جماليَات الموروث الحرفي في “الخزف” من خلال تجربة حرفيَات سجنان
سنية فارسي*
تمهيد
عرف الخزف في تونس منذ العصور القديمة وقد تركه الإنسان كسجلَات أثريَة يستدلَ بها على حياته، حيث تعتبر آثار هؤلاء الأسلاف سجلاَ لإبداع الإنسانيَة وذاكرة حافظة لقيمها، ومقوَما من مقوَمات هويَتها الحضاريَة.
لذلك تعتبر دراسة الخزف التقليدي التونسي من المواضيع التي تثير الانتباه وتشدَ الباحثين، لما فيه من تنوَع وثراء فهو مرآة عاكسة لحضارة الشعوب باعتباره تراث الأمَة. فهو ما نرثه من جيل لجيل بالتعبير عن الأصالة والتجذَر ضمن إطاره التاريخي والجغرافي، وهو يبقى بعد فناء الأسلاف أي له قيمة باقية من عادات وآداب وقيم وعلوم وفنون، ف”كانت الطينة من أولى المواد التي استخدمها الإنسان فقد صاغ منها أوانيه وتماثله على مختلف أشكالها…”[1]. هذا ما يعكس مهارة وابداع خزافة-ملَاسة سجنان في فنَ الخزف اليدوي الذي يعتبر كنزا ثقافيَا يجسَد التاريخ والهويَة للمجتمع فهو جزء من التراث الثقافي غير المادَي.
تعدَ تجربة الخزَافة-الملاَسة بسجنان، تجربة مهمَة في حقل الموروث الحرفي فهي تشكَل حيَزا خاصَا في مجال الإبداع، من حيث إضفاء الجمال الفنَي على عجينة الطين، لممارسة الخزف اليدوي الذي يعتبر من أقدم وأشهر الفنون التي تعاقبت عليها عدَة حضارات خلال ثلاثة آلاف سنة، كانت سببا في إثراء المخزون التراثي الخزفي وتنوَعه.
علاقة خزف سجنان بالإطار الجغرافي والتاريخي
عندما نريد التحدَث عن الخزف التقليدي التونسي يجب أوَلا وضعه في سياقاته الثقافيَة وفي إطاره الجغرافي والتاريخي، لأنَنا سنرى لاحقا أنَ الخزف التونسي يختلف حسب ما إذا كان متَجها في المدينة أو في الريف من قبل الحرفيين أو الحرفيَات. كما أنَ الخزف في تونس يصنع في إطارين كبيرين مختلفين وحسب عمليَات متنوَعة، ممَا يفسَر التنوَع ليس فقط في أشكاله، ولكن أيضا وقبل كل شيء في زخارفه، إلى درجة أنَه يتحدَث عن وجود ثقافتين فرعيتين في التراب التونسي، الإطار الجغرافي والتاريخي هو عنصر حاسم في هذا الجانب.
تاريخ لا شكَ أنَه يعكس أصل هذا الخزف ويحدَد بالتالي جذوره الأولى، كما أنَ التاريخ يشير أيضا إلى الشعوب التي مرَت من هنا والتي أثَرت بطريقة أو بأخرى على الثقافة القائمة من خلال الافتراض الذي ينشأ عن الاتصال بين المجتمعات المختلفة التي تشكَل الجسم الاجتماعي.
الإطار الجغرافي يحدَد أيضا، ضمن حدود قدراته البيئيَة “الزخرفة” على سبيل المثال من حيث أنَ جميع عناصر الزخرفة التقليديَة يتمَ اختيارها من البيئة المباشرة للخزَافة-الملاَسة، لذلك تعتبر البيئة الجغرافيَة هنا عنصر يؤخذ بعين الاعتبار، تتكوَن هذه البيئة من جبال يستخرج منها الطين وكذلك شجيرات تختار منها الأوراق التي ستعطي الألوان اللاَزمة بعد التحضير، فهي كثيرة في الإطار الجغرافي الجبلي بقرية سجنان، بخلاف ذلك لا توجد أي ثروة طبيعيَة، وبالتالي يتَضح أنَ السياق التاريخي والجغرافي والإيديولوجي يؤثَر على نوعيَة الطين الغنيَ بالكلس من ناحية أولى، وعلى الزخرفة من ناحية ثانية.
سنحدَد من هذا الجزء الذي يتعلَق بالسياق الثقافي للخزف اليدوي في سجنان أي الفخَار، هذه الممارسة في سياقها التاريخي والجغرافي والثقافي…بالرجوع إلى انتمائها المزدوج إلى المناطق الريفيَة التونسيَة من حيث أشكال فخَارها من جهة، وإلى المناطق الريفيَة المغاربيَة من حيث زخارفها من جهة أخرى لذلك سوف نعرَف بقرية سجنان.
تقع قرية سجنان في المنطقة الوعرة والمعزولة في أقصى الشمال التونسي، في محافظة بنزرت، على بعد 100كم شمال العاصمة تونس، وتعتبر منطقة جبليَة مطلَة على البحر(صورة عدد 1)، وهي منطقة ساحليَة بين بنزرت شرقا والحدود الجزائريَة غربا، تتكوَن من تلال مرتفعة نسبيَا، مغطاة بشجيرات الميرت، تعلوها أشجار الصنوبر والكاليتوس والزيتون البرَي (صورة عدد 2).
كما اختلف الباحثون عن الجذور التاريخيَة لقرية سجنان، حيث اعتبر البعض أنَ اسمها ذو أصول عربيَة، ويتكوَن من كلمتين: “سج” وتعني الحجر البركاني من العصور الجيولوجيَة الأولى وهو ما يؤكَده وجود المغارات الحجريَة التي تعتبر من معالم هذه المدينة وتسمَى ‘الحوانيت’ وهي أقرب إلى المقابر الرَومانيَة (صورة عدد 3) أمَا “نان” فهو الخبز الذي ينضج على نار هادئة من الطين الكلسي. لكن في المقابل هنالك شق ثاني يرى أنَ “سجنان” يرجع إلى أصول أمازيغية باعتبار وأنها مازالت تحتفظ ببعض الشواهد الأمازيغية في القرية.
لقد احتلت الشعوب الأمازيغيَة في الماضي كلَ المنطقة الجغرافيَة التي تمتدَ من جبال المغود في شمال غرب تونس حتَى جبال الأطلس المغربي، لذلك نجد وأنَ الفخَار المنتج في هذه المنطقة يحمل انتماء مزدوج: الأوَل في الريف التونسي من خلال نمط الحياة الرعوي الذي يكاد يكون متشابها في جميع القرى، وبالتالي من خلال أشكال الفخَار المتناسبة مع احتياجات الحياة، والثاني إلى القرى الأخرى في المغرب العربي “القبائل وريف المغرب” من خلال الزخارف المرسومة فوق الخزف[2]
تؤكَد الدراسات التاريخيَة والأثريَة أن الفخَار الحالي المنتج في سجنان مشابه للفخار الذي كان يصنعه الأمازيغ القدماء قبل أكثر من 2000عام “تشذ التّراكيب الزّخرفيّة في الخزف الأمازيغي عن النسق الفكري والجماليّ في توظيفها للرّمز والعلامة. ونتلمّس ذلك من خلال الفخَار «القبائلي» بالجزائر أو فخَار «سجنان» بتونس، أو «هوليبيا» بالمغرب الأقصى. وهو توظيف إنشائي لفلسفة اجتماعية وجماليّة مرادفة للتصوّر الكلياني والشّمولي لمفهوم التطبيق والممارسة في الخزف الأمازيغي…”[3]
كلَ شيء يوحي بذلك بالفعل، لأنَ الأجزاء الكثيرة والمتنوَعة التي وجدت في شمال إفريقيا، تمثَل أواني تعود أصولها إلى فترات سابقة على الفترات الفينيقيَة والرومانيَة، وقد قال أستاذ التاريخ التونسي طارق المسعي “إن البربر صنعوا كل ما هو ضروري للحياة اليوميَة كأواني الطبخ والتخزين…ومع قدوم الفينيقيين الذين نشطت تجارتهم محليا وعبر موانئ البحر المتوسط كان لصناعة الفخَار نصيب كبير من اهتماماتهم حيث طوَروا في هذه الصناعة”.[4]
إذا تميَزت قرية سجنان بصناعة الفخَار بشكل تقليدي، يدوي الصنع، متوارث عن حضارات قديمة، وقد ارتبط بالمرأة الريفيَة بالأساس التي توارثته جيلا بعد جيل، فقد عرفت تونس صناعة الخزف منذ عصور بعيدة وتطوَر وتنوَع مع تنوَع الحضارات التي عرفتها البلاد، حيث اشتهر البربر بالفخَار اليدوي والذي لا يزال إلى اليوم رائجا، ويبقى فخَار سجنان اليدوي متميَزا نظرا لحفاضه على الموروث والتزامه بالمعايير والتقنية الخاصَة ممَا يكسبه بعد اجتماعي.
الجانب الفني والابداعي ودوره في بناء المعنى
إنَ الاهتمام بالفخَار اليدوي في سجنان ليس تاريخيا أو سوسيولوجيَا، وإَنَما أردنا إظهار غنى هذا الفن من الناحية الجماليَة والبصريَة باعتبار وأنَ جميع عناصر المفردات الشكليَة في حركتها الداخليَة، تقودنا نحو عالم يتكوَن من نظام المعاني حيث تتشكَل انفصاليَة بين الشكل والمعنى.
كان الفخَار اليدوي المشكَل من خلال تحويل الطين الذي عرفه الإنسان منذ فجر الإنسانيَة إلى تقنية أوَليَة في مسيرته الإبداعيَة، وتشكيلها بالكامل يدويَا بواسطة النساء والتي لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا في قرية سجنان. حيث تستخدم الملاَسة في سجنان تقنيات بسيطة جدا في إنتاج فخَار رقيق وناعم بشكل جيَد (صورة عدد9،8،7،6،5،4)، من خلال الأشكال والتقنيات والزخارف الخاصَة به وكذلك مجموعة طقوس يجب الالتزام بها بدقَة وحرفيَة فحسب محسن الزارعي “الفنان يجد أحيانا في التقنيات والممارسات والمواضيع الحرفيَة مجالات لإثراء تجاربه وخبراته بمشاريع وتصوَرات فنيَة متنوَعة…”[5].
يعتبر الفخَار في قرية سجنان فنَ وظيفي في هذه البيئة المعزولة يفرضه نمط الحياة الريفيَة على المرأة، التي يجب أن تتعلَم منذ صغرها كيفيَة تمليس الفخَار وتوارثه من جيل لأخر و “قد كشف لنا نقش الأواني الفخارية عن المتنفَس الأوَل للخلق الفنَي والإبداع، فالطين يعتبر تاريخيَا أوَل ما عرف في معظم الأثار بل أصبح خلفيَة لتدريب أي عالم آثار”[6]، فهي ممارسة شائعة وضرورة حيويَة وذلك للطهي ولتقديم الطعام وجلب ونقل الماء وتخزين المواد الغذائيَة على طول السنة، إذا تعتبر جميع الفخَاريَات المنتجة مصمَمة لتلبية احتياجات نمط الحياة التقليدي في الأرياف وخاصَة في سجنان باعتبار وأنَها تتَسم بالبدائيَة. وتقول الدكتورة فاطمة بالغيث وباحثة في التراث في حديث “ان الفخَار ميَز السجنانيَة عن غيرها من الحرفيَات في تونس” وشرحت عن كيفيَة استعمال الطين الجبلي من قبل نساء سجنان مرورا ببقيَة الإنتاج استلهاما من طرق الأجداد التقليديَة وصولا إلى عمليَة التسويق بإمكانيَات بسيطة[7].
تبدأ الملاَسة أوَلا بجلب الطين من أعالي الجبال، ثمَ غربلته للتخلَص من الحصى والشوائب، ثمَ وضعه في الماء وعجنه باستخدام الأرجل قبل أن تخلطه بمادَة “التافون” وهي بقايا الأواني القديمة وذلك للحفاظ على تماسكه ثمَ ترشَه بالملح[8]، وبعد حضور العجينة تقوم بتمليس أشكالها باستخدام أدوات طبيعيَة وتقوم بإضافة الطين الأبيض في الأخير وهو سر لمعانها، بعد أن يصبح الشكل جاهز يتم حرقه بالنار في حفرة كبيرة ثم تبريدها وعرضها للبيع.
تعتبر صناعة الفخَار في سجنان ليست حرفة عاديَة، هي عمل عائلي مثلها مثل الأعمال الأخرى التي تقع على عاتق المرأة، حيث تواصل الملاَسة صنع الخزف المتنوَع الذي يلبَي جميع احتياجاتهم من الأدوات المنزليَة بالإضافة إلى أشكال أخرى تمَ إدخالها حديثا في المجموعة مثل التماثيل الفخَاريَة التي تمثَل الدمى( صورة عدد 14،13) والحيوانات المختلفة، “الجمل، السلحفاة، البقرة، السمكة، الدجاجة، الطائر…” وهي تماثيل حيوانات مستوحاة من الطبيعة (صورة عدد 10، 11، 12) المزخرفة بعدَة زخارف خاصَة ومختلفة تميَزه عن الفخَاريَات الأخرى و”نعود كذلك إلى فكرة أنَ الطبيعة الخاصَة لهذه القطع الخزفيَة المستوحاة من البيئة نفسها، لكن مصنوعة بأياد مختلفة، هو ما يعطيها قيمة في رحلتها من سلعة معروضة للبيع إلى مادَة تمتلك جماليَا العمل الفني” [9].
تعتبر مرحلة الزخرفة مهمَة جدا في الفخَار اليدوي التي حافظت عليها وتوارثتها ملاَسة سجنان، حيث تمتاز باستعمال ألوان طبيعيَة يمكن اعتبارها بيولوجيَة وذلك في استخراج اللون الأسود من مسحوق ورق شجرة الذرو فيثبَت ماءه على الطين ويتحوَل من الأخضر إلى الأكحل البرَاق، أمَا اللَون الأحمر فيستخرج من المغرَة التي هيَ عبارة على محلول من الطين الأحمر الذي عادة ما يثبَت قبل الحرارة،[10] بذلك تكون الزخرفة الفخَاريَة متكوَنة من ثنائيَة اللَون وتتجمَع في مركز القطعة فتستخدم الخطوط كدلالة على التقسيم البدائي الذهني، وهو ما يذكَرنا بالحياكة البربريَة “فمنذ عصور ما قبل التاريخ كان الناس يستعملون التراب الأحمر والأصفر والأسود ليركَبوا الألوان ويرسموا على جدران المغاور”[11].
يمكن أن نلاحظ أنَ القطع الفخَاريَة تحتوي على مثلثًات ودوائر وأوراق بعض الأشجار البسيطة، تعتبر في أغلبها نقوش بربريَة ورسومات وأشكال تعبَر عن نمط حياة أهالي سجنان، ما يعكس تصوَرا بسيطا لفنَ فطري تقوم به نساء سجنان لم يدخل الفنَ المركَب سجلَها الحياتي اليومي. كيف سنخترق العالم غير المادي، الرمزي الذي يكمن وراء هذه الأنماط والألوان ذات المظاهر الجذَابة؟ كيف ستُقرأ النقطة والدائرة، والخط المستقيم والخط المنكسر، والأشكال الهندسية والعناصر التصويريَة، وما المعنى الذي ستحمله الألوان والتراكيب؟
الزخرفة هيَ فنَ من الفنون التشكيليَة تعتمد على عناصر نباتيَة أو حيوانيَة أو هندسيَة أو خطيَة، توزَع وفق قواعد تركيبيَة محدَدة كالتكرار والتناظر، والتقابل والتعاكس، كما عبَرت عن ذلك الباحثة في الحضارة الإسلاميَة إيناس حسني بقولها “وهكذا كانت العناصر الزخرفيَة لهذا الطراز مزيجا من جملة عناصر ورثها عن الفنون التي سبقته، فبينما تظهر فيه الدقَة في رسم الزخارف النباتيَة والحيوانيَة، ومحاولة تمثيل الطبيعة وغير ذلك ممَا امتازت به الفنون …”[12]فالزخرفة هيَ إضفاء الجماليَة على الأشكال مثلما فعلت ملاَسة سجنان للفخَار اليدوي وذلك بالاعتماد على التفكير والتخيَل في استعمال فنَ الزخرفة للتعبير عن عمق المعاني والأفكار للتعبير عن الجميل.
يعاش الفن ويستهلك من قبل الجميع في المجتمعات التقليديَة، فتزيين الفخَار كان بدافع الجمال ولكن أيضا لتغطيته برموز واقية أو جالبة للحظ، لأنَ التقاليد تقول أنَ الفخَار الوظيفي يعكس تناغما وجوديا بين الحياة والمادَة ويرى توفيق عيساوي في بحثه أن “الجماليون ودارسو فنَ الزخرفة المحدثون أن نشأتها، بصورة عامة، تعود إلى بعض العوامل وهي : أنَ الزخرفة بوسائلها البسيطة المبكَرة كما ظهرت على الأدوات الكهفية قد قامت على قوَة الفعل السحري وقدرة ما فوق الطبيعة التي كانت تقي الانسان من المخاطر والكوارث وتمنحه الطاقة الخلاَقة والمناعة تحت تأثير المقدس” [13] . هذا ما يجعل العلاقة بين الجماليَة والوظيفيَة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنتاج البشري عبر العصور وشكَلت موضوعا لنقاشات هامَة في تاريخ الفن، لا سيَما في الغرب لذلك سنتناول فحص العلاقة بين الجماليَة والوظيفيَة في الزخرفة في الفخَار الوظيفي العملي.
العلاقة بين الجماليَة والوظيفيَة في خزف سجنان
لقد أدَى ظهور التصنيع إلى حدوث تغيير غير مسبوق في تاريخ البشريَة فيما يتعلَق بالعلاقة بين الجماليَة والوظيفيَة، وقد أدَى ذلك إلى إعادة تعريف مفهوم الجمال نفسه وإلى إعادة النظر في الزخرفة التي كانت الوسيلة الأساسيَة للتعبير الجمالي عن الخزف اليدوي بسجنان، فكيف يمكننا الحديث عن الوظيفة الجماليَة، وعن الجماليَة في العمل الوظيفي خاصَة وأنَ العلاقة بين هذين المفهومين كانت بعيدة عن أن تكون ثابتة أو جامدة في تاريخ الفن؟
لقد كانت العلاقة بين الجمال والوظيفة، مفهومان مرتبطان ارتباطا وثيقا بالإنتاج البشري عبر العصور، موضوعا إشكاليَا بالفعل، وقد شكَلت محور نقاشات هامَة في تاريخ الفن، لا سيَما في الغرب. لقد أدَى ظهور التصنيع إلى حدوث تغيير غير مسبوق في تاريخ البشريَة فيما يتعلَق بالعلاقة بين الجمال والوظيفة. وقد أدَى ذلك إلى إعادة تعريف مفهوم الجمال نفسه، وإلى إعادة النظر في الزخرفة التي كانت حتى ذلك الحين الوسيلة الأساسيَة للتعبير الجمالي عن الإنتاج المادي.
من هذه الزاوية، سنقوم بإلقاء الضوء على بعض جوانب تراثنا الفخَاري بسجنان، هذه الزخارف التي نعجب بها اليوم ليست مجرَد متعة للحواس. إنَها وظيفيَة علاوة على ذلك، ماذا نعني بالضبط بوظيفة؟ هل هي الجانب العملي، المادَي، أم أنَ الزخرفة تحمل دلالة أوسع تشمل الجانب غير المادي، أي الدور الذي تلعبه الزخرفة في المجتمع التقليدي من خلال أبعادها المتعدَدة “البعد الاجتماعي، الروحي، النفسي، الثقافي، والهوية”؟
سنقوم بفحص العلاقة بين الجماليَة والوظيفيَة في الزخرفة الموجودة فوق الفخَار الوظيفي. كيف يمكننا التحدَث عن الوظيفة في الجماليَة، وعن الجماليَة في الوظيفة، نريد أن نظهر أنَ الزخرفة التقليديَة لخزف سجنان والتي تدرك غالبا من خلال بعدها الجمالي الظاهر كتعبير فنَي فوق القطعة الفخَاريَة الوظيفيَة، فمن يرغب في استكشافها سيجد في عمقها معنى، فكرة وفلسفة خاصَة، باختصار هيَ رؤية للعالم تتوسَطها علامات قد تبدو للكثيرين إلى حدَ اليوم ليس لها أهميَة أو غير مفهومة. تهمل الزخارف التقليدية في بعض الأحيان أو تعجب بمظاهرها البسيطة دون فهم المعنى والفلسفة الكامنة وراءها، في كلتا الحالتين يأخذ الزخرف وضعيَة دالٍ فقد مدلوله، ولكن هل يمكن اعتبار الفخار نشاطا حرفيَا فنيَا؟
تتجاوز الإنتاجات الحرفيَة للفخَار المتاحف والمعاهد، حيث تنتشر في عدَة أماكن أخرى كمنازل قرية سجنان ممَا يدلَ على أنَ الفن كان جزءًا لا يتجزأ من الهياكل المختلفة للحياة اليوميَة، ومنذ الأزل حاول الإنسان أن يترك بصمة زخرفيَة على إنتاج الأشياء التي يستخدمها في حياته. حيث يمكننا أن نعتبر الزخارف الموجودة في فخار سجنان تعكس القيم الثقافيَة لهذا المجتمع، ومن هنا تكمن أهميَتها بالنسبة لنا. الهدف هو تقديم نظرة تحليليَة على الزخرفة التي تحملها هذه الفخَاريًات من خلال بُعديها الجمالي والوظيفي.
إذا سيوفَر هذا التوضيح السياق العام للمعنى الكامل للزخرفة في المجتمعات التقليديَة كقرية سجنان، حيث كان نمط الإنتاج حرفيَا فكان هناك تفاعل بين الجوانب المختلفة للحياة بتداخل الجانب الجمالي بعمق في التجربة الفنيَة، فحسب محسن الزارعي فانَه “يتَصل بهويَة المنتوج التقليدي ووظيفته الاجتماعيَة والاقتصاديَة وبتقبَله لدى المستهلك”[14] فقد أصبح الزخرف يعبَر من خلال خصائصه الخاصَة عن هويَة المجموعة بأكملها وهويَة المجتمع الذي أنشأه.
الخاتمة
تمتلك تونس تاريخًا يمتد لأكثر من 3000 عام، وقد شهدت على أرضها تراكم آثار أعظم الحضارات الشرقيَة والغربيَة، الذي يفسَر وجودها من خلال فخَار سجنان الذي يعتبر تراث غنيَ تمَ إضافته إلى خلفيَة محليَة أمازيغيَة، ممَا شكَل الشخصيَة الأساسيَة للتونسي وقد أدَى هذا التزاوج إلى ثراء حضاري كبير تمَ تشكيله عبر الزمن.
كوننا جزءًا من هذه الثقافة وهذه الأرض، فإنَ إدراكنا للتراث الخزفي اليدوي ليس إدراكًا محايدًا وموضوعيًا تتشكَل فينا علاقة فطريَة بمجرَد أن نواجه هذا الفخار المتوارث من الأجداد. يعبرهذا التراث عن جزء من أنفسنا، ونجد أنفسنا مرتبطين به ليس فقط من خلال علاقة جغرافية بسيطة، بل من خلال رابط الانتماء والتجذَر، ومع تحديث المجتمع التونسي، تفصلنا مسافة معيَنة عن ماضينا، وتظهر انقسامات بين العمل والمعنى على عدَة مستويات. وهكذا، يتمَ إدراك معظم الأشياء التقليدية إمَا كأشياء غير متوافقة مع الزمن، أو تُقدَّر من قبل فئة من الجامعين وعشاق الحياة التقليديَة كعنصر استثماري أو علامة على المكانة الاجتماعيَة.
يعتبر الاهتمام بتراث الفخَار والوعي به، هو تعزيز للروابط التي تشكَلت عبر القرون بين الماضي والحاضر، وعدم الاهتمام به هو إنكار للذات فالشخصيَة الفرديَة تعدَ عنصرًا أساسيًا من الشخصيَة الأساسيَة للمجتمع. إن الانتماء إلى هذه الثقافة التي تمتدَ لآلاف السنين هو ما جعلنا نعتبر التراث ليس مجرَد مجموعة من الفخَار غير المتوافقة مع الزمن، القادمة من نمط حياة قديم ومجتمعات منقرضة، بل جزءًا من أنفسنا، ومن كياننا الاجتماعي المعاصر. التعمَق في التراث، والتنقيب في هذه الثروة التي تكمن في مؤسسات الحفظ وإضفاء الحياة على هذا الموروث التقليدي الذي تركه الأجداد، هو في الواقع تعزيز لاستمراريَته وإبراز الأسرار التي تخفيها أشكاله العديدة والمتنوَعة وجماليَاته.
إن هذا “الاغتراب” الذي يعاني منه فخَار سجنان وما يحمله من زخارف ورموز هو ما دفعنا لإعادة النظر فيه من منظور آخر، منظور لا يعتبره مجرَد انتاج فخَار وظيفي ثابت وشاهد تاريخي على عصر مضى، بل كعنصر ديناميكي، خصب، وأساسي من “هويتنا”. وانطلاقًا من حقيقة أن دراسة التراث تعترف باستمراريَة الهويَة، أردنا في هذا العمل دراسة جانب من هذا التراث وهو الفخَار التقليدي بقرية سجنان.
لذا، يتجاوز فخَار سجنان وزخرفته المظهر الخارجي ليصل إلى الجوهر، ومن هذا المنطلق فقد وقع المحافظة على جانب من هذا التراث الإنساني لما يحمله من أهميَة، جعلته يدرج ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي لمنظَمة الأمم المتحدة سنة 2018. بذلك دخل فخَار سجنان التراث العالمي وذلك كاستمراريَة للهويَة وللتراث كقيمة، خاصَة وأنَه يثمَن المواد الاوليَة والبيولوجيَة ممَا جعل مجمد حشيشة مدير المركز الوطني للخزف الفنَي يقول بانَه “يجب ألَا يتأثَر بعوامل التحديث أو إدخال لمسة عصريَة عليه. حيث أنَه لا يمكن أن ندخل عليه تعديلات هجينة على مستوى الشكل أو اللَون تفاديا لمحو مميَزاته البربريَة التونسيَة”[15]


المراجع
العربيَة:
– الهوية والابداع في الصناعات التقليدية اليوم، نصوص جمعها ونسَقها وقدَم لها محمد محسن الزارعي، منشورات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس 2005.
– حامد العجَاني، المهديَة والمنصوريَة عاصمتان في العهدين الفاطمي والصنهاجي.
– ابن الآثير، الكامل في التاريخ، ، دار الكتاب العربي، بيروت 1983م، من ج 6إلى ج 11.
– ابن عذَاري المرَاكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، دار الثقافة بيروت ج 1.
– الحياة الثقافية، مجلة شهرية تعنى بالفكر والابداع، تصدر عن وزارة الثقافة، الجمهورية التونسية، مقال بعنوان ملامح الهويَة في نماذج من التراث المادي وغير المادي، تحت عدد 251، ماي 2014.
– ابن ناجي، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، تحقيق إبرهيم شبوح، مكتبة الخانجي بمصر، 1968، ج2، ج3.
– عثمان بن طالب، مختارات تونسية في النقد والفكر، منشورات اتحاد الكتاب التونسيين، تونس 2004.
– ونرو توماس، التطوَر في الفنون، جزء3، مراجعة أحمد نجيب هاشم، تعريف عبد العزيز توفيق وآخرون، دار مطابع الهيأة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972.
– الأحمر المولدي، انتقائيَة التكَك والنمو في الأرياف التونسية، التحوَلات الحديثةةفي الصناعات اليدوية المنزلية بسجنان، دار سحر للنشر، تونس جانفي 2003.
– محسن أمين، مقال بعنوان “فخار سجنان حرفة يدوية لم يخفت بريقها منذ قرون في تونس” بمجلة العين الإخبارية في 04-02-2022. أنظر
Al-ain.com/article/sejnen-Tunisia-clay-women
الفرنسيَة:
Nozha skik, Adenen Louhichi, Les potières de sejnanes des femmes et savoir-faire, Tunis, Edition Finzi « Itiniraires », 2007, Abstract, collection ISBN.
CAMPS G 1959 « recherche sur l’antiquité de la céramique modelée et peinte en Afrique du Nord » Libyca( Anthropologie, Archéologie,Préhistoire(,1955.
مواقع النات
https://journals.openedition.org
https://doi.org/10.4000/encyclopédieberbere.3757
الصور
https://www.skynewsarabia.com
[1] -زينب محمد صالح، الهوية والإبداع في الصناعات التقليدية اليوم، مقال بعنوان ‘حضور الهوية الثقافية في تصميم فنون الخزف’ نصوص جمعها ونسقها وقدم لها محمد محسن الزارعي، ص105.
[2] – La poterie rurale modelée fabriquée exclusivement par les femmes، pour un usage domestique، sans tour ni four، par montage de colombins d’argile، éventuellement ornée d’un décor peint originellement géométrique، caractérise un certain nombre de régions du Maghreb qui ont conservé une tradition très ancienne، que l’on peut dire «berbère ».
[3] -محمد المبروك عمران، الأصول الثقافية في إبداع الرمز بالخزف الأمازيغي المغاربي، بحث منشور بالمجلة الثقافية الشعبية عدد 64، رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
[4] – طارق المسعي، مقال كتبه محسن أمين في مجلة العين الإخبارية انظر https://al-ain,com/article/sejnen-tunisia-clay
[5] – محمد محسن الزارعي، الهوية والابداع في الصناعات التقليدية اليوم، نصوص جمعها ونسقها وقدم لها محمد محسن الزارعي، منشورات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس 2005، ص12.
[6] – زينب محمد صالح، الهوية والابداع في الصناعات التقليدية اليوم، نصوص جمعها ونسقها وقدم لها محمد محسن الزارعي، مقال بعنوان “حضور الهويَة الثقافيَة في تصميم فنون الخزف”، منشورات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس 2005، ص105.
[7] – بلغيث فاطمة، فخار سجنان، من الدلالات الاصليَة إلى الابعاد التراثيَة، مذكَرة ماجستير تحت إشراف عبد الحميد لرقش.
[8] L’argile prolifère dans les structures morphologiques du relief, notamment dans les lits d’oued, ce qui facilite son extraction. Débitée en mottes sur l’aire de travail, dans la cour de la maison ou même devant, elle est débarrassée de ses impuretés comme les cailloux et les débris végétaux. Ainsi épurée, elle est détrempée dans une fosse remplie d’eau ou dans tout autre contenant assurant le même usage, où elle subit pendant un ou deux jours un pourrissement qui lui confère une certaine plasticité due à la fermentation des matières organiques , fiche d’inventaire n°7/001 de la Ministres des Affaires Culturelles, Institut National du Patrimoine/ inp 2020.tn/ patrimoine immateriel/ fiche poterie sejnane.pdf.
[9] https://www.Almayadeen.net/arts-culture. بثينة الزغلامي “خزف سجنان: حرفة فنية تونسية تقاوم النسيان” انظر
[10] Les femmes utilisent des matériaux traditionnels d’origine minérale pour les finitions et le décor : l’ocre (moghra, argile avec oxyde de fer donnant des tons bruns, jaunes, orange, rouge), matière la plus anciennement utilisée en Tunisie, forme avec de l’eau une crème onctueuse. L’ocre peut être utilisée en engobe et en dessins au trait. Voir – https://www.shs.cairn.info.article / revue-nouvelle-revue-d-esthétique-2022-1-page-59.
[11] – زينب محمد صالح، مصدر سبق ذكره، ص14.
[12] – إيناس حسني، التلامس الحضاري الإسلامي-الأوروبي، سلسلة كتب ثقافية شهرية، إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، اوت 2009، ص34.
-توفيق عيساوي، الزخرفة الاسلاميَة جمال وابداع، بحث منشور بمجلة الحياة الثقافية، صادرة عن وزارة الثقافة التونسية تحت عدد 251، ماي 2014.[13]
[14] – محمد محسن الزارعي، الهوية والابداع في الصناعات التقليدية اليوم، مرجع سبق ذكره، ص 12.
[15] https://www.almayadeen.net/arts-culture.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
