الرئيسية / الأعداد / “هكذا الماء” ديوان مولاي الحسن الحسيني الشاعر الروداني المتميز- المختار النواري

“هكذا الماء” ديوان مولاي الحسن الحسيني الشاعر الروداني المتميز- المختار النواري

هكذا الماء” ديوان مولاي الحسن الحسيني الشاعر الروداني المتميز

المختار النواري*

 

ب

بهذا الديوان يستكمل الشاعر الروداني [1] الأصيل مولاي الحسن الحسيني دجنبر 1965م) دیوانه السادس (2)، ليحتل من الشعر المغربي والعربي مكانا عليا، وموقعا متميزا، يجعله من الراسخين في هذا الميدان المتمكنين من أدواته المتمهرين بتقنياته المتمرسين بأصيل أبنيته، المتشبعين بشفيف لغته الخبيرين بسميك عباراته المبدعين في جليل معانيه المجنحين في سامق أخيلته المتوارين خلف خفي إيحاءاته.

يشهد بهذا كل من قرأ للشاعر الحسيني، ويعترف له بأنه شاعر من العيار الثقيل، ويعمق شهادته أكثر حينما يسمع للشاعر وهو ينشد قصائده فيرى مراكب اللغة الشعرية العذبة تتدحرج من على شفتيه ويسمع للإيقاع رنينا يُوقع على حركات جسده، ويشهد المعاني القوية تشحذ بين يديه، ويتابع تدفقات الصور تنساب في فضاءات التلقي التي يدفئها الحضور الخفي لعشاق الكلام الجميل، والنغم الحلو، والأخيلة المجنحة.

وبكل تلقائية رهيفة ينقل الشاعر الحسيني قارءه وسامعه في رحلة شعرية جميلة عبر مسافات الزمن، ويلج به حضرات عمالقة الشعر العربي ومجالسه التاريخية، وحاضراته الأدبية، فلا يسخوان بعدها أن يفلتا تلابيبها، ولا أن يغادرا مراكبها ويحسان أن الزمن توقف على رحلتهما الشعرية الأثيرة، ويطمئن الشاعر أنه أغنى جيش الشعر بملتحقين مخلصين شدهوا بما شاهدوا، وانغمسوا فيما سمعوا، وحلقوا وما لحقوا.

ولا أخفي سرا حينما أصرح بأني كنت مرة ومرات من قرائه وسامعيه، ودفعني ذلك إلى إنجاز قراءات في شعره (3)، وها أنذا اليوم أقف بين يدي ديوانه الأخير “هكذا الماء” ليخصصني بمرتبة متقدمة في جيش متلقيه ويجعلني ثاني قرائه، بعد قراءة مبدعه، ويُحملني من ثقل مسؤولية السبق على مقاس عظم التشريف، ومن جسامة التحميل على قدر جسارة التكليف مستحضرا تفاعلات التلقي، ودوره في فتح منافذ النص، واقتراحسبل التعاطي معه مؤسسا لرتبه ونوعية الفاعلين فيه.

وبإلقاء نظرة على ديوان “هكذا الماء” تتبدى ملاحظات يسعدني أن أتقاسمها مع قاريء الديوان، لعله يوافقني الرأي، فيعدلها ويطورها، وقد يغيرها؛ ولعله يخالفني ذلك، فيأتي بنظرات مغايرة تماما، ويكون لي فضل إثارته واستفزازه، وتحريك ذائقته، وبعث معاييره.

ومن تلك الملاحظات أن قصائد هذا الديوان تشهد تكاملا نصيا بين العنوان وأبيات القصيدة، بحيث يرسخ سلوكا في العنونة، يساعد على تحديد بعض أهم مفاتيح النص، في نظر كاتبه طبعا، والتي تيسر السبيل إلى مغالقه، وتمهد الطريق إلى ولوج مخابئه. ولقد جرى الشاعر على سنة عرفها الشعر القديم، ولم يلزم البحث العلمي نفسه مشقة تحديد مصدرها

وأصولها، أهم الشعراء، أم الرواة، أم القراء، أم النساخ، أم الناشرون؟؟؟ وفي انتظار ذلك يبقى لزاما رصد الظاهرة عند الشاعر الحسيني، متجلية في عنونة النص بعبارة مستمدة من أحد أبيات القصيدة في معظم الأحيان، بإيراد واحد مرات لون وريدك بالليمون: ص 3 الشطر الأول من البيت الحادي عشر . هكذا الماء: ص 8 الشطر الأول من البيت الواحد والعشرين . يعود بعد فراق النخل ص 10، الشطر الثاني من البيت السادس . على ممر الهوى ص 25، الشطر الأول من البيت الثالث عشر – سلام على الشمس: ص 27، الشطر الأول من البيت الثاني عشر . من وقدة الشمس: ص 29 الشطر الثاني من البيت السابع . أفواههم تلد الفهود: ص 34 الشطر الثاني من البيت السادس . يوم أموت حرا: ص 37 الشطر الأول من البيت السابع والعشرين – سلوة الأنفاس: ص 40، الشطر الأول من البيت الثامن . في مدار الكون: ص 42، الشطر الثاني من البيت الثاني . بصدق الفعل حف: ص 44، الشطر الثاني من البيت السابع . [القصيدة الخضراء: ص 45، الشطر الأول من البيت السادس)؛ أو بإيرادين، وذلك قليل (على المشارف أوردها الشاعر مرتين، مرة في ص 13، الشطر الأول من المطلع ومرة في ص 16، الشطر الثاني من البيت الأخير . نظرة في الإوز : أوردها الشاعر مرتين، مرة في ص 21، الشطر الأول من المطلع ومرة في ص 23، الشطر الثاني من البيت الأخير؛ أو معنونة بكلمة مستمدة من أحد أبيات القصيدة، وذلك جد نادر رابعه ص 38، وردت في آخر البيت الأول؛ وفي ص 39 آخر البيت الثاني عشر). ولم يكن العنوان مفتقدا في نص القصيدة إلا في إيراد وحيد (رأيت الليل.) ( بين يدي: صص 20.17)

ويبدو انتقاء العنوان مما ورد داخل النص ظاهرة تكرارية، تعمل على الرفع من نغمية القصائد، وتنضاف إلى ما يشاكلها خارج العنوان، مما شهدته القصيدة من تكرارات نصية كانت على شاكلة شطر، أو عبارة.

ولعل هذه النغمية تعلو وترتفع حتى تصل من الغنى ما يثري الإصغاء، ويبهج النفس، ومن الغناء ما يطرب الأذن، ويُرقص الإحساس، بهزة الكتف الروايسية (4) [5]، ودكة القدم السوسية (5)، في قصيدة عنون بها الديوان: هكذا الماء (صص (85) على قياس نغم الماء الدفاق، الذي يملأ صحبه وخريره الآفاق، بتواتر أبدي لا يكل، وتوارد سرمدي لا يمل. والشأن نفسه في قصيدة على ممر الهوى صص 24 ـ 25).

وعلى قياس عنوان الديوان وعنوان إحدى قصائده نقول: “هكذا الحسيني” الإيقاعي المنعم، النشاد المرتل المتقمص للطبيعة في رمزية عالية لا تقف بالشعر عند حدود اعتناق الطبيعة، مستعيرة النفس الرومانسي، ولا تقارب الرموز البسيطة، التي لاكها شعراؤها حتى اهترأت وذبلت، ولا تغرق في الاجتلاب القسري للرموز، حتى بنت شعرها طلاسيم مثلما صنع الرمزيون، ولكنه يُوَلّد المعنى الجميل، ويكسوه النغم العالي (عَل … يا لا لللي (…) من قصيدة “هكذا الماء”، ويخلق القصيدة الرمز، أو إن شئت قل: “هو الرمز القصيدة”.

وبالاقتدار نفسه يتلاعب بالصورة الرمز، فيزركش رمزيتها بتلاوين مبعثرة ما بين مستهل النص وختمه في صفرة الشط أو من زرقة البحر البيت الأول ص (28) . من صفرة الشط أو من زرقة البحر البيت الخامس والأربعون ص (33) من قصيدة من وقدة الشمس”.

هكذا الحسيني في صلابة المبنى، وقوة المعنى، كما عرف لدى قمم الشعر العربي القديم نفس المتنبي أبي الطيب أحمد بن الحسين (354هـ). وعزته ونخوته، وشموخه وإبائه، وشرف ألفاظه، وملوكية معانيه في تمكن شعري عز نظيره، يترفع عن السفساف، وفي الآن نفسه يقربه من لغة تُعلن تصالحها مع القاريء المعاصر، من خلال استمداد شيء من لغته الرائجة ومعانيه المتداولة، وأخيلته الافتراضية.

هكذا الحسيني صاحب الأثلاث الثلاث: دعني كذاك نبيا ثلثه أدب وثلثه عبث وثلثه كمد (ص 15 من قصيدة على المشارف.)

هكذا الحسيني في نفسه الذاتي العالي (لون وريدك بعد فراق النخل . على المشارف. رأيت الليل بين يدي . من وقدة الشمس، ورنات عشقه الشفيف نظرة في الإوز – على ممر الهوى . سلام على الشمس)، والتياعاته الثورية الصادقة (أفواههم تلد الفهود. يوم أموت حرام)، ومنزعه السياسي الذي لا يداهن ولا يهادن (رابعه)، وانغماسه في الحياة الثقافية المحيطة به، من تقريض كتاب (في مدار الكون)، أو رثاء علم (بصدق الفعل حف)، مع متابعاته اليومية لوسائل الاتصال بروحه الصافية المنسابة في هدوء الليل المتوهجة مع سنى الفجر (سلوة الأنفاس)، وانشغالاته التربوية، ورسالته المهنية (القصيدة الخضراء).

ولقد بدا لي صاحب “سلوة الأنفاس” في هذا الديوان، وفي غيره من منتوجاته الشعرية المخرجة لاستفزاز القراء، المحرجة لاستكانتهم، والمستلقية على وسائد الشاعر، المؤنسة له في خلوته، المقضة لمخدعه، متميزا بأنفاس أربعة:

  • النفس الحكمي تنبعت من الشاعر الحسيني معادلات حكمية مستنبطة من علاقات الشاعر مع مختلف الفئات الاجتماعية مترعة بنخب الحياة، وتجريب شتی مواقفها وتعاطي نكهات عصائرها، وارتشاف رحيق التذاذاتها، ومعاناة أليم جراحاتها، وعميق اكتواءاتها.
  • النفس التأملي : قلما يبتعد هذا النفس عن سابقه الحكمي فهما رضيعا لبان ومن قدر على إصدار نفثات حكمية، كان أقدر على تعميق نظراته، وترسيخ ارتكازاته وتجميع رؤاه حول مسار حياة أو قضية أو صورة أو موقف أو معنى ليصبه في قالب شعري بديع يطبعه بروحه المتفلسفة التواقة إلى الأمثل، المتنصلة من الزائف والاعتيادي واليومي والمستهلك.
  • الحس القوي لا يرى الحسيني الشعر إلا قويا، ولا يرضى له إلا بالشاعر القوي الصلب المتماسك، ويصر على أن تكون لقوته تمظهرات عديدة، إن على مستوى اللغة، أو على مستوى المعاني، أو على مستوى الإحساس، أو على مستوى البناء. ويستحضر القوة حتى في أبعد المواضيع عنها، فهو في شعر الحب الذي يفترض فيه اللطف والرقة والحنان، وما يترجمها من يسر وحلاوة وبساطة وألفة، يصر على أن يبقى في خياره القوي مقولبا الحب بتجليات ذلك الخيار. ولا تخطئك صلادة الشاعر، ولا تغيب عنك شدة أسره، وتماسك تركيبه، ومتانة شعره، حينما تقرأ له مثلا قصيدة ” نظرة في الإوز” (ص 21)، وقصيدة “على ممر الهوى” (ص (24)، وقصيدة “سلام على الشمس” (ص 26)
  • النفس الهزلي: من يقرأ شعر الحسيني يعرف فيه طبعه الهزلي الميال إلى اللهو الجميل، والعبث الرزين، والهزل المبدع، هزل الأذكياء والفنانين والمبدعين، الذي لا يفلت اللحظة دون أن يبصمها بتعليق، ولا الموقف دون أن يعنونه بنكتة، ولا الجلسة دون أن يجللها بروح الدعابة، ولا اللقاء العابر دون أن ينفث في أذن صاحبه ما يُدخل على نفسه البهجة، ولا الحوار دون أن يقلب حروف كلماته، ويغير مواقع ألفاظه، ويعبث بمسار تراكيبه فيبدو كساحر كلام، يتحكم فيه تحكم الخبير، ويثير في سامعه نشوة الإعجاب، وتحليق الفرح، وينتشله، بخفة الساحر، من همه اليومي، وكمده المعيشي، والتفافات السوداوية المحدقة، ومزالق الأفخاخ المحبطة.

فمن يقرأ شعر الحسيني يقرأه بكل هذا، ومن يعرف شخصه، ويسبر معشره، يُقرّ بكل هذا وأكثر، بما حباه الله به من طيب الخلق، وحلو الرفقة، ونقاء السريرة.

ولا تفوتني ملاحظة خلو أذيال جملة مهمة من القصائد من التاريخ، ودعوة الشاعر إلى الاهتمام بها، مما يسهم في معرفة تاريخ إنتاجها، ويساعد القارئ على تتبع محطات الشاعر، وأهم ما تميزت به ويعمل على تتبعه وتقويمه، وهو يشكل أداة فعالة في رصد التاريخ الشعري للشاعر .

هكذا الماء يقودنا إلى الاستسلام في أمان وطمأنينة إلى البداهة، وما تعنيه من بساطة وتلقائية وعفوية، إلى تقبل الأشياء كما هي، إلى عدم التوقف عند المسلمات، إلى تعليق الفكر في غير المفكر فيه. ولكن ذلك يبقى في حدود المظهر، وكأنها خدعة من خُدع الإدراك التي لا تختلف عن خدع العقل والحواس المثبتة في حق الإدراك الإنساني؛ خدعة من خدع البصر والسمع والشم والفهم. وأما الحقيقة فإن البداهة الظاهرة تخفي خلفها تعقدا باطنا، وتداخلا غابرا، لا يراه إلا ذوي الأبصار الناظرة، والعقول المتأملة والفهوم المتسائلة، والعزائم المغامرة، والبصائر المشاكسة، والملاحظات المشاغبة، والإشارات اللافتة، والأسئلة المحيرة، واللغة المستشكلة.

هكذا قرأت الحسيني، وهكذا أفهمه، وبين قراءتي وفهمي أترك للقراء، كل على حدة، أن يتخذوا لهم مكانا متميزا في كوكبة القراء المستمتعين المتمعنين، المعانين الممتعين وأن يحددوا لهم مساراتهم الخاصة، ويختاروا لها العلامات المناسبة، ليأمنوا غوائل الرحلة، ويُؤمنوا المسير لمن يتعقبهم، وأكيد أنهم سيكونون رؤاهم الخاصة، وسيختلفون حول تفاصيل كثيرة، ولكنهم سينتهون إلى أن شاعرنا شاعر ممتع ويستحق القراءة، وجدير بالترقب فجعبته ملأى بالمفاجآت الجميلة.

 

الإحالات

 

1- الروداني: نسبة إلى مدينة تارودانت”، إحدى الحواضر التاريخية للمغرب قديما، ومدينة من مدنه الجنوبية حاليا.

2 – دواوين الحسيني:

  • ومضات روح، أكادير، ماي 2001
  • إشراقات روح، أكادير 2002
  • على ضفة الأمل، أكادير، 2004
  • عطر الخرامی تارودانت 2010
  • وجه الله وعيناي الرباط 2013

3 – نظرات في عطر الخزامي سبق وأن تشرت في موقع الأستاذ عباس ارجيلة. سنة صدور ديوان عطر الحرامي

4- الروايسية: نسبة إلى الروايس، وهو لون من ألوان الأداء الغنائي الأمازيغية الشائعة في جنوب المغرب.

5- السوسية: نسبة إلى منطقة سوس، جنوب المغرب، وقد اشتهر أبناء المنطقة بإيقاعاتهم المتقنة بواسطة الضرب بالأقدام على الأرض، عربا كانوا أو أماريغ.

 

ناقد من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً