال الخلق الإلهي، حيث كان يُنظر إلى هذه القطع على أنها تجسيدٌ للجمال المطلق الذي يتجاوز القدرة البشرية المحضة.

نقش “الكاميو” يعود للعصر الفيكتوري

  • عجائب علميّة

تظم هذه الفئة الأدوات التي ساعدت العلماء على سبر أغوار الكون واكتشاف أسراره. مثل التلسكوبات والمجاهر والخرائط والبوصلات. يجتمع في هذه الفئة العلم والفن، حيث صُممت العديد من هذه الأدوات بدقة حِرَفية عالية. مثل تليسكوب “غاليليو” المصنوع من الخشب المزخرف، والذي أطلق عليه في ذلك الوقت إسم”العين السحرية” نظرا لقدرته على إظهار ما يوجد في السماء.
وتشتمل هذه الفئة أيضًا على نماذجَ ميكانيكيةٍ مصغَّرةٍ تُظهر حركةَ الكواكب والمجرات، بالإضافة إلى مجموعة من الأدوات الفلكية الإسلامية المعروفة باسم “الأسطرلابات”، التي كانت تُستخدم لقياس الوقت وتحديد مواقع النجوم. ويذكر المؤرخون أن “غرفة فرديناندو دي ميديشي (عام 1587) ضمَّت أسطرلابًا نحاسيًا من صنع محمد بن ميمون اليهودي، وبوصلةً مغناطيسيةً محفوظةً داخل علبةٍ ذهبية، إلى جانب مجموعةٍ من الكُرات الأرضية التي لا يتجاوز حجمُها حجمَ البرتقالة”[7].

والجدير بالذكر أن هذا التصنيف يجمع بين العلمي والخرافي، حيث وُجدت بين هذه الأدوات بعضُ الأدوات المستخدمة في العرافة، مثل الكرة البلورية التي كان يستخدمها المُشعوذون، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الأدوات التي كان يُعتقد أنها تحمي من العين والسحر.

مُجسم لكورة ارضيّة تعود لرودولف الثاني1579، متحف متروبوليتان للفنون، نيويورك

  1. مصادر معروضات غرفة الفضول

كانت معروضات غرفة الفضول تُجمع بطرق متعرجة – تارةً على شكل هدايا تتبادلها القصور الملكية، وتارةً كغنائم تروي حكايا انتصارات عسكرية، أو عبر صفقات يجلبها مستكشفون مغامرون من أرض بعيدة. وإن كانت هذه الغُرف قد حملت في طياتها بذور المنهج العلمي الحديث، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مجرد أدوات للتفاخر الطبقي. “إذ لم تكن غُرف الفضول مجرد مساحات للعرض، بل كانت شاهدا على النفوذ السياسي.فقد كان أمراء أوروبا يستخدمونها لإثبات تفوقهم العلميّ والثقافيّ.”[8]وهكذا أصبحت غُرف الفضول أشبه بمسرحيات صامتة تعرض أمام نُخبة مختارة، حيث يتبارى الأثرياء في عرض غرائب مقتنياتهم كما يتبارى الفرسان في ميادين القتال.لم تكن تلك الصالات الغريبة سوى مرايا تعكس هوس العصر بامتلاك الغرابة، حيث تحولت المعرفة من هدف نبيل إلى مجرد عملة في سوق المباهاة الاجتماعية. فظلت أبوابها موصدة في وجه العامة، لا يدخلها إلا من كان من الأشخاص البارزين.

خزانة فضول تحتوي على أبواب خفيّة ورفوف متحركة، أواخر القرن 17

   وعلى الرغم من أن شغف جمع المقتنيات الغريبة بدأ  كهوايةٍ نخبويّةٍ، إلا أنه سرعان ما انتشر كالنار في الهشيم بين صفوف النخب المثقفة من مختلف المهن والميادين. فلم يعد الجمع حكراً على الأمراء والنبلاء، بل امتد ليشمل الفنانين ورجال القانون والدين، وأصحاب المهن الطبية مثل الصيادلة  والجرّاحين “حيث يجلس المالك مع ضيوفه المختارين ليتأملوا غرائب الكون، ويناقشوا أسراره[9].”

  1. تحوُّل غرف الفضول: من هوس النخبة إلى خدمة المعرفة

شكّلت التحولات الفكرية والعلمية التي رافقت عصر النهضة الأوروبية منعطفاً حاسماً في تشكيل الفكر الحديث، ممهدةً الطريق لبروز جيل من المفكرين الذين أسسوا لما عُرف لاحقاً بـ”عصر التنوير”. وقد اتسمت فلسفة هذا العصر بإعلاء شأن العقل بإعتباره السبيل الوحيد لفهم الكون، ما دفع بأبرز ممثليه إلى نقد البنى التقليدية للمعرفة، ولا سيما تلك المرتبطة بالمؤسسات الدينية والسياسية التي وقفت عائقا أمام تقدم البشرية.

لم يسلم شغف النخب الأوروبية بجمع “غرائب” من سهام النقد التنويري حيث اعتبرها  الفلاسفة مثل “ديدرو” و”فولتير” ضرباً من العبث النخبوي، الذي يُروج للخرافة تحت غطاء البحث العلمي، حيث تُستبدل المعرفة النقدية بدهشة سطحية أمام “عجائب” مُجتزأة من سياقاتها الحضارية والطبيعية. كما اعتبرت ممارسة جمع الغرائب كأحد تجليات الاستعمار الثقافي، حيث تُختزل ثروات الشعوب المُستَعمَرة إلى مجرد “تحف” تُعرض في قصور الأثرياء، ليس كموضوعات للدراسة، بل لمجرد التفاخر والمباهاة.إذ ان
“كل قطعة موجودة غرفة الفضول تحمل قصة استعمارية: ريشة من الأمريكتين، منحوتة من أفريقيا، أومخطوطة من آسيا. كانت هذه الغُرف متاحف للغزو قبل أن تكون متاحف للعلم[10].” فما يسمى بـ’عجائب العالم الجديد’ ليست سوى سرقات ممنهجة متلحفة بغطاء الفضول العلمي، حيث يُنهب أصحابها من تراثهم الماديّ، بينما يتباهى الأوروبيون بجهلهم[11].”

لم تساهم هذه الانتقادات في اقتلاع جذور الفضول، بل هيأت تربةً جديدةً نما فيها وعيٌ مختلف: فبدلاً من أن تظل المقتنيات غنائمَ لفئةٍ محظوظة، صارت إرثاً للإنسانية جمعاء حيث صارت غرفة الفضول كتاباً مفتوحاً يُقرأ بمنهج حيث الندرةُ لا تُستعرضُ للتباهي، بل لتحلل  وتُفسَّر. إذ لم يعد يكفي أن تُدهش القطعةُ النادرةُ الزائرَ بغرابتها، بل صار عليها أن تُخبرنا بقصتها: من أي موقع جُلبت ؟ ولأي غاية صُنعت ؟ ومن أي خامة تكونت وتشكلت؟ وهكذا بدأت العجائب تُرتَّبُ ككلماتٍ في معجمٍ كوني. في حين أخضعت المعروضات الطبيعيّة لتصنيف هرمي : حيث احتلت المعادن والأحجار القاعدة، ووضعت الحشرات والنباتات في الوسط، بينما خصصت قمة الهرم لكل ما ارتبط بالحيوان والإنسان.

متحف “سان لو” للتاريخ الطبيعي بفرنسا

  وقد كانت هذه العينات تعرض مع نصوص مصاحبة تقدم معلومات مفصلة عن اسمها وعمرها وموقعها الجغرافيّ. كما تخبرنا كيف مشت على الأرض وكيف حلقت في السماء وكيف تنفست تحت الماء. بالإضافة إلى ذلك ضمت هذه المتاحف -لاسيما الحديثة منها- صورا وتماثيلا لعلماء ومستكشفين وفنانين تكريما لما قدموه للبشريّة من زاد معرفيّ و إبداعيّ.

وهكذا اصبحت كل قطعة من مقتنيات غرفة الفضول تخضع لنظام تصنيفي دقيق يقوم على مبدأ التخصص، فانفصلت العينات الطبيعية التي تمثل إبداع الطبيعة، عن الصنائع البشرية  التي تجسّد إبداع الإنسان، كما خصصت مساحات مستقلة للأدوات العلمية. لم يكن هذا الفصل مجرد ترتيب مادي، بل كان انعكاساً لتحوّل جذري في بنية المعرفة ذاتها، حيث أخذ كل مجال يتفرد  ويستقلّ عن الآخر.

  1. انتهاء زمن الفضول وميلاد المتاحف الحديثة

شهد القرن الثامن عشر ميلاد متاحف متخصصة، مثل “المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي” في باريس (1793)، الذي أصبح حاضنة للعينات الطبيعية، بينما احتفظ  متحف “اللوفر” بالمقتنيات الفنية. هذا التمايز المؤسسي لم يكن اعتباطياً، بل كان تتويجاً لاستقلال العلوم الطبيعية عن العلوم الإنسانيّة، وتجسيداً مادياً للتصوّر الجديد للمعرفة الذي أرسى عصر التنوير دعائمه. “وقد تحولت 73%
من غرف الفضول في انجلترا بين سنتيّ 1680-1720 إلى فضاءات مفتوحة للعموم[12]“. حيث أصبح كل معروضٍ يحكي قصة، وكل قطعةٍ تطرح سؤالاً، وكل زاويةٍ تدعو إلى التفكير والتأمل.

و بحلول القرن التاسع عشر، بدأت غُرف الفضول في التقلص والإختفاء بإستثناء قلّة نادرة من الحُجرات الّتي تعود للأمراء والملوك والّتي صارت اليوم أماكنًا مفتوحة للزّائرين. ومع صعود المنهج العلمي، اختفت معظم العجائب الوهمية، باستثناء ما حُفظ منها في متاحف الأنثروبولوجيّة.
ومع تقدم العلوم وتشعب مجالات المعرفة، ظهرت متاحف جديدة اوجدت تخصصات فرعيّة داخل التخصص الواحد منها:

  • متاحف اللافقريات: تختص بجمع الحشرات والرخويات المُتحجرة التي يعود تاريخها إلى ملايين السنين.
  • متاحف التاريخ الطبي: تختص في عرض الاختراعات الطبية الضاربة في القدم، مثل الأطراف الخشبية والعيون الزجاجيّة وطواقم الأسنان العاجيّة.
  • المتاحف الأنثروبولوجية: تختص في توثيق معتقدات الشعوب القديمة، كمتاحف التراث الأسطوري الذي يظم هياكل ومستحثات مزيفة لمخلوقات خرافيّة.
  • متاحف الأجنة المشوهة: يختص في توثيق الأمراض الجينيّة الغريبة والنادرة.
  • متاحف النيازك : تختص في عرض الصخور والمعادن القادمة من الفضاء.

الخاتمة

لم يكن تحوّل غُرف الفضول من مجرد خزائن تكتنز العجائب إلى مؤسسات تعنى بالبحث العلميّ والتذوق الفنيّ مجرد تغيير شكلي عابر، بل كان نتيجة ثورة معرفية شاملة أرسى فلاسفة التنوير دعائمها.  حيث لم يعد الجمع عملاً عشوائياً مدفوعاً بالشغف الشخصي، بل ممارسة واعية تقوم على منهج توضيحيّ شامل ودقيق. وقد كان هذا التحول تعبيرا عن تفوق الفكر العقلانيّ الذي أصبح أساس العمل المتحفي الذي يهدف إلى توثيق منجزات البشرية في مجاليّ الفنون والعلوم، وتقديمها  إلى الجماهير بأسلوب سلس وممتع. فمن خلال تجميع قطع ذات قيمة تاريخية أو جمالية، تصبح المتاحف جسوراً تربط الماضي بالحاضر. والعناية بهذه المقتنيات وعرضها للعيان، ينمي الوعي العلمي ويحسن من الذوق الفني كما يعزز من انتماء الفرد الوطنيّ والثقافي.

 

ناقد في الجماليات من تونس

 

البريد الإلكتروني amir_chelly60@yahoo.fr

الهوامش

  1. هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي،دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 2005.صفحة 24.
  2. “الفضولي” إسم يطلق على هاوي التجميع.
  3. Pamela H. Smith, The Body of the Artisan: Art and Experience in the Scientific Revolution, University of Chicago Press, 2004,page 93.
  4. وحيد القرن : حصان أبيض له قرن حلزوني طويل.
  5. الغريفون: مخلوق أسطوري له جسم أسد ورأس وجناحا نسر.
  6. هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي،دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 2005.صفحة 19.
  7. Paula Findlen, Possessing Nature: Museums, Collecting, and Scientific Culture in Early Modern Italy , University of California Press , 1994,page 131.
  8. Lisa Jardine, Worldly Goods: A New History of the Renaissance, W.W. Norton & Company, 1996, page 187
  9. Anderson Jeffrey, Private Wonder: The Social Function of Curiosity Cabinets In Encyclopedic Collections in Medieval and Renaissance Europe, edited by Jeffrey Anderson and Linda Jones, Leiden: Brill, 2013, page 201.
  10. Daniela Bleichmar, Visible Empire: Botanical Expeditions and Visual Culture in the Hispanic Enlightenment, University of Chicago Press, 2012, page 43.
  11. Voltaire, Philosophical Dictionary, trans. Theodore Besterman, Penguin Classics, 2003, page 89.
  12. Arthur MacGregor, Curiosity and Enlightenment: Collectors and Collections from the Sixteenth to the Nineteenth Century, Yale University Press, 2007, page

بيبليوغرافيا

  • لويس عوض، ثورة الفكر في عصر النهضة الأوروبية، مركز الأهرام للترجمة والنشر،القاهرة 1987
  • Dominique Poulot, Patrimoines et musées,Hachette Education, 2014.
  • Haithem Jemaiel, « Listes, inventaires, séries, ou la pratique de la collection comme procédé d’expression plastique »,Thèse de doctrorat en Théorie des Arts Plastiques, institut supérieur des beaux-arts de Tunis, 2022.
  • John Vinycomb,Fictitious & Symbolic Creatures In Art, Forgotten books,London 2016.
  • PETY, Dominique, « Le personnage du collectionneur au XIXe siècle : de l’excentrique à l’amateur distingué », Romantisme, 2001.
  • Samuel J. Redman, The Museum: A Short History of Crisis and Resilience,NYU Press,2022.

 

[1] هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي،دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 2005.صفحة 24.

[2] “الفضوليّ” إسم يطلق على هاوي التجميع.

[3] Pamela H. Smith, The Body of the Artisan: Art and Experience in the Scientific Revolution, University of Chicago Press, 2004. Page 93.

[4] وحيد القرن : حصان أبيض له قرن حلزوني طويل.

[5] الغريفون: مخلوق أسطوري له جسم أسد ورأس وجناحا نسر.

[6] هاشم  صالح، مدخل إلى التنوير الأروبي، مرجع سابق صفحة 19.

[7] Paula Findlen, Possessing Nature: Museums, Collecting, and Scientific Culture in Early Modern Italy , University of California Press , 1994,page 131.

[8]  Lisa Jardine, Worldly Goods: A New History of the Renaissance, W.W. Norton & Company, page 187

[9] Anderson Jeffrey, Private Wonder: The Social Function of Curiosity Cabinets  In Encyclopedic Collections in Medieval and Renaissance Europe, edited by Jeffrey Anderson and Linda Jones, Leiden: Brill, 2013, page 201.

[10] Daniela Bleichmar, Visible Empire: Botanical Expeditions and Visual Culture in the Hispanic Enlightenment, University of Chicago Press, 2012, page 43.

[11] Voltaire, Philosophical Dictionary, trans. Theodore Besterman, Penguin Classics, 2003, page 89.

[12] Arthur MacGregor, Curiosity and Enlightenment: Collectors and Collections from the Sixteenth to the Nineteenth Century, Yale University Press, 2007, page 208.

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً