تلقي شعر بشار بن برد: بين النقد العربي القديم ونظرية التلقي

محمد الورداشي*
على سبيل التقديم
تسعى هذه الورقةُ إلى محاولة تقديم قراءة نقدية، ترصد الإشكالية والقضايا المتفرعة عنها التي تقاربها الباحثة المغربية نادية بوطاهر في كتابها النقدي المعنون ب “تلقي القدامة لشعر بشار بن برد”، الصادر في طبعته الأولى (2022) عن دار بصمة لصناعة الكتاب المغرب في حجم متوسط، يتكون من سبع وتسعين صفحة. فما الإشكالية التي تتغيا الدراسة مقاربتها؟ وما القضايا المترتبة عليها؟ وما طبيعة المنهج النقدي الذي توسلته الباحثة في دراسة تلقي القدماء لشعر بشار بن برد؟
تنطلق الباحثة في تتبع ورصد الآراء النقدية العربية القديمة لشعر باشر بن برد من إشكالية مركزية، يمكننا صياغتها في بحث الكيفية التي تلقى بها النقد العربي القديم شعر بشار بن برد باعتباره رائد الشعراء المولدين، وتفسير طبيعة المعايير النقدية البلاغية واللغوية والجمالية المتحكمة في بلورة هذه الآراء النقدية. ولمقاربة هذه الإشكالية، حددت الباحثة الأهداف التي حاولت تحقيقها من دراستها، والتي تتمثل في:
– فهم طبيعة النص الأدبي واستخلاص أبرز القضايا التي اهتم بها النقاد العرب القدامى في فترات تاريخية نقدية مختلفة؛
– كشف التغيرات التي مسّت أفق توقعاتهم عبر السرد الكرونولوجي للمتلقين القدامى الذين قرأوا شعر بشار بن برد، أو رووه في مراحل تاريخية لاحقة؛
– رصد أشكال ومظاهر التفاعل بين المتلقين القدامى والتراث الشعري الذي أنتجه بشار بن برد؛
– بيان مظاهر وتجليات نظرية التلقي الغربية الحديثة في آراء النقاد العرب القدامى.
– الخلفية النظرية والمنهجية

لقد استدعت دراسة الإشكالية المركزية وتحقيق الأهداف المتوخاة من الدراسة توظيف المرجعية النظرية والمنهجية لنظرية التلقي، التي لم تقدم الدراسة خلفيتها النظرية والمنهجية والمفاهيمية الإجرائية بشكل مفصل، التي ظهرت في رحاب جامعة كونستانس الألمانية في سبعينيات القرن الماضي، ويعد الناقدان “هانس روبيرت ياوس” و”فولغانغ آيزر” رائديْ هذه النظرية؛ إذ سعى الأول إلى التأكيد على أهمية القارئ ودوره المركزي في بناء معاني النص غير المعطاة سلفا، وذلك من خلال “أفق التلقي” (horizon of expectation) الذي يضم جملة من التوقعات الثقافية والمعرفية والجمالية التي يخزنها القارئ أو القراء من خلال تجارب قرائية وثقافية سابقة، ومن ثم، يقبل القارئ على قراءة النصوص والخطابات في ضوء هذه الخلفية الثقافية والمعرفية والجمالية.
هكذا، يملك القارئ أفقا معرفيا وفكريا وجماليا يمكّنه من إعادة تشكيل النصوص عبر فعل القراءة الواعية والفعالة، وبناء معاني النص الأدبي بناء على الإمكانات الدلالية والتأويلية التي يتيحها “أفق التلقي أو التوقع” الذي يتشكل “من خبرته المسبقة بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص المقروء، ومن وعيه المسبق بالعلاقة التناصية التي تربطه بنصوص أخرى”[1]. وهذا ما يعزز دور القارئ في التلقي الجمالي والدلالي للنصوص الأدبية؛ لأنه يساهم في بناء البعد الدلالي والجمالي للنص الذي يتفاعل معه.
يجعل “أفق التلقي” من قراءة العمل الأدبي تجربة تفاعلية بين قطبين مركزيين، هما النص الأدبي بوصفه بنية لسانية ورمزية وسيميائية، والقارئ الذي يقوم ببناء معاني النص الأدبي بناء على أفق توقعه، من جهة، ويصدر حكمه على النص بالإيجاب إذا وافق النص أفق توقعه، وبالسلب إن خالف هذا التوقع، من جهة ثانية، وعلى ملء البياضات التي يتركها الكاتب بين سطور نصه، ومن ثم، يسعى القارئ إلى ملئها عبر إعادة تشكيل معنى ودلالة النص، من جهة ثالثة.
يمكن عَدُّ الموسوعة، كما بلورها أمبرتو إيكو، معادلا نظريا لمفهوم الذخيرة وأفق التوقع في نظرية التلقي؛ إذ تُعَرَّفُ الموسوعة بأنها “عبارة عن فكرة جماعية تتضمن مجموعة المعطيات الثقافية المنتشرة في سياق سوسيو-ثقافي محدد، والتي على القارئ الرجوع إليها أثناء عملية تأويل النص الأدبي”[2]. كما يمكن عَدُّ مفهوم “الخلفية المعرفية” لدى يول وبراون معادلا نظريا لأفق التوقع. وهكذا، يذهب الناقد المغربي رشيد الإدريسي إلى أن مفهوم “السجل” (répertoire) لدى آيزر يحمل دلالة الموسوعة، والذي يحدده آيزر بقوله “إن السجل يحتوي على مواضعات، وذلك لأن النص يمتص عناصر معرفة سابقة عليه. وهذه العناصر لا ترتبط فقط بنصوص سابقة، ولكن كذلك- إن لم يكن أكثر- بمعايير اجتماعية وتاريخية، وبالسياق السوسيو-ثقافي بمعناه الواسع”[3].
يطلق آيزر على القارئ الذي يقوم بملء البياضات أو الفراغات في النصوص والخطابات، والذي يستحضره المبدع ذهنيا أثناء عملية الإبداع، مصطلح “القارئ الضمني” الذي يتفاعل مع النص تفاعلا إيجابيا ما دام دوره إعادةَ بناء دلالات ومعاني النص، وليس أن يتلقى هذه المعاني والدلالات بوصفها بنية معطاة سلفا كما كان سائدا مع القارئ السلبي. إن القارئ الضمني مشاركٌ فعليٌّ في عملية الإبداع الأدبي؛ لأنه يقوم بتكملة معنى النص عبر ملء الفراغات والبياضات، ويحضر بثقله في تصور المبدع لمسارات تلقي نصه، من جهة، ولطبيعة الدلالات والمعاني التي يتوخى أن يقدمها القارئ الضمني لنصه، من جهة ثانية.
ويصطلح إيكو على القارئ الذي يستحضره الكاتب أثناء عملية الإبداع بالقارئ النموذجي “باعتباره بناء نصيا، إنه يمثل مجموع المعارف اللازمة من أجل تحقيق المشاركة التأويلية، فهو إذن استراتيجية مبثوثة داخل النص ولا علاقة لها بالقارئ التجريبي”[4]. وقد بنى إيكو هذا المفهوم في سياق تنظيره لمقولة “الانفتاح” النصي التي تقتضي تفاعل القارئ مع النص، وقارئا “مشروطا بثقافة محددة، وبأذواق وميولات وأحكام مسبقة، تعمل كلها على توجيه متعته إلى زاوية خاصة به”[5]. والمتأمل في تحديد آيزر للقارئ الضمني يتبين أنه بناءٌ واستراتيجية نصية، وليس قارئا تجريبيا واقعيا. وهكذا، يلتقي مفهوما وتصورا إيكو وأصحاب نظرية التلقي في مفهوم القارئ الذي يُبنى لسانيا وجماليا في الأثر الفني.
لقد سعت نظرية التلقي إلى تحرير القارئ من دوره السلبي المتمثل في تلقي النص بوصفه بنية معطاة ومكتملة، فأعلت من أهمية القراءة في تطور النقد الأدبي والجمالي؛ ذلك لكون “النصوص لا تكتب لتوضع في الرفوف. إنها سيرورات دلالية كامنة لا تتحقق ولا تنفعل إلا بالقراءة وفي القراءة”[6]. لذلك، انتقد ياوس التصورات النقدية السابقة التي ركزت اهتمامها إما على المؤلف من خلال البحث في سياقه التاريخي والثقافي والاجتماعي والنفسي والسياسي..إلخ؛ وإما على النص بوصفه بنية لسانية ذات شكل جمالي على القارئ أن يكتشفه، أو باعتبار النص وثيقة أدلوجية تحمل منظومة الأفكار والقيم والتصورات التي تتبناها الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المؤلف؛ أما القارئ فقد ظل موقعه في تصور هذه الاتجاهات النقدية ثانويا وسلبيا.
يقول ياوس في سياق نقده للمنهجين الشكلاني والماركسي اللذين أهملا الدور الإيجابي للقارئ “إن المنهجين يهملان القارئ ودوره الخاص الذي يجب حتما على المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية أن تعتبراه؛ لأنه من يتوجه إليه العمل الأدبي بالأساس”[7]؛ ذلك أن الأعمال الأدبية، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، لا تبدع لتبقى في الرفوف، وإنما ليقرأه القارئ الذي يعيد بعث الحياة فيها عبر القراءات والتأويلات التاريخية المتراكمة، فضلا عن كونه الفاعل الأساس الذي يخرج النص، باعتباره آلة كسولة على حد تعبير أمبرتو إيكو، من سكونه وجموده إلى تفجير طاقاته الدلالية والجمالية الكامنة فيه.
ليس المقامُ مقامَ عرض وتتبع الانتقادات التي وجهتها نظرية التلقي للمناهج والدراسات النقدية السابقة، وتقديم أهم التصورات النظرية والمنهجية والفلسفية التي شكلت خلفية ومرجعية نظرية ومنهجية لنظرية التلقي. لذلك، نكتفي بالتأكيد على أن “القارئ ضمن الثالوث المتكون من المؤلف والعمل والجمهور، ليس مجرد عنصر سلبي يقتصر دوره على الانفعال بالأدب، بل يتعداه إلى تنمية طاقة تساهم في صنع التاريخ”[8]، تاريخ تلقي وقراءة النصوص الأدبية عبر مختلف الحقب الزمنية والسياقات المحايثة لعملية القراءة.
-قضايا الدراسة:
قسمت الباحثة دراستها إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. فسعى الفصل الأول إلى تتبع مظاهر البعد البلاغي التداولي في شعر بشار بن برد، وفي تلقي النقاد العرب القدامى لهذا التراث الشعري. لذلك، تركز اهتمامها على ثلاثة أغراض شعرية مركزية في شعر بشار بن برد: الغزل، والمدح، والهجاء. لقد شكلت هذه الأغراض المقصدية التداولية للشاعر التي تنقسم، حسب الباحثة، إلى المقصدية الفكرية التي يستحضرها الشاعر في مدح من يتوجه إليهم بشعره بغية التكسب؛ ومقصدية التهييج التي تتجلى في غزل بشار وهجائه اللذين يتوجه بهما إلى المتلقي بغية إثارة اهتمامهم وردوده العاطفية والنقدية.
تشير الباحثة إلى أن للممدوح دورا مركزيا في عملية إبداع القصيدة المدحية؛ ذلك أن عطاء الممدوح وكرمه يشكل “محفزا رئيسا على تحسين الشعر وتجويده، ولعل في ذلك دلالة على أن الشاعر خلال صناعته للشعر يضع المتلقي نصب عينيه فيكون شعره حينئذ عملا هادفا يبتغي منه تبليغ خطاب معين إلى شخص معين هو الممدوح”[9]. مشيرة إلى أن خطاب المدح سرعان ما يتحول إلى هجاء إذا أبطأ الممدوح أو رفض تقديم العطاء والجائزة لبشار بن برد.
لقد تحكمت في إبداع بشار قصائده المدحية غايات وأهداف آنية، منها طلب الكسب والغنى والقضاء على الحاجة والفاقة؛ لهذا السبب كان “الشعر عند بشار وسيلة كسب، إذ لم تكن له مهنة يزاولها، وكان العصر يتفجر بالغنى، ولا يسد مطالب عيش رغد إلا مال وفير، فكان الحافز للمدح حيويا، ولم يكن للشاعر مندوحة عن استنباط ملكة الإبداع ليبلغ موضع الرضا من ممدوحه”[10].
كان للمتلقي دور فعال في إضفاء نوع من التلون العاطفي على تجربة بشار بن برد الشعرية، فضلا عن تأثير حاجاته الاجتماعية للمال والعطاء في هذا التلون العاطفي؛ لذلك “يصبح التمجيد الذي يحظى به الممدوح لا لسبب تعاطف الشاعر معه أو لحب يكنه للممدوح، وإنما القصد منه مالٌ ينتظره أو عطايا يصيبها”[11] من لدن ممدوحه.
ويتمثل البعد التداولي لغرض الهجاء لدى بشار في طلب الشهرة والصيت والتكسّب؛ فكان الناس يخشون هجاءه الذي كان سبب شهرته، من جهة، وسبيل التكسب، من جهة أخرى. بيد أن شغف بشار بالهجاء “لم يتوقف عند حد الشهرة بل كان يرمي منذ البداية إلى احتراف الهجاء ليصيب مالا يغتني به ويوسع به على سائر أهله”. كما أن هجاءه شمل عامة الناس وخاصتهم؛ ومن ثم، “صوب بشار سهم هجائه نحو الأشراف والكرام من الناس الذين يخشون على أعراضهم، وأعراض نسائهم، فكانوا يسكتونه بالمال، حتى يتحول الهجاء إلى مدح إن هم أجزلوا له العطاء”[12].
نتج عن هجاء بشار عامة الناس خوفه واحتماؤه بالآخرين الذين يدفع لهم المال؛ ذلك ” أن العامة من الناس لم تعر هجاء بشار أدنى اهتمام، وإنما كانوا يردون عليه بمثل هجائه”[13]. وهكذا، يتبين دور المتلقي الرئيس في إبداع الشعر لدى بشار بن برد؛ ذلك أن اختيار علية القوم وأشرافهم موضوعا للهجاء يدل على دور المتلقي الذي يستحضره بشار بشكل ضمني أثناء عملية الإبداع الشعري؛ لهذا يحمل شعره ملامح الشهرة، والتكسب، والخوف، والتحقير التي تترتب عن حضور المتلقي في ذهن بشار.
تخلص الباحثة إلى أن ثمة ثلاثة أنواع من الهجاء في شعر بشار بن برد: الهجاء الفاحش المبالغ فيه والممركز على أشرف الناس وأعراضهم وأنسابهم؛ والهجاء الموجّه للتحقير والتشهير والحطّ من قيمة المهجُوّ؛ والهجاء المتضمن للسخرية والميل للإضحاك. لذلك، ف” من خلال هذه الأنواع الثلاثة يحقق نص الهجاء مبتغاه التداولي على أرض الواقع بالتأثير الفعال في المتلقي”[14].
ينظم بشار قصائده الغزلية على منوال ما تعارفه الشعراء والنقاد القدامى بخصوص الغزل العذري الذي نظم فيه بشار “جزءا لا بأس به من شعره، فأقبل عليه جمهور القراء دونما حرج لا سيما وأنه متبع في هذا الصدد مدرسة العذريين”[15]. غير أن بشار بن برد لم يلتزم بالغزل العذري في كل شعره، وإنما نظم في الغزل الفاحش الذي جر عليه رفض النقاد والمتلقين ذوي الخلفية الدينية والأخلاقية، في حين حظي باهتمام عامة الناس. تقول الباحثة بهذا الخصوص “إن الشعر خرج من سطوره وأصبح متحققا في المجتمع بالرغم من كونه قرئ من قبل النخبة المتدينة بمنظور ديني أخلاقي، إلا أن العامة تداولته وتفاعلت معه، فأكسبت النصوص وجودها الفعلي بالقراءة”[16].
اهتم الفصل الثاني برصد مظاهر البعد البلاغي الجمالي في آراء النقاد القدامى الذين تلقوا شعر بشار، وقد حاول رصد الصور الفنية التي تحتل مكانة مركزية في عمود الشعر العربي: التشبيه، والاستعارة، والكناية، والوصف؛ ما جعل بشار يلقب بآخر المتقدمين لأنه ضمن شعره صورا فنية ملتزمة بمعايير النقد العربي القديم، من جهة، وأول المحدثين لأنه أبدع في هذه الصور، من جهة ثانية. لذلك، زاوج بشار بن برد بين الاتباع والتقليد والابتداع والتجديد.
أما الوصف، فإن ثمة آراء نقدية قديمة شهدت وأشادت بإصابته ودقته في الوصف. تقول الباحثة في سياق عرضها آراء الأصمعي في بعض أبيات بشار: “وفي هذا الصدد نلاحظ أن أبيات بشار التي تناولت الوصف نالت إعجاب الأصمعي لكونها قامت على محاكاة دقيقة للواقع، وبالتالي استجابت لأفق توقعه لكون هاجسه الأساس البحث في أشعار العرب عن نماذج مطابقة للواقع المعيش”[17]. لذلك، تخلص الباحثة إلى أن “الدقة في الوصف عند بشار أجابت عن أسئلة البلاغيين، وحققت بذلك متعة جمالية لا يمكن أن تكتمل إلا إذا توفر عنصر آخر مكمل في القصيدة وهو التشبيه”[18].
يتضمن شعر بشار تشبيهات اتبع فيها غيره من الشعراء السابقين عليه، فالتزم بالمعايير الجمالية التي سنّها النقاد القدماء الذين يؤكدون أن التشبيه الجيد هو الذي قرب بين الأشياء المتباعدة والمتنافرة، غير أن بشار بن برد أبدع في تشبيهاته؛ ذلك أنه “كلما كان التشبيه جديدا، وغير متداول نمى أفق انتظار القارئ وجعله في دهشة مع المعاني والألفاظ”[19]. وعلى هذا الأساس، تخلص الباحثة إلى أن “منظومة الإبداع والتجديد فيعد بشار مدشن معالمها، وواضع أسسها الحقيقية فهو رائد التجديد الذي وسم تجارب الشعراء العباسيين أمثال: أبي نواس، ومسلم بن الوليد، وأبي تمام”[20].
لقد كان بشار مثل غيره من الشعراء ملزما باحترام معايير الذوق العام السائدة حتى يحظى شعره بالقبول والاستحسان، وينسجم مع أفق توقع القراء من النقاد والبلاغيين وعامة الناس. لذلك عمد بشار في شعره إلى الاعتماد على أذنه وسمعه بوصفهما مرجعه “في تشكيل صوره الشعرية، مجتهدا بالرغم من عماه في الابتعاد عن معان نظمها غيره فتفرد بمعان له السبق في توظيفها”[21]. وهكذا، حظي بشار بميزة الانتماء إلى طائفة المتقدمين، من جهة، وفاتح آفاق التجديد الشعري أمام المحدثين، من جهة أخرى.
تركز اهتمام الفصل الثالث على ملامح البعد البلاغي اللغوي في شعر بشار، وعلى مظاهر التزامه بالقواعد اللغوية المعيارية، من ناحية، وخروجه عن هذه المعايير وإبداعه اللغوي، من ناحية أخرى. لقد عُرف بشار بن برد “بفصاحة العبارة وجزالة الكلمة، وأظهر تفوقا لغويا واضحا بإتقانه للنظم والدراية بالفصيح، شهد له بها أهل عصره”[22]، إلا أنه أبدع في الجانب اللغوي من قصائده الشعرية. تشير الباحثة إلى أن الذين قدموا أسئلة نقدية حول الجانب اللغوي من معاصري بشار ” لم يكونوا نقادا ولا لغويين، بل كانوا من عامة الناس […] أما اللغويين فيظهر أنهم لم يعيروا هذه الظاهرة أي اهتمام يذكر”[23].
تنتهي الباحثة إلى أن شعر بشار بن برد يظل “في النهاية صحيحا بالرغم من كل ما قيل عن انتهاكاته المتكررة لكونها لا تضر الشعر، ويعزى هذا التصرف الطفيف لقواعد النحو للضرورة الشعرية من جهة، ولإبراز قصور النظام وعجز القواعد التي وضعوها عن الإلمام بكل الظواهر اللغوية التي كانت سائدة في أشعار السابقين من جهة ثانية”[24].
خاتمة
نخلص من هذه القراءة إلى النتائج التالية:
– إبراز الباحثة للمعايير التداولية، والبلاغية، والجمالية، واللغوية، والثقافية التي شكلت الآراء النقدية العربية القديمة التي أنتجت حول تلقي شعر بشار بن برد، والتي توزعت بين الاستحسان والقبول في حال وافق النص الشعري أفق توقعهم المعرفي والثقافي والجمالي، والرفض والاستهجان في حال تكسير شعر بشار لأفق توقعهم ولانتظاراتهم البلاغية، واللغوية، والجمالية؛
– تحديد المقصدية التداولية لبشار بن برد في مقصدية فكرية يمثلها غرض المدح، ومقصدية التهييج المتمثلة في غرضيْ الهجاء والغزل؛
– غياب الرصد الشامل لمظاهر وتجليات نظريات التلقي الحديثة في الآراء النقدية العربية القديمة؛ ذلك أن الباحثة ركزت اهتمامها على السياق الثقافي والاجتماعي الذي تلقى فيه المتلقون والقراء شعر بشار بن برد، دون التمييز بين القراء الذين عاصروا النص الشعري، والقراء الذين قرأوه أو رووه بعدما تحول النص الشعري من الشفاهة إلى الكتابة؛
– إغفال التحديد الدقيق لإشكالية الدراسة والفرضيات التي تنطلق منها في مقاربة هذه الإشكالية، علاوة على عدم تقديم الباحثة لفرش نظري يقدم للقارئ نظرة شمولية لمختلف أدبيات نظرية التلقي والخلفيات الفلسفية والمنهجية التي تأسست عليها، من جهة، ومفاهيمها الإجرائية وآليات تطبيقها على نص شعري عربي قديم، من جهة أخرى؛ ذلك أن نظرية التلقي حديثة فيما آراء وملاحظات النقاد العرب سابقة على هذه النظرية. ومن ثم، يجدر بالباحثة أن تقدم بشكل دقيق ومفصل نقط الاتفاق والاختلاف بين التصور الغربي الحديث والتصورات النقدية العربية القديمة. إذ لا يكفي أن نشير إلى حضور “المتلقي” في تصورات النقاد العرب القدماء فحسب، وإنما ينبغي استحضار، أيضا، أبعاد وخلفيات أفق التلقي أو التوقع لديهم، والكيفية التي يملأون بها البياضات التي يتركها الشاعر في شعره، فضلا عن دور المسافة الجمالية بين توقعات النقاد العرب القدماء والنص الشعري لبشار؛
– ضرورة تبيان حدود الذاتية والموضوعية في الآراء النقدية والبلاغية التقليدية حول شعر بشار بن برد، ودور السياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي لردود الفعل النقدية، وكيفية تغيرها في مراحل زمنية متباينة من ناقد لآخر.
باحث في سلك الدكتوراه من المغرب
الإحالات
[1] – هانس روبيرت ياوس: جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي، ترجمة وتقديم رشيد بنحدو، كلمة للنشر والتوزيع- تونس، ط1: 2016، ص 14.
[2]– رشيد الإدريسي: سيمياء التأويل (الحريري بين العبارة والإشارة)، رؤية للنشر والتوزيع، ط1: 2010، ص 67-68.
[3]– المرجع نفسه، ص 68-69.
[4]– المرجع نفسه، ص 15.
[5]– المرجع نفسه، ص 25.
[7]– المرجع السابق، ص 49.
[8] – المرجع نفسه، ص 49.
[9]– نادية بوطاهر: تلقي القدامى لشعر بشار بن برد، دار بصمة لصناعة الكتاب- المغرب، ط1: 2022، ص 20
[10]– المرجع نفسه، ص 23-24
[11]– المرجع السابق، ص 27.
[12]– المرجع نفسه، ص 28
[13]– المرجع نفسه، ص 30.
[14]– المرجع نفسه، ص 33-34
[15]– المرجع نفسه، ص 35
[16]– المرجع نفسه، ص37
[17]– المرجع السابق، ص 46
[18]– المرجع نفسه، ص 48.
[19]– المرجع نفسه، ص 52
[20]– المرجع نفسه، ص 59.
[21]– المرجع نفسه، ص 71.
[22]– المرجع نفسه، ص 76
[23]– المرجع نفسه، ص 80.
[24]– المرجع نفسه، ص 87
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي