وقفَةٌ مَعَ النفسِ.

حسام الدينِ أبو صالحة*
في زمن غدا كالبحر المتلاطم بأمواجه العالية، تدفعها أنواء عاتية، نبحر على شواطئه المضطربة، والتي تعج بمتناقضات أخلاقية مضطرمة، وتزخر برياح دامغة من سلوكيات غير مرعية، وتبوء بأعماق من الأفعال غير سوية، تحملها إلينا منصات الزيف الاجتماعي؛ والتزين؛ للإيقاع في الشرك بكل المساعي؛ حيث تصبغ الوجوه بألوان زائفة، وتتشح الأجساد بأثواب غير رائقة.
- فبوسائل التجمل الاجتماعي، والتلون بلا داع، نسبح في لجج من الغرائب السلوكية، ثم نغرق في تيار عارم من المتناقضات الأخلاقية، كالناظر من وراء أستار براقة إلى حقائق مظلمة، ونوازل معتمة.
- هنا على جدران الفيس بوك، تنصب مسارح الوهم، وتعلق ستائر الخداع، ناصبة نصالها صوب القلوب بكل سهم، ثم تلوكها بألسنتهم بكل نهم، وبسجية ندية للبعض منا لا تعرف للكذب طريقا، ولا للنفاق مسلكا، تطل من آطام براقة على نوافذ خادعة، ترى فيها شياطين الإنس في حلل ملائكة، وتلمح قساة القلوب في مسوح زهاد ركع، وعباد خشّع.
- يا للمفارقة! إنها كلمات تنساب كالماء العذب بأفعال تداس؛ فتدْمي القلب، هي ابتسامات مرسومة على الشفاه، بقلوب مثقلة بالضغائن، وعبارات نور تشع بريقها بين السطور، بواقع حالك، كليل معتم بالسواد يفور، وما ذاك سوى برهان ساطع على انفصام مريع بين القول والفعل، ودليل قاطع على انفصال شنيع بين الحقيقة والخيال؛ لتنافر واسع بين الشكل والمضمون، وبين شاسع بين الجوهر والعرض، واختلاف ناصع بين الدواء والمرض.
ــ إنها شيزوفرينيا أخلاقية فجة بافتعال متعمد؛ لإيهام الناس بالشكل الأمثل والفعل الأكمل، وهذا محال؛ فكل منا ينقصه جوانب يكملها الآخرون، وهو بذات الوقت يتم للآخرين ما افتقدوه؛ إذ العبرة أن يراك الناس كما أنت، لا كما تريد.
- فما أيسر التجمل على مسرح الحياة! وما أعسر الصدق حين تزال الأقنعة، ويكشف الغطاء، وترفع الأقبية! وما أيسر أن تقول بغير فعلك، ويناقض عملك كلمك! ولكن الأنكى والأقوى أن ترسخ كالجبال، فتصدق حين يخور الرجال.
- لذا كان لزاماً علينا أن نقيس ترمومتر ضمائرنا؛ لنعرف مقدار فاعليتها، وأن يقف كل منا أمام مرآة أخلاقه؛ ليرى مدى انعكاس أفعاله ما بين الحقيقة والخيال، ما بين حسن الواقع وسوء الخبال.
فكم من مدع صفاء نية، ونقاء قلب، وإخلاص ود، وهو ألد الخصام، لا يرعى قربا، ولا يصون عهدا؟!
إذ المحبة شعور نبيل، وإحساس أصيل، لا تنال بالادعاء، ولا تشترى بالرياء.
فالكل يدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر له بذاك.
إذا اشتبكت دموع في خدود، تبين من بكى ممن تباكى.
- فحين تختلط الدموع على الخدود، لم يكشف الغش إلا صادق العبرة، ومخلص الود، حينئذ يعرف الباكي ممن تباكى؛ إذ يميز الماء الدافئ المنسكب بحرارة الشعور وقوة الانصهار، من الماء البارد المستعار من أعين كاذبة لا تعرف صدق الانكسار.
- ففي خضم الحياة، وتقلب أحداثها، واشتباك همومها، يحتاج المرء إلى أن يشتري ذاته قبل احتراقها، وأن ينقذ نفسه من دركها؛ بزيف المقال، وسوء الفعال نأيا بها عما لا داعي له من رياء، ونفاق، وكذب، وخديعة، ومراء بأي منصة إلكترونية؛ فما أحوجنا جميعاً إلى لحظة صفاء، وساعة استرخاء يجلس فيها الفرد مع نفسه جلسة صدق، ومراجعة! إذ هي وقفة ترفع الحجب عن القلب، وتزيح الغشاوة عن العين، وتهدي البصيرة من الحيرة، فيبصر المرء حقيقة حاله، ويعرف موطن ضعفه، ويدرك موضع تقصيره، ومآله.
كاتب من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي