الرئيسية / الأعداد / عنِ المُعتمدِ وابنِ تاشفين… – ياسين القيمة

عنِ المُعتمدِ وابنِ تاشفين… – ياسين القيمة

عنِ المُعتمدِ وابنِ تاشفين…

ياسين القيمة*

 

كان بالإضافة لحبه للشعر والأدب عامة وبأمور كثيرة أخرى، شغوفا بالتاريخِ مهجوساً به، وكان كلما طالع كتب التاريخ من قبيل: الكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير، والأنيس المطرب بروض القرطاس لابن أبي زرع الفاسي، ارتعشت جوارحه حنينا لزمانٍ عبر في طيات السنين، واستحالت لحظاته بعزها ومجدها وزخمها الحضاري والثقافي إلى أحاديث خَرْساءَ تحتويها صحائف ورقاع تثير في أنفس كل مطلع عليها شجنا وحزنا عميقين…

كان صاحبنا يتربص بلحظاته الدوائر، عساه يقتنص منها لحظة صفاءٍ واحدة تتيح له السفر إلى حيث يريد، وتقلبت بصاحبنا الأيام، وتهيأت له ظروف زيارة مراكش التي لطالما كان تَوَّاقاً إلى زيارتها لِمَا قرأه عنها في كتب التاريخ منذ تأسيسها من قِبَلِ المرابطين سنة 454 للهجرة.

فما إن بلغ مراكش حتى قصد أغمات القابعة بضواحيها حيث مرقد الملك الأسير أبي القاسم المعتمد على الله محمد بن عبّاد وكان قد دُفن بأغمات بعد أن نُفي إليها وعاش فيها آخر أيام حياته بأمر من أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. قصد صاحبنا ضريح المعتمد وكله دهشة ورهبة ونشوة، كل زاوية في الضريح وكل بقعة فيه تُنْبِئُكَ عن قصة هذا الملك الذي لا تملك إلا أن تقف منه مواقف شتى، متقلبا في ذلك بين الإجلال والازدراء والتقدير والتبخيس والإعجاب والبغض، لكن صاحبنا لم يُعِرْ لهذه الازدواجية اهتماما كبيرا واكتفى بابتسامة لخَّصَ بها وجع قرون مضت ولا زالت تمضي… وقف صاحبنا ينظر ويتأمل في الفسيفساء المزينة للضريح واكتظت في ذهنه المشاهد الزاخرة التي تميزت بها حياة المعتمد، نظر إلى قبره وقبر زوجته فذكر لقاءهما الفريد عند نهر الوادي الكبير بإشبيلية، حيث كان لا يزال أميرا لا يعبأ بتكاليف الملوك ولا تقيده ضروريات حياتهم.

كان مع صديقه ووزيره فيما بعد أبي بكر بن عمار يتأملان في جمالية النهر حيث أتى المعتمد بشطر من الشعر على غاية أن يُتِمَّهُ صديقهُ بشطر آخر فقال فيه: “صَنَعَ الرّيحُ من الماء زردْ” فانحبس على صديقه ابن عمار ولم يستطع إجازة ذلك الشطر، ليفاجئهم صوت عذب بما معناه: “أيُّ درعٍ لقتالٍ لو جَمَدْ”، التفت المعتمد ليرى قائله فإذا بجارية حسناءَ تغسل الثياب على ضفة النهر، لم يسبق أن وقعت عيناه على أجمل منها، فعشقها وقام بملاحقتها إلى المنزل الذي كانت تخدم أهله، فدفع ثمنها وأعتقها من الرِّق، وحملها بمتاعها وهداياها لتكون زوجة له لا جارية فنشأ بينهما حب عظيم فريد من نوعه، حتى أنه حين تولى الملك اقْتَبَسَ لقب مُلْكِهِ من اسمها فَاسْمُ المُعتمِدِ مشتق من اسمها اعتماد بشيء من التَّحْوِيرِ، وله في حبها أشعارٌ رقيقةٌ وعذبةٌ منها أنه كان مرة مغتربا عن إشبيلية فبعث إليها بستة أبيات ضمَّنَها شوقهُ إليها وحُبَّهُ العارمَ اتجاهها ويَحُثُّها على البقاء على عهدهما، عهد المودة والمحبة. والأجمل في أبياته تلك أنه ابتدأ في كل بيت منها بحروف اسمها على التوالي فكان الحرف الأول من كل تلك الأبيات الستة مُكَوِّناً لاسمها “اعْتِمَادْ”.

فَتَرَدَّدَتْ في ذهنِ صاحبِنا تلك الأبياتُ وملأَ صداها صدرَه والضريحَ معًا:

أَغَائِبَةَ الشَّخْصِ عَنْ نَاظِرِي وَحَاضِرَةً فِي صَمِيمِ الفُؤَادِ
عَلَيْكِ سَلَامٌ بِقَدْرِ الشُّؤُونِ وَدَمْعِ الشُّجُونِ وَقَدْرِ السُّهَادِ
تَمَلَّكْتِ مِنِّيَ صَعْبَ المُرَادِ وَصَادَقْتِ وُدِّيَ سَهْلَ القِيَادِ
مُرَادِيَ لُقْيَاكِ فِي كُلِّ حِينٍ فَيَا لَيْتَ أَنِّي أُعْطَى مُرَادِي
أَقِيمِي عَلَى العَهْدِ مَا بَيْنَنَا وَلَا تَسْتَحِيلِي لِطُولِ البِعَادِ
دَسَسْتُ اسْمَكِ الحُلْوَ فِي طَيِّهِ وَأَلَّفْتُ فِيهِ حُرُوفَ اعْتِمَادِي

 

ذكر صاحبنا هذا كله وهو في الضريح لا يريد أن يبرح عنه أبدا، انسابت الذكريات في باله وتدفقت، ذكر حياة المعتمد مع ابن زيدون الشاعر الكبير وكيف كان متأثرا ومعجبا بشعره كونه هو الآخر شاعرا وذكر صحبته مع ابن عمّار الذي لم يَحفظْ عهده وتنكرَ له في الأخير وتَوَّجَ صداقتَهُمَا بالخيانة والغدر…

كان المعتمد من أقوى ملوك الطوائف في الأندلس وشملت مملكته مدناً أندلسية عديدة بالإضافة إلى إشبيلية كقرطبة والجزيرة الخضراء ورندة ومربلة وغيرها، وكان الملك الوحيد المتفرد عن ملوك زمانه في الجزيرة إلا أنه لم يَسلَمْ من مُهادنة الجيش القشتالي بقيادة ألفونسو وموالاته له والخنوعِ له، إذ كان هو الآخر يدفع إليه الجزية في كل عام شأنه في ذلك شأن سائر ملوك الجزيرة الإيبيرية في تلك الفترة، واستمر الحال على هذا النحو من الخنوع والخضوع للغزاة حتى كادت الأندلس أن تضيع من أيدي المسلمين لولا أن تداركها المرابطون بالنجدة والنصرة بقيادة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين بطلِ معركةِ الزلاقةِ الشهيرةِ. وقد كان للمعتمدِ بلاءٌ حسن في هذه الحرب مع ابن تاشفين، بل كان أول من راسلَ المرابطين مستنجدا نُصرتهم وراجيًا إعانتَهُم لهم على جيش ألفونسو؛ فكانت الزلاقة وانتصر المسلمون ورفع المعتمدُ رأسه على الجيش القشتالي وسَلِمَ من تلك الجزية بفضل المرابطين…

ولأن دوام الحال من المحال، فقد عاد بعضُ ملوكِ الطوائفِ لِغَيِّهِمْ وعاهدوا العدوَّ القشتالي وتحالفوا معه ضدَّ إخوتهم من بني ملَّتِهِمْ وجِلدتِهم، ليعود يوسف بن تاشفين إلى الجزيرة فيُسقط بذلك ابن زيري، ملك غرناطة ويضمها إلى حكمه، ومن ثَمَّ بدأ في استصفاء المدن الأندلسية الأخرى إلى دولته، حتى لا تضيع بأعمال ملوك الطوائف الذليلة والراضخة للغزاة. فخاف المعتمد على نفسه من ابن تاشفين واستعان بالجيش القشتالي على جيش المرابطين، واستنصرَهم عليه ولكن دون جدوى، انتصر المرابطون وكسروا جيش ألفونسو عند حصنِ “المُدَوَّرْ” وقصدوا المعتمد بن عبّاد فأسقطوا مملكته في أيام بعد أن هُزِمَ وسَلَّمَ نفسَهُ، لِيَتِمَّ نفيُهُ إلى أغمات جنوب المغرب. ليقضيَ بذلك آخر أيامه مع زوجته وابنتيه في بؤس شديد وشظفِ عيش لم يعرفه من قبل ولا عَهِدَهُ، وعاش هنالك حتى مات، ودفن هناك وبقيَ ضريحه اليوم شاهداً عليه وعلينا يُعَلِّمُنَا من الدروس ما لو تعلمناها لَرُبَّمَا نُوَفِّرُ علينا الكثيرَ من السنوات…

شَهِدَ هذا الضريحُ طُغَاةً وغُزَاةً لم يشهدهُما لا المُعتمدُ ولا ابنُ تاشفين، وشهد تقلُّبَ حياة المغاربة منذ زمانهما -وإن لم يكن بُنيَ الضريح بعد- إلى زمن الاستعمار الحديث الذي قادته الدول الغربية الإمبريالية، شَهِدَ أبطالاً مُقاومين وعُملاءَ مُتواطئين، والعبرةُ واحدةٌ في النهاية، لا الطغيانُ والاستبدادُ سبيلُ الخلاصِ من الاستعمار، ولا الاستعمارُ سبيلُ الخلاصِ من الاستبداد…

لذلك كان ابن تاشفين مُؤَيَّداً من عامةِ الناسِ فِعلِيًّا سواءٌ في الأندلسِ أو في المغرب، لأنه ببساطةٍ كان يرى في التَّشَتُّتِ والتَّفَرُّقِ ضَيَاعاً للأمة، فَانْتَهَجَ في سَبِيلِ عَدَمِ ضَيَاعِهَا مُحَارَبَةَ الشَّرَّيْنِ معًا: “الاستبدادَ والاستعمار” وذلك ما نهجه كثيرون من بعدِه في مُقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني كمحمد بن عبد الكريم الخطابي وغيره من المقاومين الذين شهد عليهم كلٌّ من مقامَيْ المعتمد وابن تاشفين وإن تباعدت المسافة بينهم…

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً