بلاد الثلج والغواية
محمد محمود غدية*
رأيته لم يغير مكانه، رغم تغير كل الأشياء حوله، الناس والمركبات والشوارع والمقاهي والمحلات ولوحات الاعلانات الراقصة تحت أضواء النيون الصارخ، دوما يختار ركنا قصيا في آخر الممشى، معانقا آلة الكمان التي بليت كملابسه، يحملها فوق إحدى كتفيه، مربوطة بشريط من الستان الأسود،
في لون الحزن المنساب لحنا هادئا رقراقا، يسكب عصارة العنب من كأس بلوري أنيق، في شفاه ظمآى، ويمد أبسطة البهجة في شرايين الممرات والدهاليز والعابرين الراكضين المتعبين، انها أكثر الآلات تأثيرا في هدهدة اوجاعي، وجدت ان القطعة المعدنية قليلة جدا امام استمتاعي، فبدلتها عملة ورقية ألقيت بها في قبعة العازف الأعمى الذي بادلني التحايا، هل للعملة الورقية رنين يسمعه الأعمى؟
الناس يتلكؤون امام واجهات المحلات، يبتسمون إذا مرت بهم حسناء بدأتهم الابتسام، ينامون دون جرعة من الدواء المنوم، ويمضغون الطعام ببطء وتلذذ قبل ابتلاعه، ويفكرون في الغد بابتياع طوق ياسمين يزين جيد الحبيبة، وينثرون الورد في الزوايا والاركان، والوردة الاجمل يزينون بها جدائل ليل المحبوبة، التفكك ازداد بين البشر، يمارسون العيش البغيض والوحدة القاتلة، في اقفاص زجاجية عازلة، يخرجون من الاقفاص بعض الوقت، يعصرهم الهاتف المحمول، ويخنق البعض منهم، غاب جديد لا مكان فيه للحب والدفء والمشاعر النبيلة، تقتلهم البغضاء والضوضاء والأرق، ارتدت الشمس عباءة الليل الملبدة بالغيوم القاتمة، ايذانا بمطر جليدي، يغسل عن المدينة وتماثيلها والناس، بقايا احتراق الليلة الماضية، او ربما يغسلها ليعدها لليلة جديدة أكثر احتراقا وضياعا وتيها، لا ارى نجوم في السماء تفيض ضياء وبهجة، حتى القمر باغتني برهة وطوى سلمه وغاب، ضحكة حبيبتي تشق صفوف المارة، كقطر الندى البارد في فم الظمآن، تحسست حافظتي الجلدية، تأكدت من تذكرة العودة لبلادي، قالت: تقدمنا في العمر حبيبي، وازددنا سمنة، ولدينا اطفال وبيت، ابنتنا ثريا اصبحت عروس، تكشف عن سفوح نهدين متوثبين ينشدان التحرر، ملابسها ضاقت، لا وقت لدينا لنشعر بالضج، أنت الأنس والفرح والضياء، غلبته الدموع وهو يهبط من الطائرة، مستشعرا دفء بلاده، مسترسلا في حلب ذكرياته، وطريقة عشق جديدة أكبر من كل الكلمات
قاص من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
