الرئيسية / الأعداد / حوار مع الهايكيست عبدالجابر حبيب

حوار مع الهايكيست عبدالجابر حبيب

حوار مع هايكيست

حوار مع الهايكيست الشاعر عبدالجابر حبيب

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

 

يكشف هذا الحوار مع الهايكيست والشاعر عبدالجابر حبيب عن رحلة إبداعية فريدة، بدأت من قرية سورية صغيرة لتتفتح على عالم الأدب والمسرح، قبل أن يستقر به المطاف في فضاء الهايكو الشاسع. يشاركنا حبيب في هذا اللقاء سيرته الذاتية، ويفتح لنا أفقًا لفهم تجربة الهايكو في العالم العربي. من خلال إجاباته، يضيء الشاعر على العوامل التي شكلت وعيه الأدبي، بدءًا من شغفه المبكر بالقراءة، مرورًا بتجربته الغنية في المسرح، وصولاً إلى تعمقه في فن الهايكو. كما يتطرق إلى التحديات التي واجهها في هذا الفن، ورأيه في هوية الهايكو العربي، وكيف يمكن لغرسة يابانية أن تُثمر في تربة لغتنا العربية. إنه حوار عن الشغف، والدهشة، وقدرة الكلمة على اختزال العالم في ومضة.

 

ورقة عن الهايكيست الشاعر عبدالجابر حبيب

وُلد عام 1961 في قرية صغيرة اسمها جاغربازار، أي “سوق السكر”، وهي قرية تنام على كتف تلة تاريخية وتفتح عينيها على نهر يتدفق منذ قرون. هناك، بين صياح الديكة عند الفجر وثغاء الأغنام في عودتها مساءً، تفتحت حواسه الأولى على إيقاع الحياة البسيطة. ما زال يرى أكوام القش والبيادر، ويسمع غناء الصبايا في مواسم الحصاد، ويتذكر صراعات الطفولة حول مصائد العصافير والقطا، وصوت النهر حين يفيض فيعزل القرية عن جيرانها. تلك التفاصيل لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل كانت البذور الأولى لمخيلته، وجذوة أولى للغة التي سترافقه. وللقرية قصتها مع العالم، فقد زارتها أجاثا كريستي برفقة زوجها ماكس مالوان، وكتبت عنها في كتابها “هكذا أحيا”، مخصّصةً فصلاً لنساء جاغربازار. وكأنّ طفولته هناك كانت محاطة منذ البدء بظل الأدب.انتقل بعد المرحلة الابتدائية إلى القامشلي، مدينة الحدود والاختلاط والتناقضات، مدينة تُشبه الغابة في صخبها وصراعها بين الفقر والغنى، وبين الضعف والقوة. تابع دراسته رغم قسوة الظروف المادية، وكان يعمل وهو صغير ليؤمّن تكاليف المدرسة. في تلك المرحلة لاحت له الكتب كنافذة أخرى على العالم، وكان لأخيه سيف الدين، رحمه الله، أثر عميق في ذلك، إذ كان شغوفاً بالقراءة. ومن هناك بدأت رحلة المسرح، حيث وجد في الخشبة لغة موازية للكتاب. حصل على الشهادة الثانوية، وحلم بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية أو كلية الحقوق، لكنه سلك طريق التعليم فالتحق بمعهد أهلية التعليم. عمل معلماً لسنوات طويلة، لكن المسرح ظلّ يتنفس داخله، حتى غدا له هوية ثانية. ومع الوقت أصبح مخرجاً وممثلاً، وقدّم أعمالاً بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في مدن وبلدات عديدة، وعمل مدرباً مسرحياً في مدرسة المسرح التابعة لهيئة الثقافة والفن في إقليم الجزيرة، كما شارك مع منظمات إنسانية في عروض للأطفال خلال سنوات الحرب. واليوم، بعد رحلة طويلة بين التعليم والمسرح والكتابة، يرى أن طفولته في جاغربازار كانت المنبع الأول، وأن المدينة كانت امتحاناً قاسياً لصوته الداخلي، وأن الكتاب والمسرح هما الجناحان اللذان حملاه عبر السنوات. وهكذا وجد نفسه بين الورق والخشبة، يترك بصمته بما طبعه من كتب، وما قدمه من عروض، شاهداً على أن الحلم، وإن تأخر، يبقى قادراً أن يمنح الإنسان معنىً وامتداداً.

 

  • الشاعر عبدالجابر حبيب، لكل تجربة بداية. كيف اختلى بك هذا الحلم الشعري، وأنت تتلمّس الطريق في بداياتك الإبداعية؟

لا أعلم إن كان السؤال يقصد الأدب عامةً أم تجربتي مع الهايكو على وجه الخصوص، لكنني أؤمن أن الفنون والأنواع الأدبية تتشابك وتغذّي بعضها بعضاً، فالثروة اللغوية التي يكتسبها القارئ أو الكاتب تتحوّل إلى زادٍ داخلي ينعكس على كل ما يكتبه.

كنت مفتوناً بالكتاب منذ الصغر، أتعامل معه كما يتعامل العاشق مع معشوقته. ما زلت أتذكر كيف قرأت رواية الأم لمكسيم غوركي دفعة واحدة، لا أتوقف إلا عند الفطور أو الغداء، ثم أعود إليها كمن ينهل من نبع لا ينضب. شدتني مؤلفات نجيب محفوظ بعمقها، والمنفلوطي برهافته، وجرجي زيدان بمحطاته التاريخية، ومحمد عبدالحليم عبدالله بواقعيته، كما أسرني عالم هيغو، وواقعية همنغواي، وحِدّة قصص زكريا تامر.

أما المسرح، فقد سرق مني الكثير من الوقت لكنه منحني بالمقابل عالماً آخر. قرأت نصوصاً من الملاحم الإغريقية عند سوفوكليس وأسخيلوس، ثم عبرت إلى شكسبير وموليير وتشيخوف وبرنارد شو، وصولاً إلى النصوص العربية الحديثة عند سعدالله ونوس، ألفريد فرج، طه حسين، علي عقلة عرسان، وغيرهم. كنت أتنقّل بين الكلاسيكيات والنصوص المعاصرة وكأنني أبحث عن ملامحي في مرايا متعددة.

والشعر ظلّ الحاضر الأكبر في حياتي: قرأت المعلقات والشعر الجاهلي، وتوقفت طويلاً عند أبي نواس بما يحمله من جرأة وغنائية. ومن ثم مررت على نزار قباني، درويش، وسميح القاسم، وغيرهم من الأصوات التي صنعت وجدان أجيال كاملة. كنت قارئاً مزاجياً إلى حد ما، أنجذب إلى النص الذي يشعل في داخلي شرارة مختلفة، سواء أكان رواية، أم نصاً مسرحياً، أو قصيدة.

ومنذ نحو عقد من الزمن، كان الهايكو هو المفاجأة الكبرى في حياتي، حضوراً غريباً يفيض بالدهشة، ينقلني من فضاء المطوّلات إلى عوالم التكثيف، ومن البلاغة المترامية إلى لحظة خاطفة تلمع كبرق في السماء. ومنذ ذلك الحين صار جزءاً لا ينفصل عن تجربتي الأدبية والشخصية.

 

  • كيف أقنع شعر الهايكو الشاعر عبدالجابر حبيب علانية، فتغيّر اتجاه تجربتك الشعرية نحو هذا النوع تحديداً؟

في البدء كان دخولي إلى عالم الهايكو أشبه بعبور مغارةٍ مظلمة لا أعرف منافذ الضوء فيها. كل نوع أدبي يفرض شروطه الصارمة، وكان الهايكو أكثرها غرابة بالنسبة لي: مشهدية مكثفة، لغة مجردة من المجاز والأنسنة، التزام بالكيغو والزمنية، وقَبول بأن تكون القصيدة لقطة خاطفة لا تُمهل صاحبها كثيراً. أمام هذه المتطلبات شعرت كأنني محاط بأسلاك شائكة تمنعني من التقدّم.

لكن مع الإصرار على القراءة والتأمل، اكتشفت أن الهايكو ليس جداراً مغلقاً، بل نافذة صغيرة تطلّ على اتساع العالم. ومع الوقت سمحت لنفسي بجرعة خفيفة من المجاز لا تثقل النص، بل تمنحه أحياناً بُعداً إنسانياً يضيء الصورة. شيئاً فشيئاً، راحت تلك الأسلاك تتلاشى، حتى تصافحتُ مع الهايكو وصار صديقاً يكشف لي أسراره: إمّا أن يجعلك مبدعاً أو يتركك عالقاً في العجز.

الهايكو يعلّمك أن الكلمة القليلة قد تختزن ما تعجز عنه المطوّلات؛ ثماني كلمات قادرة أن تُبقي أثراً أعمق من عشرات الأبيات. وهو يختلف عن بقية الأجناس: فالشاعر أو القاص يهيّئ الفكرة ويطاردها حتى تكتمل، أما الهايكو فيأتيك كبرق، كلقطة عابرة تفرض حضورها على ذهنك في لحظة خاطفة، فتتحوّل الصورة إلى كلمات، والكلمات إلى إحساس غير مصرّح به.

هذا لم أشعر يوماً أن الهايكو سلبني حرية الاختيار، بل منحني أفقاً جديداً. علّمني أن النجاح في أي تجربة لا يبدأ من القلم، بل من القلب: أن تعشق ما تكتب، وأن تترك للزمن أن يختبر صدقك مع هذا العشق

 

  • ما سرّ اشتغالك كشاعر على هذا النوع من الأدب الشعري “الهايكو” دون غيره، والمضي فيه بعيداً؟

الهايكو جاءني مثل برقٍ خاطف، يوقظ العين على تفاصيل لا نكاد نراها في زحمة الحياة. لم يكن الأمر مجرّد رغبة في الكتابة، بل كان شغفاً بالاكتشاف، وفضولاً تجاه هذا الفن الذي أخذ يتسع حضوره في العالم العربي ويشعل النقاشات على المنابر الإلكترونية.

في بداياتي كنت متعثّراً؛ كتبت نصوصاً أطول مما ينبغي، وتلقت محاولاتي الأولى كثيراً من الملاحظات، حتى قيل لي ذات مرة: “ما تكتبه ليس هايكو.” كانت تلك العبارة صادمة، لكنها دفعتني للعودة إلى الجذور، لقراءة نصوص الرواد الأوائل، وللتأمل أكثر في جوهر هذا الفن الذي يقوم على الصمت بقدر ما يقوم على الكلام.

ومع مرور الوقت، تعلّمت أن الهايكو ليس سباقاً للوصول، بل توقّف عند لحظة تتفتّح فجأة أمام الشاعر، كزهرة برية في حقل مهمل. هو اختزال الكون في ومضة، وصياغة الدهشة في بضع كلمات، والتقاط ما يمرّ سريعاً قبل أن يضيع إلى الأبد.

ربما لهذا السبب احببت الهايكو، ولأن الهايكو جعلني أرى العالم بعين أخرى، وأصغي إلى الوجود بصوتٍ أعمق. الهايكو فنّ العيش في اللحظة، والاحتفاء بما يفلت عادة من انتباهنا

 

  • ما الكتاب الذي أثّر في تجربتك الإبداعية بشكل عام، ومن الهايكيست الذي ترك بصمة في تجربتك تحديداً؟

لم يطرق صدى الهايكو أسماعنا في سورية إلا بعد عام 2013، حين بادر الدكتور سامر زكريا إلى تأسيس أول نادٍ يُعنى بهذا الفن، ولم أكن من متابعي ذلك النادي حتى عام 2015 حيث تعرفت على الهايكو من خلال نادي الهايكو الحر في وقتٍ كان فيه الحضور العربي للهايكو لا يزال في طور البدايات. يومها لم تكن هناك كتب مطبوعة تُعرّف بهذا الأدب، بل كانت المواقع الإلكترونية والنوادي الافتراضية على منصات التواصل هي نافذتي الأولى التي أطللتُ منها على هذا العالم البهيّ.

كان لنادي الهايكو الحر، الذي يشرف عليه الأستاذ قاسم حبابة، وللنادي العربي في الأردن بإشراف الأستاذ محمود الرجبي، أثرٌ بارز في تغذية تجربتي. كنت متابعاً متعطشاً لكل ما يُنشر من نصوص وكتب إلكترونية، ألتقط منها ما يعينني على الفهم والتأمل.

أما الشخص الذي فتح أمامي أول بوابة في هذا الدرب فهو الأستاذ قاسم حبابة؛ أذكر جلياً حين قال لي في سجال من السجالات: «الهايكو ثلاثة أسطر فقط». كنت يومها أعترض قائلاً: «لكن ثلاثة أسطر لا تكفي للتعبير!». عندها فقط أدركت جوهر هذا الفن القائم على التكثيف والالتقاط البرقي للحظة. فيما بعد، جاء المعلم محمود الرجبي ليدفعني بخبرته نحو ممارسة أعمق، إذ أرشدني إلى تدريباتٍ تصقل النصوص وتختبر طاقتها.

كما كنت مأخوذاً في بداياتي بقدرة الشاعر عبد الستار البدراني على تكثيف المشهد الشعري في الومضة الشعرية، فكانت نصوصه تثير دهشتي وتفتح أمامي أفقاً جديداً.

هكذا تكوّنت بذرة تجربتي، بين حوارٍ يوقظ وعياً، ونصحٍ يزرع درباً، ونصوصٍ تتوهج كشرارات، حتى صار الهايكو بالنسبة إليّ أكثر من شكل شعري؛ صار أسلوب حياة في القبض على اللحظة العابرة.

 

  • كيف ترى هذا المولود “شعر الهايكو” الذي نما في الارض العربية تاركاً جذوره في اليابان

الهايكو في موطنه الأول ليس نبتة عابرة، بل شجرة راسخة الجذور، تضرب في تربة اليابان منذ قرون بعيدة، ارتوت من ينابيع الحكمة الشرقية، واشتد عودها على أيدي الرواد الكبار: باشو، وإيسا، وبوسون، وشيكي. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين بلغ هذا الفن نضجه الكامل، فانطلق من الأرخبيل الياباني متخطياً حدوده، باحثاً عن أرض جديدة ولغة أخرى. بدأت الرحلة بالترجمة في أمريكا وأوروبا، ثم تحولت القصيدة إلى كائن حي يتنفس وفق إيقاعات كل لغة، فيتبدل نَفَسُها لكن تظل روحها واحدة.

أما في البلاد العربية، فقد جاء الهايكو في هيئة ظلٍّ خافت، يتلمس الطريق بين التجارب الشعرية. ففي ستينات القرن الماضي، وتحديداً سنة 1964، أضاء الشاعر والمفكر الفلسطيني عز الدين المناصرة قاعة الجمعية الأدبية المصرية بعشرة توقيعات قصيرة، بدت وكأنها ومضات تحمل روح الهايكو، حتى وإن ارتدت حُلّة عربية خالصة. كان فيها التكثيف، والمفارقة، والإيحاء، والإدهاش، والختام المباغت؛ وهي العناصر ذاتها التي تمنح الهايكو الياباني قوته وجماله.

غير أن هذا المولود لم يشتد عوده سريعاً، بل ظل أسير المحاولات الفردية عقوداً طويلة. حتى جاء زمن التواصل الاجتماعي في العقد الأخير، فإذا بالفضاء الرقمي يتحول إلى حقل خصيب، يزرع فيه الشعراء بذور الهايكو، وتتعاقب عليه أيادٍ شغوفة بالرعاية والسقيا. هنا بدأ الهايكو يتنفس بحرية أكبر، ويمتزج بإيقاع الزمن العربي، كأنه جاء ليختصر على إنسان هذا العصر المزدحم وقت الكتابة ووقت القراءة معاً، ليقدم صورة خاطفة أشبه ببرقٍ يضيء العتمة للحظة ثم يترك أثراً لا يُمحى.

هكذا أرى الهايكو اليوم في أرضنا: غرسة يابانية الجذور، لكنها حين انغرست في تربة العربية أزهرت بألوان جديدة، نصفها شرقيٌّ أصيل، ونصفها عربيٌّ نابض، كأنها جسرٌ من الكلمات يصل بين ضفتين بعيدتين

 

  • هل يمكننا أن نقول أنّ هناك هايكو عربي قائم بذاته.

لا أؤمن بتقسيم الهايكو إلى عربي وياباني، فالهايكو في أصله وليد فلسفة الزن، يقوم على التقاط لحظة من الطبيعة وتجسيدها في نص مكثف يفيض بالدهشة. غير أنّ كل أرض تمنح شاعرها مشهداً مختلفاً؛ فمن يعيش في اليابان يرى تفتح الكرز وانسياب الأنهار بين الجبال، أما من يكتب في بلادنا فيسمع هدير الصحراء، ورعشة النخيل، ووقع المطر على أسطح الطين. البيئة هي التي تفرض صورتها، لا المصطلحات ولا التسميات.

لقد ورثنا الهايكو من اليابان بهيكله المعروف، لكننا صغناه وفق مقتضيات العربية، بلغتها وإيقاعها. وهنا أستحضر ما أشار إليه الدكتور سامر زكريا: في اليابانية يمكن القول “قُطعت الشجرة” دون ذكر الفاعل، بينما في العربية يكتمل المعنى بقولنا “قطع الحطاب الشجرة”. هذا الفارق ليس انحرافاً عن جوهر الهايكو، بل هو تكيّف طبيعي تفرضه لغتنا.

وأستغرب حقاً من الذين يصرّون على البحث عن أسماء بديلة: هل يغيّر الاسم من طبيعة النص أو من هويته؟ الهايكو يظل هايكو، مهما تعددت الأسماء. وهنا يحضرني قول الأستاذ محمود الرجبي:

“ما دمت تؤمن بهايكو لا نؤمن به، فلماذا تتألم كلما نفرح نحن بهايكو نؤمن به؟! هل هو الاسم؟! وماذا يضيرك استخدام نفس الاسم؟! يا سيدي، اعتبره كاسم (محمود) لرجلٍ لا يوجد فيه ما يُحمد عليه.”

إن خصوصيتنا العربية لا تأتي من تبديل الاسم، بل من قدرتنا على أن نمنح النص روحنا وملامح بيئتنا. فالهايكو نافذة صغيرة على العالم، لكنه يتسع ليطل على البادية والواحة، على أفق الصحراء كما على زرقة البحر، محتفظاً بجذوره اليابانية، ومزداناً في الوقت نفسه بنكهة عربية أصيلة.

 

  • ما سر اهتمام الشعراء العرب بالهايكو ..هل لنصوصه القصيرة ام لاختزاله الصور الشعرية المكثفة أم لأسباب أخرى…ما رأيك في ذلك.

سأتحدث عن نفسي أولاً: لم يكن قصر نص الهايكو يوماً ما الدافع لكتابته، بل على العكس تماماً، أجد أن صياغة مشهد هايكوي قد تستنزف مني ساعات طويلة من الكتابة والحذف، وهو عندي أصعب من نظم قصيدة مطوّلة. لا أقول ذلك استهانةً بالشعر، بل لأنني أؤمن أن الهايكو الناجح يقوم على صياغة دقيقة، متماسكة، ومشحونة بالإيقاع الداخلي. فإن غابت هذه الدقة انزلق النص إلى خانة الومضة أو الشذرة أو الخاطرة القصيرة، وهذا ما نراه – للأسف – في كثير من النصوص التي يظن أصحابها أنهم يكتبون هايكو، بينما هي بعيدة كل البعد عن روحه وجوهره.

من هنا أرى أن سر اهتمام الشعراء العرب بالهايكو ينبع من منبعين متمايزين:

الأول: من يظن أن قِصر النص يجعله سهلاً، فيكتب المئات من النصوص في زمن وجيز، ثم يجمعها في كتاب ويطلق عليها “قصائد هايكو”، بينما لا تجد بينها إلا القليل مما يقترب من البنية الصحيحة للهايكو.

أما الثاني: فهم أولئك الذين استحوذ عليهم الشغف، وانجذبوا إلى هذا الفن بروح الباحث والمكتشف، يكتبون نصوصاً صافية الدهشة، تبهرك حين تقرأها فتسائل نفسك: كيف لم أنتبه لهذا المشهد الذي كان ماثلاً أمام عيني طوال الوقت؟

هؤلاء وحدهم، في رأيي، هم من جعلوا الهايكو العربي يضيء كنافذة صغيرة على عوالم كبيرة، حيث تتحول اللحظة العابرة إلى مشهد هايكو إبداعي.

 

  • هل ترى أنّ الاهتمام بهذا النوع الشعري بدرجة كبيرة حالياً هي عملية إبداعية سليمة تثري المشهد الشعري العربي.

أجد أنّ ما ذكرته في جوابي عن السؤال السابق ينسحب جزئياً على هذا السؤال أيضاً. فمن الجميل أن يحظى هذا الضيف الجديد ـــ أعني الهايكو ـــ بكل هذا الاهتمام من الشعراء والأدباء والمهتمين بالأدب، وخاصة أولئك الذين يغوصون بوعي في خفايا الهايكو وتقنياته الدقيقة. غير أنّ العملية الإبداعية الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يكون الكاتب على دراية بالبنية الصارمة لهذا الفن. فالنص الهايكوي المؤلف من مشهدين مثلاً يحتاج إلى القطع” كريجي” ليفصل بين المشهد العام والمشهد الذي يليه، بحيث تتولّد الدهشة ويُفتح أفق المعنى. أما غياب القطع، أو وضعه في غير موضعه، فيحيل النص إلى مجرد ومضة، أو خاطرة قصيرة.

أما فيما يخصّ اللغة، فصحيح أنّ هناك اختلافاً بين العربية واليابانية، لكن ذلك لا يبرّر الإفراط في المجاز أو تزيين النص بالصور البلاغية الثقيلة، إذ يفقد الهايكو حينها خصوصيته ويتحوّل إلى نوع آخر. الهايكو قائم على الالتقاط المباشر للحظة، على الصفاء والاختزال، لا على التزويق والإنشاء.

من هنا أرى أن انتشار الهايكو في العالم العربي يحمل وجهين: وجهٌ إيجابي يتمثل في إدخال نسغ جديد إلى جسد الأدب العربي، ووجهٌ سلبي حين يتحوّل الاهتمام إلى مجرّد تقليد أو كتابة متسرعة. أستغرب أحياناً من قراءات نقدية تُكتب عن نصوص هايكو وكأن الناقد يكتب عن القصائد شعرية التقليدية، مع أنّ هناك اختلافاً جوهرياً في المعايير والآليات.

الأمر الأخطر أنّ كثيراً من المواقع المتخصصة تنشر نصوصاً بعيدة كل البعد عن روح الهايكو، بل وتدخلها في مسابقات بوصفها نصوص هايكو! وقد طالعتُ مرة موقعاً يشترط لقبول النص أن يكون قريباً من الهايكو بنسبة 75%، وهو شرط يبعث على الدهشة، إذ كيف يمكن لنص غير مكتمل البنية أن يُعتبر هايكو أصلاً؟

باختصار، إن لم يتم التعامل مع هذا الفن بجدّية، من حيث صياغة النصوص، وآلية النشر، ومعايير التحكيم، فسيبقى انتشاره مشوباً بالفوضى. أما إذا أُخذ على محمل الإبداع الحقيقي، فسيُغني المشهد الادبي العربي بآفاق جديدة، ويمنحه لحظة من النقاء والدهشة لا يمكن أن يوفّرها أي نوع آخر من الكتابة.

 

  • مارأيك في الكتابة النسوية في العالم العربي واين يكمننا ترتيب حضور الكتابة من خلال الاصدارات النسوية التي ارتفعت مع السنوات الماضية وحضورها في كل المحافل الدولية

في الحقيقة، هذا السؤال واسع ومفتوح على احتمالات عدّة لما يُسمى بـ “الكتابة النسوية”. وإذا كنتَ تقصد به إصدارات الكاتبات العربيات، فهذا ما أراه أوضح، ولا سيما في ميدان الهايكو. لقد قفزت إلى ذاكرتي أسماء راسخة في الأدب مثل أحلام مستغانمي، والكاتبة السورية النشطة ميادة سليمان، المهتمة بالشعر والقصة، غير أنّ المقام هنا يخصّ كاتبات الهايكو على ما أعتقد

هناك بالفعل مجموعة من الكاتبات العربيات اللواتي يكتبن نصوص إبداعيّة في الهايكو، وأتابع نصوصهن باستمرار في المنصّات الإلكترونية، وأجد أحياناً بين سطورهن ما يدهشني حقاً. لكن في المقابل، لا أنكر أنّ هناك أيضاً إصدارات نسوية صدرت باسم “هايكو”، بينما هي بعيدة عن روح هذا الفن وما يتطلّبه من صفاء ومهارة بنائية. ولعلّ المفارقة أنّ بعض الأسماء المبدعة لم تُصدر كتاباً ورقياً حتى الآن، في حين صدرت كتب بأسماء أخرى لم تقترب نصوصها من جوهر الهايكو. وهنا أحبّ أن أوضح أنّني لا أستخدم عبارة “شعر هايكو” أو “قصيدة هايكو”، لأنّ الهايكو في جوهره هايكو فقط، لا يحتاج إلى توصيف آخر.

أما في بقية الحقول الأدبية، فالحضور النسوي العربي في ازدياد مطّرد، نلمسه عند روائيات وشاعرات لهنّ بصمات واضحة، مثل الكاتبة صباح بشير٬ عطاف سالم، بشرى البستاني، ، وغيرهن كثير ممن لا يتّسع المجال لذكرهن جميعاً. وهنّ يحترفن الكتابة بحالة إبداعية أصيلة، تؤكّد أنّ المرأة قادرة على إطلاق صوتها الحرّ بعيداً عن قيود الذكورية، ومشاركة الرجل في بناء حياة ثقافية جديدة قائمة على الاحترام والتكامل.

 

  • ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب، وهل تراها قياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي؟

الجوائز الأدبية، في نظري، سلاحٌ ذو حدّين؛ فهي تحمل بين جناحيها البشارة والخذلان معاً. فإذا كان الكاتب راسخاً في تجربته، واثقاً من أدواته، جاءت الجائزة كحافز يفتح أمامه دروباً جديدة، ويشحذ همّته ليولي مسيرته الأدبية عنايةً أكبر، ويصقل صوته الإبداعي. أمّا إذا استسلم لبريقها، فقد تتحوّل إلى فراشٍ وثيرٍ يتدثّر به، يجرّه شيئاً فشيئاً نحو الغرور والخمول، حتى يصبح أسير صدى اسمه لا أسير نصوصه، ويموت موتاً سريرياً وهو يظنّ نفسه في قمة الحياة.

غير أنّ الإشكالية الكبرى تكمن في أنّ هذه المسابقات ليست دائماً مرآةً صافية للإبداع؛ فما يروق لي قد لا يروق لغيري، والذائقة الشخصية والمزاج أحياناً قد يكونان العامل الحاسم في قرار لجنة التحكيم. وقد يحدث أن يفوز نصّ لا لجدارةٍ حقيقية، بل لغياب المنافس القوي، فيُتوَّج عملٌ متواضع فقط لأن البدائل كانت أضعف. والأسوأ حين تتولى التحكيم لجانٌ تفتقر إلى الخبرة الكافية بصنفٍ أدبي محدّد، فتغيب المعايير، وتعلو المجاملة، ويأتي الفوز لمن لا يستحق.

من هنا أرى أنّ الجائزة لا يمكن أن تكون مقياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي. فالإبداع يثبت نفسه في المدى الطويل، في ذاكرة القرّاء، وفي عمق الأثر الذي يتركه النص في الوعي. ومع ذلك، لا أنكر أنّ الجوائز قد تكون دافعاً مهمّاً، وشرارةً تلهم الكاتب على مواصلة الطريق، شرط ألّا يعلّق مصيره بها، ولا يجعلها غايته القصوى، بل وسيلةً عابرة في رحلة طويلة لا يقيسها إلا النص نفسه.

والنقطة الأكثر خطورة هي أن تتحوّل الخسارة إلى حالة إحباط عند الكاتب، بعدما كان يجد في نتاجه سموّاً يستحق التقدير، فيُصدم بالنتيجة وذهاب الجائزة لمن لا يستحق. وقد تكون وجهة نظره صائبة، لكن علينا ألّا نعمّم ذلك على جميع المسابقات أولاً، وثانياً أن يرمي الكاتب ما حدث معه من إجحافٍ في سلّة التجارب، ليواصل طريقه بقوةٍ أكبر وإصرارٍ أشد.

 

  • كيف يرى الإنسان عبد الجابر حبيب الشاعر عبد الجابر حبيب

سؤالك أيقظ في داخلي ذلك الطقس المسرحي القديم: تمرين الاسترخاء قبل العرض بدقائق. هناك، على الخشبة، كنت أتعلم كيف أترك جسدي يهدأ، وأفتح أبواب روحي كي تستقبل الضوء. واليوم، أجدني أمام السؤال ذاته، أخلع عني رداء الكلمات لأعود إنساناً عارياً من كل الأقنعة.

قبل أن أكون شاعراً، كنتُ إنساناً يفتّش عن المعنى وسط زحام الحياة. عشقت السينما فكنت أبكي أمام مشهدٍ قد يبكي الآخرين، لكنني كنت أظلُّ أسيراً لوهجه أياماً كاملة، كأنني أحمله معي في دمي. عشقت القراءة، وعشقت التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، وكنت أرى في كل حركة عابرة، في كل صرخة مكتومة، وفي كل أنين صامت، حياة كاملة تستحق أن تُكتب.

من هذا العمق وُلد السنريو، الشقيق الحميم للهايكو، نصّ يلتقط المشهد الإنساني قبل أن يذوب، ويعيد صياغته ببراءة وصدق. ومن رحم ذلك وُلد شعري أيضاً. لم أكن أكتب لأتزيّن بالكلمات، بل كنت أكتب كي أتنفس، كأن الكلمة نفسها أنبوب أوكسجين أمدّ به رئتي كي أواصل السير وسط ركام الحرب، ودموع النزوح، وقوارب الموت التي ابتلعت أرواحاً أعرفها.

عبدالجابر الشاعر ليس سوى عبدالجابر الإنسان، المجبول من وجعٍ وبكاءٍ وضحكٍ قصير، الممثل الذي تقمّص أدوار الآخرين حتى ذاب فيهم، ثم خرج ليكتب ذاته في شكل آخر. أنا ابن المشهد الذي يلسعني حتى النهاية، ابن الصورة التي تحفر في قلبي جرحاً لا يندمل. وما الهايكو والسنريو عندي إلا محاولة لتضميد تلك الجراح، أو على الأقل لتسميتها كي لا تظل صامتة.

باختصار… أنا ذلك الإنسان الذي يحاول أن يحوّل الألم إلى قصيدة، وأن يجعل من الكلمات سفينةً صغيرة تعبر بي – وبمن يقرأني – من ليل العذاب إلى ضفة أكثر رحمة.

 

  • ماهي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي

مشاريعي القادمة هي امتدادٌ لرحلةٍ لا تهدأ. فقد أنهيت أخيراً مسرحية طويلة، كتبتها بروح الممثل الذي يرى الخشبة وطناً آخر للكلمة، وفضاءً يُعيد صياغة الأسئلة الإنسانية الكبرى. كما أنجزتُ مجموعة من القصص القصيرة جداً، حوّلتُ فيها الومضة إلى مرآةٍ تلمح فيها الروح تفاصيل الحياة الخفية.

على رفوف الطباعة ينتظر كتاب جديد في الهايكو، هو حصيلة سنوات من الإصغاء إلى نبض الطبيعة والإنسان، وإلى تلك اللحظات العابرة التي تتحوّل في الهايكو إلى أبدٍ صغير. وإلى جانبه تقف رواية جديدة على أعتاب الولادة، تحمل شيئاً من وجعي، وشيئاً من حلمي، وكثيراً من الأسئلة التي لم تهدأ في داخلي.

وإلى جانب هذه الإصدارات، أواصل نشر مقالاتي، وما يجود به قلمي من قصيدة، أو هايكو، أو قصة قصيرة، في المنصات الإلكترونية، كأنها شذرات تُنثر في فضاءٍ مفتوح، تبحث عن قارئ يشبهني في الحلم والدهشة.

باختصار… مشاريعي ليست سوى محاولات جديدة كي أظلّ حياً بالكلمة، وكي أترك أثراً صغيراً على صفحة هذا الكون المزدحم بالصوت والصمت معاً.

 

نصوص من شعر الهايكو للشاعر عبدالجابر حبيب

رِيحُ الْخَرِيفِ،
وَلِيمَةُ النَّمْلِ الْأَخِيرَةُ
جُنْدُبٌ أَخْضَرُ.

***

رَحِيقٌ،
إِلَى حَقْلِ الْكَرَزِ
تُرْشِدُنِي الْفَرَاشَةُ.

**

بِزَوَالِ الضَّبَابِ
لَا أَجِدُ سِوَى ظِلِّي
رَفِيقًا لِي.

***
كَوَالِيسُ،
يَتَحَرَّشُ بِظِلِّ الْبَرِيئَةِ
ظِلٌّ آخَرُ

***

دَالِيَةٌ،
قَبْلَ نُضْجِ الْعِنَبِ
لِلْوَلِيمَةِ أَوْرَاقُهَا.

****
مُتَسَوِّلٌ،
يَعْبُرُ جِسْرَ الْمَدِينَةِ
كَلْبٌ شَارِدٌ

*****
ظِلُّ الْأُقْحُوَانَةِ،
لَا يُبَالِي بِطُولِ سَاقِهَا
يَعْسُوبٌ

****

خَرِيرُ الْجَدْوَلِ،
لَا يُبَالِي بِصَمْتِ اللَّيْلِ
رَجُلٌ مَيِّتٌ

******
دِعَايَةُ بْرُوسْتِدْ،
يَغْمِسُ لُقْمَتَهُ فِي الشَّاشَةِ
اِبْنُ الْفَقِيرِ

****
يَرَقَةُ فَرَاشَةٍ،
بَيْنَ طَائِرَيْنِ صَغِيرَيْنِ
يَطُولُ الصِّرَاعُ

***
بِحِذَاءٍ قَدِيمٍ
يَلْتَصِقُ حَلَزُونٌ صَغِيرٌ ـ
بَيْتٌ مَهْجُورٌ

**
حِرْبَاءٌ،
تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانٍ شَتَّى
غَيْمَةُ الْغُرُوبِ

***

طَرِيقُ الْحَقْلِ
لَا يُرْعِبُ الْفَزَّاعَةَ
صَوْتُ الرَّعْدِ

***
فِي سُوقِ الطُّيُورِ
تُوَدِّعُ دَجَاجَتَهَا الْبَيَّاضَةَ
أُمُّ الْيَتَامَى

**
خريرُ الجَدْوَلِ،
مِنْ إِبْرِيقِ البُسْتَانِيِّ تَفُوحُ
رَائِحَةُ الزَّيْزَفُونِ

****

بَيْتُ البُسْتَانِيِّ؛
سَرِيرُ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ –
مَأْوَى العَصَافِيرِ.

***

شِقُوقٌ
الأَرْضُ تَنْتَظِرُ الأمْطَارَ –
وَكَفُّ أَبِي السَّلاَمِ!!

**
الصُّنْدُوقُ الصَّغِيرُ –
فِيهِ أَسْرَارُ جَدَّتِي
هِلَالٌ وَصَلِيبٌ

***
سُعَالٌ،
يُقَايِضُ الدَّوَاءَ بِحُزْمَةٍ
بَائِعُ الْحَطَبِ

***
جِدَارٌ،
يُغَيِّرُ مَسَارَ الْفَرَاشَةِ
دُخَانُ الْأَرْجِيلَةِ

***
بَائِعَةُ الْوَرْدِ،
دُونَ أَنْ تُعْلِنَ بَرَاءَتَهَا،
تَمُوتُ الْفَرَاشَةُ

شاعر من سورية

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً