الرئيسية / الأعداد / منهج قراءة التراث النقدي عند جابر عصفور – محمد النوسفاوي

منهج قراءة التراث النقدي عند جابر عصفور – محمد النوسفاوي

منهج قراءة التراث النقدي عند جابر عصفور

محمد النوسفاوي

 

يُعد الدكتور جابر عصفور من أبرز النقاد المعاصرين التنويريين الذين حرصوا على الدقة في بناء مشروعهم النقدي في إطار قراءة التراث العربي بشكل عام، والتراث النقدي بوجه خاص. وذلك لتميز خطابه بمعالم التنوير من جهة، وللنسقية والشمولية اللتين تطبعان منهجه في قراءة التراث من جهة أخرى، وهو ما أسعفه أكثر من غيره من النقاد في الإحاطة بهذا الزخم الهائل من تراث النقد العربي، وتقديم قراءة أكثر مواءمة لطبيعة هذا التراث المتسم بالصعوبة والغموض بغية استكناهه والكشف عن التضارب الحاصل بين من يريد أن يفهمه أو يقرأه من النقاد.

وما يفسر تميز منهج جابر عصفور في قراءته للتراث النقدي أنه يستمد أدواته في القراءة من مرجعيات معرفية متنوعة ومجمل نظري متعدد، يتصل بعلوم »خاصة الفلسفة ابتداء من المنطق ومرورا بالسياسة المدنية والأخلاق وانتهاء بما بعد الطبيعة(…)والعلوم العربية الخالصة(…)التي تتضمن النحو والدلالة والعروض(…)وعلم الكلام والعلوم الدينية والآداب الشعبية أو الرسمية[1]«. وعلاوة على ذلك، فإن جابر عصفور يتميز باستيعابه للأسس التي انبنى عليها الخطاب النقدي المعاصر بمختلف توجهاته: ماركسية وبنيوية وهرمنيوطيقا وتفكيكية الشيء الذي أضفى على منهجه في قراءة التراث النقدي خصيصتي الشمولية والنسقية، يتضح هذا التميز عبر مؤلفاته النقدية خاصة مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، والصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، وقراءة في التراث النقدي، ورؤى العالم عن تأسيس الحداثة العربية في للشعر.

ولا شك أن هذا التنوع في مرجعيات الرجل النظرية والمعرفية، واطلاعه الواسع وقراءاته المتعددة للتراث النقدي وإحاطته بشوارده أسعفه في الخلوص إلى بلورة صياغة مفهوم مخصوص وفريد لمفهوم القراءة يقترن بالنسبية، ويربأ بتصوراته عن الادعاء للعلمية والموضوعية في أي قراءة مهما كانت؛ إذ لابد أن تنسرب ذاتية القارئ إلى مقروئه. ومن ثم، فلا مناص للقارئ حسب منهج ورؤية جابر عصفور من استحضار: »الأدوات المعرفية لعصره وداخل علاقاتها، وبأساليبها التي يستعين بها على فهم تراثه فهما واقعيا غير مجرد، فهما يتنزه عن ادعاء نزعة علمية وضعية تفصل التراث المقروء عن وعينا أو عن نزعة مثالية ذاتية تفصل التراث المقروء عن عصره[2]«. ومعنى ذلك أن تملك الأدوات المعرفية يجعل من عملية القراءة نفسها-وفق تصور جابر عصفور-جانبا لا ينفصل عن أنساق معرفية كبرى تشمل النقد الأدبي وتحتويه، وتجعل من عملية قراءة التراث النقدي جانبا لا ينفصل عن عملية قراءة التراث بوجه عام، سواء كنا نتحدث عن التراث بمعانيه الخاصة أو العامة.

وتأسيسا على ذلك أكد جابر عصفور فاعلية القارئ في القراءة؛ إذ هي التي فرضت التركيز المعاصر على الجانب النظري من معنى القراءة. في موازاة الجوانب التطبيقية لها. وهو موقف يميز بين نظريات القراءة وممارساتها، مثل المراجعة في نقد النقد والتأصيل المعرفي في النقد الشارح، والقواعد المتحكمة في التفسير أو التأويل. والتمييز بين الأبعاد النظرية أو التطبيقية للقراءة أمر هام في قراءة تراثنا النقدي؛ إذ تفتح هذه القراءة إشكالات معرفية تتصل بعلاقة القارئ بالمقروء وعلاقاته التاريخية، وبالقارئ وشروطه الراهنة.

وقد أكد جابر عصفور ضمن هذا السياق العلاقة الوثقى بين تلك الأبعاد في قراءة التراث النقدي؛ إذ كل منهما يتجاوب مع الآخر تأثيرا وتأثرا. وإذا كان محور التركيز في ثانيهما موضوع الإدراك ومحور التركيز في أولهما حدث الإدراك، فإن الفاعلية بينهما أمر ضروري، لأن الاقتصار على موضوع القراءة-للتراث النقدي-في غيبة الوعي النظري ينتهي إلى تجريبية متخبطة تتسم بالتقليد والعشوائية بعيدا عن المعطيات الفعلية لهذا التراث والقراءة التطبيقية المتعددة له.

ومن ثم، فالعلاقة بين المستويين تنطوي على بعد تبادلي يجعل كل خبرة في المستوى الأول مؤثرة في المستوى الثاني ومتأثرة به كما وكيفا. ولا شك أن الإضافتين الكمية-اكتشاف مخطوطات وتراكم الطبقات…إلخ-والكيفية-تراكم التفسيرات المركبة أو المتضافرة، وهي التفسيرات المعمقة الناتجة عن طبقات الدلالة التي لا تبرز إلا بعد وفرة التفسيرات البسيطة المتجانسة-في قراءات التراث لها تأثيرها المؤكد على أي توصيف نظري لحدث القراءة؛ إذ كل تقدم نظري في وصف وتأصيل القراءة يؤدي إلى تقدم تطبيقي.

وهذا البعد التبادلي شبيه بالبعد القائم في علاقة النظرية والممارسة والعلاقة الجدلية القائمة بين وحدتهما المركزية التي لا يمكن اختزالها أو تبسيطها. إذ انعزال النظر عن التطبيق مستحيل في أية قراءة متماسكة للتراث النقدي. أما الفصل بين النظرية والممارسة فأمر ممكن تجريدا وواقعا في مجال القراءة. بل إن تأكيد النظرية ضروري بوصفه شرطا ملازما لتعقل القارئ ووعيه في فعل قراءة التراث-التحقق من سلامة تفسيراته-وهو فصل له فائدة حاسمة في تقدم الوعي في المجالات الفكرية لذا فإنه شرط ضروري في بعض الفترات التاريخية المنطوية على تحولات كبرى أو انقطاعات معرفية.

يبدو إذن أن قراءة التراث النقدي بحسب منهج جابر عصفور لا يمكن أن تتقدم إذا انقسم وعي القارئ على نفسه وأصبح وعيا مزدوجا ذاتا وموضوعا، الشيء الذي يمكن هذا الوعي من تأمل نفسه في علاقته بالتراث وكيفية إدراكه، فتتحقق سلامة القراءة في يقين هذا القارئ، ويدرك أنه كشف عن معنى ذي دلالة في السياق التاريخي لهذا النص وأفقه الزمني الخاص، وذي دلالة موازية في السياق التاريخي لهذا القارئ وأفقه الزمني الخاص في آنٍ.

ولأن جابر عصفور ناقد حصيف، وكتاباته دقيقة ومنظمة رؤيويا ومنهجيا، فإنه لا يكتفي أو يقف عند حدود التحقق من سلامة القراءة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تأكيده أن الأمر لا يقتصر على تلك الغاية؛ إذ كل تغير حاسم في مجال المعرفة الأدبية يقترن بعملية انقطاع معرفي لا يتأسس إلا بانعكاس النقد على نفسه وتحوله من لغة واصفة لموضوع هو غيرها إلى لغة واصفة لموضوع هو إياها، بالمعنى الذي يغدو معه النقد لغة واصفة موضوعها هو عين ذاتها، وذاتها هي عين موضوعها الذي يدخل عصرا جديدا بتغير نظرة الذات إليه أو تحديقها فيه.

وبالعودة إلى كتاب مفهوم الشعر يتضح أن جابر عصفور أكد أن التراث الشعري متنوع وآفاقه متباينة ومتوزعة داخل مجالات متعددة منها ما يتصل »بعلوم الأوائل أو الأعاجم، كما تتصل بالعلوم النقلية اللغوية والدينية[3]«. وقد قسم الدراسات التي اشتغلت على التراث الشعري إلى ما يتصل بالنقد التطبيقي وما يتصل بالنقد النظري، فضلا عن تلك التصورات التي نبَّه إليها واصفا إياها بأنها بالغة الخطورة، والواردة في تفاسير القرآن وكتب الفقه والأصول، لأنها تسعى إلى المقارنة بين القرآن والشعر[4]. وهنا يصرح جابر عصفور بأن »الخطورة تكمن في التأريخ للتراث النقدي في غياب الاستقصاء الدقيق للمعطيات التاريخية، وفي غياب المنهج المتكامل في المعالجة(…)وإلا فسيُعد التأريخ عملا بلا جدوى(…)ومن ثم فلا بُد من توافر المنهج على قدر كبير من التدقيق في استقصاء المادة[5]«.

ويرى في هذا الصدد أن »المشكلة الأساسية(…)ليست في قلة تراثنا في نقد الشعر أو كثرته، وإنما في وجهة النظر التي نتعامل بها مع هذا التراث، وفي المنهج الذي نعرض التراث من خلاله. إن وجهة النظر المصاحبة للمنهج تفرض طبيعة المعالجة، كما تفرض زوايا الاختيار وتحدد نقاطا للحوار، يتم فيها الجدل بين الماضي والحاضر، دعما للحاضر الذي هو نقطة البدء والمعاد[6]«.

وقد استحضر جابر عصفور تصورين[7] للتعامل مع التراث، يتمثل الأول في التعامل مع التراث باعتباره كتلة من الأحداث والمفاهيم والقيم، مستقلة عن وعينا وعن وجودنا تماما، ويمكن أن تعالج معالجة محايدة، تحاول الوصول إلى الكينونة المتعالية لهذه الكتلة، ومن المستحيل-عمليا-أن نتعامل مع التراث على هذا النحو، لسبب بسيط مؤداه أن التراث موجود بنا وفينا في الوقت نفسه. ومعنى ذلك أن الوجود الموضوعي لهذا التراث لا يعني انفصاله المطلق عنا، بل يعني أنه-رغم أبعاده التاريخية-مازال يؤثر فينا بالقدر الذي نؤثر فيه. أما التصور الثاني فهو الذي يتعامل مع التراث من منظور الوعي بالحاضر، والإدراك للوجود الآني، وذلك هو التصور السائد فضلا عن أنه التصور الممكن عمليا.

وفي إطار التصور الأخير، يرى أن »الخلاف في تفسير التراث أمر بدهي، ومن ثم، فالاختيار أمر ملزم بالضرورة لكل الأطراف، وتعدد الرؤى وتباين زوايا النظر إلى الماضي مرتبط بتعدد ذلك إلى الحاضر نفسه، إن للتراث باعتباره-وجودا موضوعيا-مستويات متعددة ومتعارضة، وفي داخل كل مستوى عناصر يمكن أن تتجه، أو توجه، صوب اتجاهات متباينة، وذلك طبعي؛ لأن التراث-في النهاية-محصلة لصراع إنساني، عبر مراحل تاريخية ذات أبعاد اجتماعية وفكرية متباينة ومتعارضة، يمكن أن تتجاوب مع أبعاد الحاضر ومستوياته المتباينة والمتعارضة في آن. وبقدر موقفنا من الحاضر نميل بوعي أو دون وعي إلى الاختيار والتأكيد والنفي والإثبات وننحو صوب عمليات إعادة التفسير أو التشكيل[8]«.

يبرز استناد جابر عصفور في قراءاته للتراث النقدي إلى التصور الثاني بوضوح عبر اختيار دراسته لابن طباطبا العلوي وقدامة بن جعفر وحازم القرطاجني ضمن كتابه مفهوم الشعر بغية التأصيل النظري للخطوة المنهجية التي دفعت النقاد الثلاثة إلى بناء مجموعة من التصورات تترابط عند كل منهم بشكل متميز؛ تحدد مفهوم الشعر من ناحية، وتؤسس علما يميز الجيد من الرديء من ناحية أخرى.

وضمن هذا السياق الذي يرصد اشتغال المنهج عند جابر عصفور يبدو من الموائم الوقوف قليلا مع مفهوم مركزي آخر يوظفه هذا الناقد في دراساته وتصوراته النقدية، وهو مفهوم الرؤيا. فقد قام في كتابه رؤى العالم بتمييز هذا المفهوم وتقسيمه إلى ثلاث دوائر، يتصل أولها بالحسية التي تؤسس للرؤية البصرية، ليخرج هذه الدائرة من سياق النقد الأدبي. في حين أكد حصول تقاطع بين الدائرتين الثانية والثالثة، وأكد أن العلاقة بينهما ظلت محكومة بالثنائية الضدية المتراوحة بين الخيال والعقل. ليرجح صعود دلالة الرؤيا-أي دلالة الخيال-إلى أفق الشهود والكشف والصفاء الروحي الأقرب إلى التَّجلي الذي هو نوع من الشهود الذي تنزاح فيه الحُجُب، مستحضرا قول ابن عربي الذي كان يرى العالم مرآة الحق، والحق مرآة العالم:

قلب المحقق مرآة فمن نظرا يرى الذي أوجد الأرواح والصورا

ولا تخفى الجذور الصوفية والعرفانية والوجدانية لهذا الاتجاه الذي استحضره جابر عصفور ضمن تصوره للرؤيا والرؤية الشيء الذي جعله يؤكد أن »المدخل الأسلم لاكتشاف رؤى العالم-باعتبارها منهجا للقراءة-بنوعيهما الدالين على “الرؤية” و”الرؤيا” هو البدء من الأعمال الأدبية بوصفها دوال تقود إلى شبكات مدلولاتها العلائقية إلى دلالات متجاوبة، حرة، غير مقيدة، يمكن أن نطلق عليها رؤى العالم، لا بوصفها كيانا أنطولوجيا سابقا على الأعمال، نستشفه من خلالها كما لو كنا ننظر خلال زجاج، وإنما بوصفها كيانا يتشكل نتيجة عمليتين متجاوبتين ومتوازنتين على السواء: فاعلية الخلق التي يمارسها المبدع في علاقته بالعمل الذي يسعى إلى إنجازه من ناحية، وعلاقة هذا العمل بمئات إن لم يكن آلاف الأعمال السابقة عليه، وتتناص معه بما يجعله نصا متناصا بالضرورة. ويوازي ذلك فاعلية القراءة عند المتلقي، وذلك بما يجعل منها قراءة متناصة بالضرورة، وتطلق سراح وعي القارئ، أثناء عملية قراءة النص، المتناص بدوره، على كل النصوص التي ينطوي عليها وعي القارئ ولاوعيه. وهو وضع يجعل تلك الرؤى تتوسط أنطولوجيا ما بين النص المقروء والعقل القارئ، ومن ثم فكل قراءة إذن هي نتيجة للفاعلية المتبادلة بين طرفيها: القارئ والمقروء[9]«.

يتساءل جابر عصفور ضمن هذا السياق بقوله: تُرى في أي اتجاه يمضي فهمي لمصطلح رؤى العالم؟ ليجيب بقوله: »المؤكد أنني لا أسجنه في مدار واحد مغلق، فهو يأخذ من النقاد العقلانيين تصورهم للرؤية التي هي تجسيد نظرتهم أو موقفهم من الحياة والواقع، ويأخذ من نقاد الحداثة تصورهم عن الرؤيا التي تضيق معها العبارة، وتحمل الشاعر في غواصة الخيال-الحلم ليصل إلى أندلس الأعماق. هل هذه نظرة توفيقية؟ ! ممكن، شريطة أن تكون رؤية عقلانية، ولكن على نحو أوسع مدى من مفهوم “الرؤية المسلحة” الذي قصده ستانلي هايمن في كتابه الذي ترجمه إحسان عباس ويوسف نجم بعنوان “النقد الأدبي ومدارسه الحديثة”. والمؤكد، في تقديري، أن الإخلاص في معالجة النصوص الشعرية ومحاولة النفاذ إليها عبر أكثر من طريق، والإنصات إليها بأكثر من وسيلة، والتطلع إليها من كل زاوية ممكنة، لا يزال، عندي، أمرا طبيعيا يفرضه تعدد النصوص التي أسست للحداثة الشعرية العربية[10]«.

مفهوم “الرؤيا” إذن مفهوم أصيل ومركزي في التفكير المنهجي عند جابر عصفور، وبه يتوسل في قراءاته للتراث النقدي، يظهر ذلك بشكل واضح مثلا حين تحدث عن حدود التراث النقدي، فقد وصفها بأنها لم تنعتق بعد من تلك الحدود التي رسمها أهل العقل والنقل[11]، والتي أقصت المتصوفة والتصوف، ما أدى إلى استبعاد مجالات داخلة في النقد الأدبي، وتقع ضمن حدوده المعرفية مباشرة، سواء في النقد التطبيقي أو النقد النظري. وتكفي »الإشارة التمثيلية لا الاستقصائية إلى ما كتبه المتصوفة عن اللغة من حيث قدرتها على صياغة “الرؤيا”، ومن حيث مستوياتها المجازية، وعن تفسير النص الشعري والنثري من حيث العلاقة بين المفسِّر والمفسَّر، المستويات المباشرة وغير المباشرة للنص، والعلاقة بين ظاهره وباطنه، والعلاقة بين الأنواع الأدبية، وبينها وبين غيرها من الفنون، أضف إلى ذلك المباحث النفسية الخاصة بتأمل القوى النفسية المختلفة، خصوصا الخيال(…)إن مجرد الإشارة إلى هذه المجالات التي تعودنا أنها خارج حدود التراث النقدي(…)يعني أننا ما زلنا نقلد التحديد المتوارث لمجالات النقد الأدبي، ونتبعه اتباعا لا شعوريا، ونسلم دون تأمل الدليل بأن حدود التراث هي الحدود النقلية العقلية(…)، واستبعاد حد من حدوده التي لا يمكن فهمه، بعيدا عنها[12]«.

وبالرجوع إلى كتابه الصورة الفنية يتبدى الانسجام التام بين تصورات جابر عصفور ومنهجه النسقي في قراءة التراث النقدي والشعري؛ لذلك فقد توجه صوب اختيار مدخل “الوجدان” في تفريد قراءاته للتراث، عوض مدخل “العقل” الذي كان سائدا ومتحكما في قراءة الأنواع البلاغية المؤثثة لمفهوم الصورة الفنية. فاختار مفهوم الوجدان بوصفه وسيلة مثلى ومفهوما مركزيا يسعف حركية الوجود الإنساني على التحرر والانعتاق، خلافا للعقل الذي طالما مثل قيدا يحد من تلك الحركة، وهو ما جعله يستند إلى مفهوم التخييل الذي سيعمل على زحزحة مركزية العقل المتسلطة على الذات المبدعة.

وإذا كان مفهوم الصورة الفنية بوصفها أنواعا بلاغية (الاستعارة، التشبيه، الكناية، المجاز) حاضرا في وعي النقاد القدامى باعتباره تصورا، فإنه قد غاب عن وعيهم وإدراكهم، باعتباره مفهوما أصيلا يؤسس للتفاعل بين الذات المبدعة وموضوعها، وهو ما يجعل من الصورة الفنية مولدة للمعنى وكاشفة عن حجبه ومبرزة للتفاعل بين الذات الشاعرة والموضوع؛ لأن »الأصل في الشعر هو المبدع قبل المتلقي، وأن القصيدة لن تحقق شيئا للمتلقي إلا إذا حققت ما يماثله للمبدع[13]«.

ولكي ينكشف هذا التصور بشكل أكثر جلاء يمكن الرجوع إلى تعليقه على نُتْفَةٍ أوردها للشاعر المثقب العبدي في حوار مع ناقته، يقول:

تقول وقد درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني
أكلَّ الدهر حل وارتحال أما يبقي عليّ ولا يقيني.

يعلق جابر عصفور على هذين البيتين بقوله: »نحن أمام درجة من درجات تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها. فالشاعر لا يسقط مشاعره على ناقته، ويخلع عليها حزنه العميق من قدره فحسب بل نحن أمام ذات تحاول أن تعي نفسها من خلال تأملها لموضوعها، وهو تأمل لا يحفظ للطرفين تمايزهما واستقلالهما، بل يداخل ويزاوج بينهما بطريقة تنتهي إلى تعديل كلا الطرفين على السواء. مثل هذه الاستعارة(…)لا يمكن فهمها إلا بتقدير تفاعل الذات الشاعرة مع العالم الخارجي، وقدرتها على تعديل علاقات هذا العالم وإعادة تشكيلها[14]«.

وما يوضح أن جابر عصفور قد تجاوز مقولة العقل في تصوره حول الصورة الفنية إلى مقولة الوجدان المتصلة ضرورة بالتخييل، قوله: »لعلي لست في حاجة إلى تأكيد أن الاستعارة-والاستعارة الأصيلة بوجه خاص-لا تعتد كثيرا بالتمايز والوضوح المنطقيين، ولا تعتمد كثيرا على حدود التشابه الضّيقة بقدر ما تعتمد على تفاعل الدلالات الذي هو-بدوره-انعكاس وتجسيد لتفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها[15]«.

بيد أنه ثمة سؤال في هذا السياق مؤداه: ما الغاية التي جعلت جابر عصفور يختار ضمن منهج قراءاته للتراث استحضار مفهوم الوجدان والتخييل عوضاً عن العقل ومقولاته؟ هل يمكن أن تكون هذه الغاية تسعى إلى الفصل بين الإبداع وبين والمقولات العقلية في الثقافة العربية الإسلامية؟ خاصة وأن تلك المقولات كانت متحكمة في بلورة التفكير البياني والبلاغي العربي من خلال بيئاته المعرفية المتمثلة في ما أنتجه الشعراء والعلماء الرواة والمتكلمون والفلاسفة من الرعيل الأول؟ هل سعى جابر عصفور بهذه التصورات والقراءات إلى خلق تيار إبداعي إنساني خَلَّاق يتفاعل مع وجوده بوجدانه، ويتشوف بشوق دائم إلى التحرر من قيود المقولات العقلية في النقد العربي؟

سيبحث جابر عصفور عن حقل معرفي اعتُبِر لردح من الزمن حقلا مهمشا، وهو حقل التصوف الذي يستند إلى مقولات عرفانية تنهل من الوجدان، ويثور منتفضا على العقل الذي يؤمن بالحدود الفاصلة بين المجالات المعرفية. ومن ثم يتأكد أن جابر عصفور قد اعتمد منهجا نسقيا متكاملا يدخل ضمنه مقاربته التفكيكية في قراءته للتراث النقدي والشعري مفهوم الصورة الفنية؛ إذ عمد إلى تقويض مركزية العقل معليا من شأن الوجدان، وهو ما طبقه أيضا بنجاح هائل وكفاءة عالية في قراءته لشعر نازك الملائكة ومهيار الدمشقي وأحمد عبد المعطي حجازي.

وفي سياق كشفه عن أدوات المنهج الموائمة لقراءة التراث النقدي تعقب جابر عصفور حازم القرطاجني وغيره من النقاد الذين أرجعوا »وظيفة الصورة إلى إقناع بفكرة، أو إمتاع بتصوير مستطرف(…)لكن الأصل في الإمتاع والإقناع هو المتلقي. والمعيار الأساسي في الحكم على نجاح الصورة أو فشلها عند الجميع هو تناسبها مع مقتضى الحال الخارجي، أو مقامات المستمعين[16]«.

وهو ما يعني أنه يرفض تصور حازم لوظيفة الصورة الفنية؛ إذ يؤدي هذا الفهم لوظيفة الصورة من زاوية المتلقي وحده إلى مزالق كثيرة أهمها »فصل الصورة عن المعنى واعتبارها من قبيل الزينة العارضة، وتجاهل الضرورة الداخلية الملحة، التي تدفع الشاعر إلى التفكير ، والتعبير بالصورة ورد جمال الصورة إلى تجانس شكلي، وتناسب منطقي جامد، لا يعول عليه في الفن. وأخيرا تحويل الصورة إلى طرائق جامدة للاستدلال المنطقي[17]«.

ومن ثم، فإن جابر عصفور يعتبر أن »الصورة ليست من قبيل الزينة الطارئة على المعنى الأصلي، وكأن الشاعر يتمخض-كما يقال-المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، ثم يعد له بعد ذلك ما يلبسه إياه من الصور التي تناسبه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. إن الصورة هي الوسيط الأساسي الذي يستكشف به الشاعر تجربته، ويتفهمها كي يمنحها المعنى والنظام. وليس ثمة ثنائية بين معنى وصورة، أو مجاز وحقيقة أو رغبة في إقناع منطقي، أو إمتاع شكلي، فالشاعر الأصيل يتوسل بالصورة ليعبر بها عن حالات، لا يمكن له أن يتفهمها، ويجسدها، بدون الصورة[18]«.

يبدو بوضوح إذن أن الدكتور جابر عصفور من النقاد البارزين الذين أسسوا منهجهم في قراءة التراث النقدي على قواعد معرفية راسية تسعى نحو الدقة والنسقية والشمولية من جهة، ومن جهة أخرى فإنه توسل-في الوقت نفسه-لبناء منهجه بأدوات متعددة ومتجانسة؛ تتراوح بين دوائر النظرية والممارسة، وبين ذاتية القارئ وموضوع القراءة، وبين عوالم الرؤيا وخيالات الوجدان وهواجس العرفان وصوره، وبين واقع الرؤية وعقلانية تصوراتها، للخلوص في النهاية إلى بناء تقاطعات وملاقٍ معرفية تؤسس لمنهج متكامل ومنسجم. وعلى سبيل الختم يمكن استحضار سؤال مؤداه: هل ثمة أداة معرفية أخرى يمكن أن تمثل جوهر المنهج عند جابر عصفور وركيزته الأساس في قراءة النصوص بمختلف مرجعياتها؟ لعل التفكير في أفق هذا السؤال يفتح أمام الباحثين آفاقا أكثر رحابة لمقاربته.

الهوامش

  1. د. جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ط1، 1991، [مؤسسة عيبال للدراسات والنشر]، ص: 41.
  2. نفسه ص: 36.
  3.  د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ط5، 1995، [الهيئة المصرية العامة للكتاب]، ص: 5.
  4. نفسه، ص:6.
  5.  نفسه.
  6. نفسه، ص:7.
  7. د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ص: 7.
  8. نفسه، ص: 8.
  9. د. جابر عصفور، رؤى العالم، عن تأسيس الحداثة العربية في الشعر، ط1، 2008، [المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء]، صص: 16-17.
  10. نفسه، ص: 17.
  11. د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ص: 77
  12. نفسه، صص: 76-77.
  13. د. جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ط3، 1992، [المركز الثقافي العربي-بيروت]، ص: 383.
  14. نفسه، ص: 205.
  15. نفسه. يؤكد ذلك بقوله: »أصبح من المتعارف عليه في النقد الحديث القول بأن أرفع أشكال الاستعارة هي تلك التي يتبادل طرفاها التأثير والتأثر، على نحو يفضي إلى تخلق معنى جديد ناتج عن العلاقة المتفاعلة بين الطرفين. ويعد هذا القول بمثابة نتيجة ترتبت على ما افترضته النظرية الشعرية الحديثة من أن التفاعل والتداخل هو بمثابة الأشكال الأساسية للفعل الشعري ذاته، ذلك الفعل الذي يتبدى-بطريقة بالغة الثراء- (أي التخييل) من خلال ما يسمى بالاستعارة الممتدة أو الموسعة«.
  16. نفسه، ص: 382.
  17. نفسه، ص: 383.
  18. نفسه.

 

الإحالات:

[1]  د. جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ط1، 1991، [مؤسسة عيبال للدراسات والنشر]، ص: 41.

[2]  نفسه ص: 36.

[3]  د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ط5، 1995، [الهيئة المصرية العامة للكتاب]، ص: 5.

[4]  نفسه، ص:6.

[5]  نفسه.

[6]  نفسه، ص:7.

[7]  د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ص: 7.

[8]  نفسه، ص: 8.

[9]  جابر عصفور، رؤى العالم، عن تأسيس الحداثة العربية في الشعر، ط1، 2008، [المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء]، صص: 16-17.

[10]  نفسه، ص: 17.

[11]  د. جابر عصفور، مفهوم الشعر دراسة في التراث النقدي، ص: 77

[12]  نفسه، صص: 76-77.

[13]  د. جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ط3، 1992، [المركز الثقافي العربي-بيروت]، ص: 383.

[14]  نفسه، ص: 205.

[15]  نفسه. يؤكد ذلك بقوله: »أصبح من المتعارف عليه في النقد الحديث القول بأن أرفع أشكال الاستعارة هي تلك التي يتبادل طرفاها التأثير والتأثر، على نحو يفضي إلى تخلق معنى جديد ناتج عن العلاقة المتفاعلة بين الطرفين. ويعد هذا القول بمثابة نتيجة ترتبت على ما افترضته النظرية الشعرية الحديثة من أن التفاعل والتداخل هو بمثابة الأشكال الأساسية للفعل الشعري ذاته، ذلك الفعل الذي يتبدى-بطريقة بالغة الثراء- (أي التخييل) من خلال ما يسمى بالاستعارة الممتدة أو الموسعة«.

[16]  نفسه، ص: 382

[17] نفسه، ص: 383.

[18] نفسه.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً