الرئيسية / الأعداد / الهايكو العربي: بين دهشة اللحظة وصراع الأسماء – حسن عبد السلام أبوديّة

الهايكو العربي: بين دهشة اللحظة وصراع الأسماء – حسن عبد السلام أبوديّة

مقالات عن الهايكـــــــــــو

الهايكو العربي: بين دهشة اللحظة وصراع الأسماء

حسن عبد السلام أبوديّة*

 

 

دعونا نتساءل بصراحة: ما الذي يجعل قصيدة بثلاثة أسطر، هي الهايكو،ترعب بعض المثقفين أكثر مما تُرعبهم الحداثة الغربية بأكملها؟

لماذا يستفز بعضنا أن يكتب شاعر عربي “ومضة يابانية”؟ هل هي عقدة الشكل؟ قصر النفس؟ أم أنها “خيانة عظمى” لقصيدتنا العربية التقليدية: الطويلة، الموسيقية، المُزخرفة، التي لا تنتهي إلا بإنهاك الشاعر والقارئ معًا؟

الهايكو فنٌّ ياباني عتيق، لكنه حين انتقل إلى الغرب، لم يُواجه بسؤال الهوية، بل احتُضن كاختزال للدهشة. أمريكا وأوروبا أسّستا له مدارس، فُتحت له المجلات، وصار جزءًا من الثقافة العالمية الحديثة، لم يُطلب منه الحصول على تأشيرة ولا أن يغيّر اسمه. بل احتُضن بوصفه اختزالًا للدهشة.

لكن حين تسلّل هذا الفن إلى اللغة العربية، وجد نفسه يُستقبل لا كضيف، بل كـ”لاجئ ثقافي” يتوجّب عليه أن يُبرر إقامته، وأن يطلب الإذن من حماة “الهوية الشعرية”.

طُلب منه إثبات النسب، واجتياز اختبارات اللغة، بل وحتى تغيير هويته: “قصيدة التصويرة”، “الهكيدا”، “المقطعية”، “الومضة الطبيعية”، كأنّ الشعر لا يُقبل في أرضنا إلا إذا غيّر جلده، أو تبرأ من أصوله.

ومع هذا، لا يمكن إنكار أنّ شيئًا جذريًّا تحرّك في المياه الرّاكدة حين بدأ شعراء عرب في تبنّي هذا الشكل. قصيدة قصيرة، خاطفة، ل. قصيدة لا تعتمد على الوزن، ولا تتكئ على البلاغة الزائدة.

 

وهنا بدأت المعركة الكلاسيكيّة:

هل هذا شعر؟

أم نثر؟

أين البحر؟

أين الغنائية؟

أين عمق المجاز؟

لكن السؤال الأخطر هو: من قال إن الشعر لا يكون شعرًا إلا إذا خضع لشروطنا القديمة؟ من منحنا الحق في تحديد ماهيّة الشّعر؟

وما زاد الطين بلّة أنَّ معركةَ الهايكو العربي لم تكن على القصيدة فقط، بل تحوّلت إلى صراع على اللقب أيضاً.

من هو أول من كتب؟

من هو الرائد؟

من له الحق في “تدشين المدرسة”؟

كلٌّ يريد أن يُدوَّن اسمه على حجر البداية.

لكن هل هذه معركة لصالح الشعر؟ أم معركة أنويّة تُديرها الألقاب لا القصائد؟

وأتساءل هنا، ألم نستورد الرواية؟ المسرحية؟ السينما؟ ألم نتغذَّى لعقود على أشكال سردية وفكرية “غربية” دون أن نشعر أنّنا نخون اللغة أو نخرق الأصالة؟ لماذا وحده الهايكو يُواجَه بكل هذا الحذر؟

لماذا حين كتَب العربُ الرواية عن الأوروبيين، والمسرحية عن الإغريق، لم يُتهم أحدٌ “بخيانة التراث”، لكن حين كتبوا ثلاثَ أسطر على الطريقة اليابانية، قامت الدنيا ولم تقعد؟

ربما لأن هذه أول مرة تتّجه فيها الذائقة الشعرية العربية إلى الشرق لا إلى الغرب. ونحن – وإن لم نعترف – أُعجبنا بغربنا حدّ العمى، وأصابتنا “رُهاب المشرق”. أم لأنّنا لا نخشى “الغرب” الذي نحاكيه، بل “الشرق” الذي يوقظ ما نسيناه في أرواحنا؟

الهايكو قصيدة لا تُشبهنا في الظاهر: قصيرة، جافة، باردة، لا غنائية فيها، لا مشاعر صارخة، ولا استعارات ملتهبة. لكن في جوهرها، هي أقرب إلى التصوّف العربي، إلى لحظة الدهشة الصامتة، إلى الإدراك دون وساطة. بل إنها – paradoxically – قد تكون القصيدة العربية التي طال انتظارها.

قصيدة تُحرّرنا من ثقل البلاغة، ومن عُقدة الأوزان، ومن البكائيات الموروثة.

قصيدة تقول الكثير بالصمت، لا بالصراخ.

نحن، في الحقيقة، لا نناقش الهايكو، بل نُعيد إنتاج موقفنا من “القصيدة القصيرة”، من “الشعر الذي لا يشبهنا”، من “الدهشة التي لا تمرّ عبر الخليل بن أحمد”.

المفارقة أن الهايكو – الذي لا يرفع صوتًا – قد حرّك أكبر قدر من الضجيج في ساحات الشعر العربي. لعل من المثير أنّ هذا الصراع لم يدمّر الهايكو… بل فضح هشاشة بنيتنا الثقافية.

ولعل ما زاد من تعقيد المشهد أن الصراع حول الهايكو في العالم العربي لم يكن إبداعيًا بقدر ما كان تنافسيًا على الزعامة الرمزية، لأنه ليس صراعًا حول الشكل فقط… بل صراع على سلطة التسمية، وسلطة الإذن، وسلطة الريادة كما أسلفت.

كلّ شاعر أراد أن يسميه باسمه: هذا يطالب بتسميته “التصويرة”، وذاك “الهكيدا”، وآخر يرى أن كلمة “هايكو” نفسها استعمار لغوي.

حتى الأسئلة التي طُرحت كانت أقرب إلى المعارك الفقهية منها إلى النقد:

هل يجوز المجاز؟

هل نُبقي على التفعيلة؟

هل نكتبه بالعربية أم نُترجمه عن روحه؟

هل هو شعرٌ أم نثرٌ مرتجل؟

وهكذا، بدل أن نحتفل بأن قصيدة صغيرة انتزعت منّا كل هذا الجدل، حوّلنا الهايكو إلى ساحة تنازع رمزي، لا تُنتج مدرسة بقدر ما تُنتج أسماء تطالب بلقب “الرائد”، وتخشى أن تذهب الريادة لغيرها.

لكن الحقيقة أن المغرب العربي كان أذكى. لم يُعقّد المسألة. كتب الهايكو، وطوّعه، وجعل منه جزءًا من حداثته الشعرية.

في حين ظلّ المشرق مشغولًا في نقاش:

“هل يجوز أن نكتبه أصلاً؟”

فهل هي معركة ذائقة؟ أم معركة سلطة شعرية مهددة؟

 

والسؤال الأخطر: هل هذا الجدل حيويٌّ يُثري التجربة؟ أم أنه يحاصرها؟

هل هذه الانقسامات تدفع نحو تأسيس مدرسة هايكو عربية حقيقية؟ أم تفرّغ الفن من جوهره وتحوله إلى ماركة خاصة يملكها من يصرخ أولًا؟

لكن ما لا يدركه معظم المتنازعين، أن الهايكو، في أصله، لا يحتاج إلى مدارس، ولا يتوسّل جوائز، ولا يطلب التصفيق.

إنه فنّ الزوال الخاطف.

يكتبك، ثم يختفي.

يضيء داخلك، لا على المنصّة.

فإذا كانت القصيدة العربية التقليدية تقول: “انظر إليّ”،

فإن الهايكو يقول: “أنظر إلى ما أنظر إليه أنا، ثم انسني”.

ولهذا، يخشاه كثير من شعرائنا، لأنه لا يُخلّد أسماءهم، بل يحرّض أرواحهم.

 

ختاماً:

 لتكن لدينا الجرأة بأن نعترف:

نحن لا نخاف من الهايكو لأنه يهدد القصيدة…

بل لأنّه يفضحنا:

فنحن نحبّ أن نُشبه الشعر، لا أن نُصبحه.

أننا لا نخاف من الهايكو لأنه فن غريب، بل لأنّه مرآة تُرينا إلى أيّ حدٍّ أصبحنا نكتب الشعر لنُكرّم، لا لنندهش.

نحب أن نُطيل الكلام عن الدهشة… لا أن نعيشها، والهايكو لا يمنحك هذه الرفاهية.

إنه يشترط عليك أن تصمت في اللحظة التي يبدأ فيها الشعر.

 

ناقد من

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً