الرئيسية / الأعداد / الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثامن) – المصطفى اسدور

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثامن) – المصطفى اسدور

فصل من رواية

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية ( الجزء الثامن)

 

المصطفى اسدور*

  • عْلاه ما كايْنة فالقرآن، اسْعَا يَا عَبْدي وانَا نْسْعا مْعاكْ؟

بهذا اليقين المطلق، تدور الأحاديث عن الدين، وتُقْحَمُ الأقوال والحكم والأمثلة في النص والمقدس، ولا تكاد تجد سلوكا أو عادة إلا وأضفوا عليها سمة التعبد والتقرب إلى الله. وكلما أراد شخص ما أن يُكسب رأيه نوعا من الأهمية وجدارة الاحترام، ربطه بشكل أو بآخر، من قريب أو من بعيد بالمقدَّس، وحين نقول “المقدس” فنعني به ما يعبره القرويون مقدسا، ففي ثقافتهم، العادة والتقاليد والعبادة كلها مقدسات، وكلها من الدين، بشكل أو بآخر.

  • وَاشْ انتْ عَارَفْ كْثَرْ مَنْ الطَّالبْ؟ أَوَا رَاهْ الطَّالْبْ لِّي ݣالها.

يتوقف برهة، يلتفت حواليه، وكأنه يبحث عن شخص ما:

  • شْكُونْ يَادْ لِّي كَانْ مْعَانَا دَاكْ انْهَارْ مَلِّي ݣَالْهَا؟

وهي طريقة لقطع الطريق أمام أي مُشَكِّكٍ، حتى لو لم يكن هناك شاهد لما قاله الطَّالْبْ، وحتى لو لم يقل الطَّالْبْ شيئا:

  • أُو كَايْنَة فالقُرْآنْ، أُو جْبَدْ ݣَاعْ لْمُصْحَفْ حتى وَرَّاهَا لِينا. أوَا ضْرَبْ رَاسْكْ مْعَ الحَيْطْ ضْرُوكْ

ومع ما يبدون عليه من اهتمام بالدين، فلم تكن تيمة الدِّينْ والتَّدَيُّن تشغل حيزا كبيرا من ثقافة أهل البادية وحواراتهم، فهم يحيون بالدين، ولكن الدين لا يحيا بهم، فعلى الرغم مما يبدون عليه من أخلاق وفضيلة وقيم نبيلة، يوجد أغلبها في النص المقدس، إلا أنهم يكادون لا يعترفون بها كدين، وإنما كـ”فضيلة” و”خُلُق” و”أصل”.

الدين كان يشتغل لحاله بشكل موازي للحياة اليومية، ولا يفرض نفسه، ولا يستأثر بالواجهة، بل هو شيء نشعر به ونرى أثره، لكنه يعيش متواريا، يظهر في مناسبات معينة، ثم يتوارى ليشتغل بطريقته الخاصة، دون أن يحدث ضجة، أو ينغص لحظات الصفاء البدوي، لذا كانوا يعيشون بعفوية وأريحية تامة، ولهم تصورهم الخاص حول الخالق، وحول الكون، والأرض كيف هي، ومن يمسك بها، هنا تختلط الخرافة والأسطورة بالمخيال الواسع لأهل البادية، فعلى عكس النص المقدس: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ( فاطر: 41 ) } فالأرض في عقيدة القرويين السائدة حينها، يحملها ثور عملاق على أحد قرنيه، وكل مائة عام، ينقل حملها إلى القرن الآخر وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ وهذا سبب تسمية مائة عام بالقرن(!) والقيظ والحر الشديد، ليس سوى نَفَس جهنَّم، حينما تمتلأ ويشتد لهيبها، تنفت بعض حرارتها الى عالمنا:

  • مَلِّي تَعْمَرْ جَهنَّمْ يا وليدي، تْبدَا تْصُوطْ أو تَنْفُخْ، أو هَادشِّي لي يَوْصَلْنَا، غيرْ الصَّهْدْ دْيَالْهَا.

وأما المَوتُ فلها طائر خاص، يتجول في الليل، ليأخذ ارواح من حل أجلهم، وهو طائر يصيح بقوة في الليالي، يطلقون عليه اسم طَيْرْ المَوْتْ، وأغلب الإعتقاد أنهم يقصدون طائر courvite isabelle، أو ما يعرف محليا باسم “كُورْزِّيطْ”، وهو طائر صحراوي بلونه وشكله ونمط عيشه، وربما جاءت تسمية “كورْزِّيطْ من كلمة courvite، هو طائر الكروان الصحراوي؛ طائر مهاجر شتوي عابرٌ، يظهر خلال شهر مارس وشهر أكتوبر من العام. يألف المناطق شبه الصحراوية والأراضي الحصوية والمزارع، يتجمع بالقرب من الجيف حيث تجذبه الرائحة الكريهة، ينشط في المساء وحتى الساعات الأولى من النهار، حيث يبحث عن غذاءه ويصدر صوت الرقرقة عندما يجد طعامه. وأما صفيره فيقع على العامة موقع قابض الأرواح سَايْدْنَا عُزْرَايْنْ.

لهذا الطائر مكانته الخاصة في المُعتقد، وهو معتقد ديني طبعًا، ولأنه من الطيور التي ذكرها الله، ولا داعي للسؤال أين ذكرها، فحتى لو لم تجد مصدر ذكرها في نص مقدس، فإن الطَّالبْ سيدي فْلانْ قالها، وحين يقولها الطَّالبْ، فلا مجال للمجادلة؛ فهو طائرٌ قادم من الآخرة، والمكلف بقبض الأرواح، وحين يصدر ذلك الصفير الحاد، تنكمش الأمهات على أطفالهن، وتصحن:

  • عْشَاكْ حُوتَة فْالبْحَرْ مَنْعُوتَة، عْشَاكْ حُوتَة فْالبْحَرْ مَنْعُوتَة.

وهناك مثل محلي حول هذا الطائر، يستند إلى قصة تتداولها النساء والرجال أيضا، فيُحكى أن شابا سأل أمه:

  • مَّا، ضْرُوكْ إلَا جَانِي طَيرْ المُوتْ، وَاشْ بِتْخَلِّيهْ يْدِّينِي؟
  • لاَواهْ يَا وْلَيْدِي، المُوتْ إِلا جَاتْ، تَدِّينِي أنَا، لَهْيَارِيكْ يا عْبيْدي !!

عبارة لَهْيَاريكْ، عبارة مركبة، وعرفت تغيرا فونولوجيا عميقا، تقابلها عبارة “بُعْد الشَّر عَليكْ” عند المشارقة. وأصل العبارة هو “الله لَا يْوَرِّيكْ” (لا أراك الله سوءًا)، تم انتقلت إلى: لَهْلا يْوَريكْ، لتنتهي بصيغتها الهوارية القديمة: لَهْيَارِيكْ. وتحكي تلك الرواية الشفاهية، أن ذلك شابا أحضر طائرَ كُورْزِّيطْ في كيس، وخبأه عن أمه، حتى أظلم الحالُ، فأخرج الطائر خفيةً، وبدأ يصيحُ وينادي على أمه، ويخبرها:

  • وَا طِيرْ المُوتْ أ مَّا، طِيرْ المُوتْ !!

شمرت الأم عن ساقيها، وركضت صائحة:

  • منَّكْ يا المُوتْ لْمُولاكْ، منك يالموتْ لمولاك…

وجرت على الألسن كمثل يقصد به التبرؤُ وتبرئة الذِّمة، وأن كل واحد سيواجه قدره لوحده، مصداقا للمثل الشعبي:

  • كلْ شَاة تْعَلَّق منْ كْرَاعها.

حينما تروي كبورة مثل هذه الأمثال، ينظر اليها حميد، وبأسلوب فيه من الخبث بقدر ما فيه من الرأفة:

  • أو انْتِ أ مَّا، إلَا جَا لِيَّا طَيْرْ المُوتْ، تْقَبْلِي يْدِّيكْ انْتِ فْبْلَاصْتِي؟

وبنفس الخبث الذي أورثته إيَّاه:

  • لاوَاهْ يَا وْلَيْدِي، كُلْ وَاحدْ يشدُّوه حْجَارو، يْشُدُّوكْ حْجَاركْ.

يبسطان قليلا، ويستحضران لحظة الفراق، ويتذكران الذين رحلوا عن هذا العالم دون أن يبقى لهم أثر، ثم ينخرطان في صمت عميق.

يُرْوى أن سَيِّدًا كان يتكاسل عن الصلاة، فاشترى عبدًا، وكلفه بمهمة واحدة، أن يصلي العبدُ بدلا عنه. قبِلَ العبدُ هذه المهمة باستغراب كبير، ورغم أنها لا تكلفه عناء كثيرا، إلا أنه استهجن أن يصلي شخص مكان شخص، وأن يشتري المرءُ عبدا للقيام بالصلاة بدلا عنه، هو أمر مستهجن بطبيعته.

في يوم من الأيام، كان العبد برفقة سيده، يتجولان في سلخانة المدينة، وبينما السيد يساومُ الجزارين في أثمنة قطع اللحم، باغته العبد بهذا السؤال:

  • سِيدِي، مْنِينْ مْعَلْقَة هَادِيكْ الشَّاة؟

وأشار إلى ذبيحة معلقة من كُرَاعهَا، التفت اليه سيده مستغربا ومستهجنا هذا السؤال، وأجابه مستهزئا:

  • مْعَلْقَة مَنْ لْسَانْهَا، أو إلَا مَا سْكَتْ أوشَدِّيتْ لْسَانَكْ غَانْعَلْقَكْ مَنُّو. وَاشْ مَا بَانْ لِيك مْنِينْ مْعَلْقَة؟ مَنْ كْرَاعْهَا يَاسِيدِي.
  • أو هَادِيكْ الشَّاة الِّلي حْدَاهَا نْعَامْ آسْ؟
  • حْتى هْيَ مْعَلْقَة مَنْ كْرَاعْهَا، أوبَاشْ تْسَكَّتْنِي عْليكْ، رَاهْ كُل شَاة كَاتْعَلَّقْ مْنْ كْرَاعْهَا يَاهَادْ المَتْعوسْ.
  • يَاكْ بَعْدَا آسِيدِي، وَا هَكَّاكْ حْنَا قُدَّاْم سِيدِي رْبِّي، كُل وَاحَدْ بَايْتْعَلقْ مَنْ كْرَاعُو.

أصابه الضجر من حديث هذا العبد، توقف برهة، أطبق دراعيه على صدره، نظر اليه متسائلا:

  • قُلْ لِيَّا غِيرْ آشْ جَاكْ اليُومْ؟ آشْ بْغِيتْ تْقُولْ يَا هَادْ الحَرْطَاني؟
  • وَا سِيدِي انْتَ شْرِيتْني، أو مْهَلِّي فيَّا بَاشْ نْصَلِّي فْبْلَاصْتَكْ، أو خَاصَّكْ تَعْرَفْ بَلِّي كُلْ شَاة تْعَلقْ مَنْ كْرَاعْها سِيدِي.

هذه القصص والحكايات والأمثال، تشكل ضلعا أساسيا في المُعتقد السَّائد، وقليلون من يفرقون بينها وبين تعاليم الدين، ويجزم الكثيرون بأن هذه القصة وقعت لرسول الله، وأن ذلك المثل قاله علي بن ابي طالب، وتلك الحكاية تعود إلى لَالَّة فَاطِيمْ الزَّهْراء، وأضعف الكلام ومُشْتَبَهُهُ يعود إلى طَالبْ الجَّامع، وكلٌّ يُتَعَبَّدُ به، وأي شيء يحقق الرضا، والقناعة، ويُشعر الناس بالأمان ويقِهِمُ الخوفَ والفزع، فهو عبادة؛ ولا تهم العبارات ولا الحركات التي يجب القيام بها أو ترديدها، فتكفي النية، “أُوالنِّيَّة أبْلَغْ مَنْ العَمَالْ”.

كَبٌّورة في جعبتها الكثير من الحكايات والوقائع التي تشكلت عبر الزمن، واتخذت أشكالا وصيغا جديدة بحسب سياق الحكي وطبيعة المُتلَقِّي، إلا أن حكاياتها لا تتوقف عن التَّحورِ، وقد تستدرك وتستطرد، وتعيد هيكلة بعض التفاصيل وترتيبها بحَيْثُ تكسب القصة طابعا هزليا أو دراميا بما يوافق اللحظة والغاية من الحكاية.

تحكي  كبورة، وهي أكبر سنا من فاضمة وحَدِّية – رغم تلك المكابرات التي تُبديها عند الحديث عن الأعمار والولادات- أنها منذُ عقلت كانت هناك امرأة تقطن الدُّوَّارْ، لم يكن لها أسرة ولا أقارب، ولكنها وُجدت ضمن القاطنين هنا، هل رحل أهلها، هل تاهت عن قافلة رُحَّلٍ، هل هربت من زوج متسلط أو أسرة أرادت تزويجها مكرهة  كما هي عادة البدو، لا أحد يعلم بالضبط، ولا أحد في هذا العالم المُنهك بالكدح وشقاوة العيش يفكر في طرح الأسئلة، هي فرد من أهل الدوار وكفى، تسكن خربة أو ما يشبه بيتا على هامش الطريق المؤدية الى الجَّامعْ القديم، تحيطه جْنَانَاتْ أكْرَانِي، وحول البيت بضع شُجيرات من التِّينِ والزيتونِ، تتساقط ثمارها إن لم تجد من يقطفها، أو أهملتها “مُولُوعْ”، هكذا يُنادي عليها أهل الدوار، وهناك من يخلطُ اسمها بـ”طَامُو”، والبعض يقول بأنهما شقيقتان ولا أحد يجزم؛ فهنا تفقد الأسماء والجغرافيا أبعادها في هذا الزمن القاسي الذي ما ترك شيئا جميلا في الإنسان إلا وحَوَّره وأفقده معناه. سواء ناديناها “ُمولُوع” أو “طامو” لا يهم، هي امرأة ويكفي أن تكون امرأة وحيدة في عالمنا لتصبح أيقونة تختزل كل انواع العذابات.

“مُولُوعْ” اسم يفتح الباب عريضا على زاوية من ذاكرة الوجع، ذاكرة الدواوير والمداشر وقرى العالم المنسي الذي نجا بأعجوبة من الموت، فالموت يعرفهم جيدا، وقد أخذ منهم أرواحا عزيزة ولم يتعب، هنا احترف الموتُ وتعلم كيف يذيق الناس أنواع الألم، كيف يقتل الفرحة ويجهضها في مهدها، فيأخذ الأطفال الرضع ولم تكتمل الفرحة بقدومهم بعد، هنا يأخذ العرسان والعرائس في ليلة الفرح ولا يبالي، هو هكذا الموتُ، يأخذ ما يشاء متى يشاء كيف يشاء، وحتى إن لم يأخذ أرواح الناس، ومن شدة الخوف  والفزع الذي زرعه في النفوس، وفي الوعي واللاَّوعي الجماعي، ارتسمت معالمه على الوجوه والأجساد فبدا الكثيرون من أهل القرى أمْواتًا وهم أحياءُ.

مُولُوعْ، كانت في يوم ما امرأة، تم تلاشت، وتحولت إلى مومياء حية تُرعبُ بها الأمهاتُ صغارَهن:

  • هَا مولوعْ، ها مولوعْ. تْعَالي ليه أَ~مُولوعْ، ادِّيهْ عَنْدكْ.

ومن شدة الرعب والفزع السائد أصبح الرضع يمتلكون قدرة عجيبة على تصور الخوف، فقبل أن تُنهي الأم كلامها، يكون الطفل قد غرز أظافره متمسكا بأطراف إزارها، أو “شَايْتْها”. والشَّايةُ تحيل إلى الشيءِ، فالملابس في زمن البُؤس، تفقد جماليتها وألوانها، وتستحيل شيئا أقرب الى التراب، لا يمكن أن نصفه بلِبسٍ ولا ملابسَ، بل هو شيء، شيءٌ كان له اسم ووظيفة، لكن الفقر والفاقة شَيَّآهُ إلى ما يشبه الأكفان، فتقضي الملابس أياما وأسابيع ملتصقة بتلك الأجسام النحيفة التي أخذ منها الجوع والمرض، وتحولت الى مومياء متحركة، تسعى كالبهائم لتقتات من قوت الأرض. فقط حينما تتحرك متنقلة من نقطة إلى أخرى في جغرافيا البؤس، نشعر أنها حية، وإن توقفت عن الحركة فلا تختلف عن جذوع النخل الخاوية، وبقايا الأشجار المجوفة التي تصلبت عروقها متمسكة بأرضٍ، كانت يوما أرضا معطاء.

مُولوع جاءت من تلك الحقبة التي ما أبقت شيئا في الانسان إلا طمسته، يستغرب بعض أهل الدُّوَّارْ كيف نجت هذه العفريتة من أهوال القحط. ولأن الخربة التي تقطنها بُنيتْ على حافة حفرة كبيرة، فالبعض يطلق العنان لتهيؤاته، فيقول بأن مُولوعْ عند غروب الشمس، تنزل الحفرة وتتحول إلى جنِّيَّة وتختفي، وقد رآها أكثر من شخص تفعل ذلك، فتوجس أهل الدوار منها، وتحاشتها النساء، عدا عن السلام الذي تلقي به بعضهن، والذي لا يجد في الغالب ردًّا من مُولوع، وإن كانت في مزاج جيد – وقلما يحدث- تحكم قبضة يديها على عُكازها، وتلوِّحُ بالأخرى، ولا أحد يفهم ما إن كانت ترد السلام، أم تُبعد شيئا ما عنها، وكأنها ترى الأشباح.

روائي من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً