حوار مع الزجال محمد لمسيح أبو سارة

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح
أسئلة عن البدايات والإلهام
- كيف كانت بدايتك مع الزجل؟ وهل كان هناك شخص أو حدث معين ألهمك لدخول هذا المجال؟
قبل كل شيء أود أن أشكركم على استضافتكم الكريمة متمنيا لمدارات الثقافية التوفيق والاستمرارية.
فيما يخص بداياتي مع تجربتي الزجلية المتواضعة، لن أخفيكم سرا إن قلت أن الأمر مجرد ورطة أوقعتني فيها عوامل مركَّبة. فأنا أنتمي لجيل عايش التجربة الغيوانية كما كنا نردد في الساحة الطلابية أغاني الشيخ إمام/أحمد فؤاد نجم وقصائد بعض الشعراء المغاربة (أحمد لمسيح ورضوان أفندي)، ثم هناك ما كانت تلتقطه أدناي وأنا أستمع إلى الأهازيج التي كانت تغنى في أعراس بادينا، وما كان ينشده الوالد رحمه الله من أشعار عامية من تأليفه (شفوي ومكتوب).
وفي خضم كل هذا، كان لشقيقي الشاعر أحمد لمسيح الأثر الأكبر.
كل هذه الأشياء تداخلت فيما بينها لتخلق لذي اندفاعا شبابيا “آنذاك” لمحاولة الكتابة زجلا كوسيلة تعبيرية أرحب. هذا هو الهامش الذي أتيت منه وهي بداية الورطة/المسار.
- ما الذي جذبك تحديداً إلى الزجل المغربي مقارنة بأنواع الشعر الأخرى؟
وجدتني أكتب الزجل لرحابة فضاءه التعبيري الدارج الذي يستقطب الجمهور الواسع وليس النخب فقط. وتبقى اللغة التي نكتب بها وسيلة تعبير وتواصل ليس إلا.
على أيٍّ، تتغير اللغات والشعر واحد.
- من هم الزجالون الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟ وما هي أبرز قصائدهم التي لا تزال عالقة بذاكرتك؟
بداياتي كانت في فترة تزامنت مع مد يساري قوي وكان من الطبيعي أن أتأثر في هذا السياق بشعراء انحازوا في كتاباتهم للعمال والكادحين، وأذكر هنا أحمد فؤاد نجم، أحمد لمسيح ورضوان أفندي كنموذج لمن تأثرت بهم كثيرا. وكانت قصيدة شقيقي أحمد “بلادي يا المزوقة من برّا، آش اخبارك من الداخل” بمثابة الشرارة التي أوقظت في داخلي نار الرغبة في الكتابة.
- متى شعرت لأول مرة أن لديك القدرة على كتابة الزجل؟ وهل تذكر أول قصيدة زجلية كتبتها؟
أكتب نصوصا يصفها غيري شعرا، والشغف هو ما يدفعني للكتابة وليس القدرة، لأن القدرة تتطلب التسلح بأدوات لن أدعي امتلاكها.
كثيرة هي النصوص الأولى التي اعتقلتها مباشرة بعد الكتابة إلى أن فَنَت مع مر السنين ولم أعد أذكرها باستثناء مقطع ما زال عالقا بذهني:
عيّط يا ذيب سايس
وعيط يا ذيب كتامة
راسي عامر فْقايس
حسّْـنوا ليه بلا ما
. . . .
أسئلة عن عملية الإبداع والأسلوب
- كيف تختار مواضيع قصائدك الزجلية؟ وهل تستمد إلهامك من أحداث معينة أو مواقف يومية؟
في تجربتي الأولى، كانت القصيدة الملتزمة بقضايا وهموم الشعب هي ما يستهويني. أتت بعدها مرحلة العبور الصعبة نحو الزجل/الشعر حيث التأمل، التساؤل، التخيل، البحث عن المعنى في اللّامعنى، السفر في الذات والروح. . .، هي العناصر التي ترسم شكل القصيدة وليس اختيار موضوع ما.
- ما هي خطواتك المتبعة في كتابة قصيدة زجلية؟ (من الفكرة الأولية إلى القصيدة النهائية).
يحدث أن يؤدي بي عنصر من العناصر التي ذكرت إلى تكوين فكرة أتركها تختمر كي أحولها (convertir) إلى صورة أو صور شعرية، ثم تأتي اللغة كفاعل ثانوي بعد صياغة إيقاع يتماشى مع الحالة النفسية التي أكون فيها وأعني هنا “الـﯖانة” بالمفهوم الشعبي. لهذا، فاختيار الكلمات لا أهمية له عندي عكس الفكرة والصورة الشعرية والإيقاع الموسيقي الذين يحددون مضمون وشكل القصيدة النهائي.
- هل تفضل الكتابة عن مواضيع اجتماعية، عاطفية، وطنية، أم سياسية؟ ولماذا؟
كما قلت من قبل، كتبت القصيدة الملتزمة والمتمردة مدة طويلة اعتبرتها فترة الحبو في عالم الكتابة الشعرية. ثم أتث فترة توقُّف عدت حينها إلى ذاتي لتقييم جدوى الكتابة إن كانت تعيد نفسها وتجتر نفس المواضيع. حينها أدركت أني كنت أقيِّد نفسي داخل قوقعة التقليدانية، وهنا كان لا مناص من الانسلاخ عن هذا الوضع الخانق واختيار طريق آخر نحو الانعتاق والحرية، نحو عالم أرحب حيث تمتح القصيدة معانيها وجمالها من القيم الكونية دون أن أنفي الجمال عن القصيدة التقليدية.
- كيف تحافظ على أصالة اللهجة المغربية في زجلك مع تطور اللغة الدارجة؟
لا أومن بأصالة لغة ما، لأن كل اللغات شقائق مشتقّة من أصل مفقود لأداة ابتكرها الإنسان انطلاقا من الحاجة إلى التواصل والتعبير. لهذا أعيد التأكيد على أن اللغة في اعتقادي هي أداة تعبيرية فقط. المهم هو الارتقاء بلغتنا الأم إلى مصاف اللغات التي تنتج الجمال والأهم هو الشعر بمقوماته الجمالية.
عبِّر بما شئت من لغة، لكن أُكتُبْ شعرا.
- هل هناك قوالب زجلية معينة تفضلها (مثل الملحون، العيطة، وغيرها)؟ ولماذا؟
أبدا، لا أختار في تجربتي الحالية قالبا معينا، لأن القوالب في اعتقادي قيود وأنا أعشق الحرية ولا قالب إلا الآه التي ينفثها الوجدان عبر القلم كي تستقر في حضن القصيدة الدّافئ. لذا أترك لنصوصي حرية التشَـكُّل.
- كيف توازن بين الوزن والقافية من جهة، والمعنى والرسالة من جهة أخرى في قصائدك؟
إنه عذاب المخاض الذي أستلذه عند الانتهاء من كتابة نص ما.
- هل تستخدم الموسيقى كملهم لزجلك، أو العكس؟ وكيف ترى العلاقة بين الزجل والموسيقى؟
في اعتقادي، الشعر والموسيقى صديقان حميميان مثاليان، كل منهما يضفي على الآخر طابعا مثيرا وتوابل سحرية ترفع من قيمته الجمالية والروحية. كتاباتي أستلهمها من لحظات أنعزل فيها عن الوسط الخارجي قد تكون لحظة تأمل مثلا أو سفر عبر الأسئلة في عوالم موازية. هكذا، وأنا أصوغ قصيدتي، أحس أني أدندن بالكلمات.
أسئلة عن الزجل كممارسة فنية
- ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الزجال في المغرب اليوم؟
في اعتقادي، التحدي الأبرز هو العمل على محو تلك الصورة النمطية التي تختزل الزجل في “القول” والرفع من قيمة الزجل كجنس أدبي راقي يغري الباحثين والأكاديميين.
- كيف ترى مكانة الزجل المغربي حالياً على الساحة الفنية والثقافية؟ وهل يحظى بالتقدير الكافي؟
لا خوف على الزجل حاليا، ويمكن القول إنه أصبح يحظى بتقدير كبير، وأحيل هنا إلى جائزة الكتاب التي أحرزها الزجل (2024). لقد أصبح للزجل روافد كثيرة خلقت حساسيات مختلفة في الشكل والنوع ساهمت إغناء هذا الصنف الإبداعي.
كل هذا لم يكن ليكون لولا تفاني الرواد الذين ناضلوا من أجل تمكين الزجل من حيازة بطاقة هويته.
- هل هناك اختلافات جوهرية بين الزجل الرجالي والزجل النسائي في المغرب؟ (من حيث المواضيع، الأسلوب، أو التناول).
عندما نتحدث عن الزجل الحديث، لا يمكن “تفييئه” إلى صنف رجالي وصنف نسائي. الحمولة المعرفية والثقافية هي ما يحدد الموضوع والأسلوب والتناول.
- كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في إحياء الزجل والحفاظ عليه؟
الحديث عن “إحياء الزجل” فيه شي من الإجحاف لسبب واحد وهو أن الزجل لم يمت ولن يموت. بالمقابل يمكن الحديث عن “الارتقاء بالزجل” شعراً.
كثيرون هم من يعتبرون الزجل حائطا قصيرا يسهل القفز عليه لكسب صفة شاعر. هكذا يختزل البعض الزجل في كلام مقفَّى “مزركش” بكلمات بدوية عتيقة حيث لا وحدة في الموضوع ولا صور شعرية، مصاحب بإلقاء فولكلوري للاحتيال على المتلقي. لذلك أعتقد أن محو هذه الصورة النمطية يمر عبر القطع مع “القول” والسمو بالزجل إلى عوالم الشعر الجميلة، وهذا ما تكرسه الكتابات القوية والعالمة لدى كثير من شعراء الجديد والشعراء الشباب الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية السير بالزجل إلى حيث يقطن الشعر.
- ما هي أهم المحطات في مسيرتك الزجلية التي تعتبرها علامات فارقة؟
هناك محطتان أثرتا بشكل قوي في مسيرتي لمتواضعة.
- محطة اعتبرتها محفزا يحاكي الدوبامين، ذلك عندما نشرت قصيدة بالملحق الثقافي لإحدى الجرائد الوطنية مهداة إلى الراحل المناضل نوبير الأموي وهو قابع داخل السجن فيما عرف آنذاك بقضية “المْناﯕْطِية” وكيف كان لتفاعل الراحل معها الأثر الكبير الذي حفزني على مواصلة الكتابة.
- المحطة الثانية والتي أعتبرها نقطة تحول كبرى كانت عندما أنهيت قراءة إحدى القصائد على شقيقي أحمد قال لي حينها كلمتين قويتين: “إنْـتَمِ إلى الشعر”. هاتان الكلمتان خلخلت مفهوم الزجل لدي ودفعتني إلى طرح ثلاثة أسئلة تحاكي أداة “bête à cornes” المستعملة في التحليل الوظيفي للمنتجات الصناعية: ما الخدمة التي ستؤديها لي الكتابة؟ – لمن أكتب؟ – لأجل ماذا أكتب؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هو ما يجعلني أستحضر جدوى الكتابة أثناء الفعل الإبداعي.
- هل ترى أن هناك حاجة لتوثيق الزجل المغربي بشكل أكبر، وما هي الطرق المقترحة لذلك؟
التكنولوجيات الحديثة سهلت أمر التوثيق بشكر كبير زد على هذا الدراسات التحليلية والنقدية في الجامعة خاصة. ويبقى الدعم والتشجيع على طبع الدواوين عنصرا مهما كشكل من أشكال التوثيق، شرط مراعاة أخلاقيات الكتابة.
أسئلة شخصية وتأملية
- ما هو أعمق أثر تركه الزجل في حياتك الشخصية؟
الزجل فتح لي نوافذ تطل على عوالم الإبداع الراقية. عوالم تستمد روحها من البحث والقراءة والانفتاح على مختلف التجارب مع الاستفادة من رصيدي المعرفي المتواضع الذي اكتسبته في العلوم والتكنولوجيا طيلة مساري الدراسي وتكويني الأكاديمي.
- لو لم تكن زجالاً، فماذا كنت ستكون؟
مغامرتي في كتابة الزجل ليست خيارا “مطلقا” بالمفهوم الرياضي بل ورطة. ويمكن القول: لو لم أكن زجالا لكنت ربما سأكون زجالا.
- ما هي الرسالة التي تحرص على إيصالها للجمهور من خلال زجلك؟
المحبة، السلام، العدالة، الكرامة، الحرية، التأمل في خلق الله، هذه بعض من الرسائل التي أحاول قدر الإمكان إيصالها للقارئ العارف
- ما هي القصيدة الزجلية الأقرب إلى قلبك من أعمالك الخاصة؟ ولماذا؟
ما زلت أتعلم الكتابة، وبالتالي فأنا أبحث دوما عن تلك القصيدة. كل نص أكتبه يمحو وينفي علاقتي الوجدانية بالنصوص السابقة ويقول لي: أنت في بداية المسار ولا زال أمامك الكثير كي تتعلم.
ورقة عن الزجال محمد لمسيح أبو سارة
محمد لمسيح (أبو سارة).
مسقط الرأس: سيدي اسماعيل (إقليم الجديدة).
باكلوريا شعبة الرياضيات التقنية (ثانوية الخوارزمي بالبيضاء)
خريج المدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني (الرباط) سنة 87.
أستاذ مادة علوم المهندس بثانوية الرازي بالجديدة.
متقاعد منذ سنة 2025
الإصدارات (6دواوين):
ما فيها باس (2016)
بوكو كَلام (2016)
وْشام شامة (2016)
جناح حالي (2016)
صورة وشي سطورة (2018)
رقصة الكاس (2022).
…….
بدأت كتابة الزجل منذ الثمانينات حيث نشرت لي بعض القصائد في بعض الجرائد الوطنية (الاتحاد الاشتراكي، أنوال، المنظمة).
شاركت في عدة مهرجانات عربية ووطنية للزجل داخل المغرب وعدة ملتقيات.
الوقت الثالث: الصيد بالقصبة، تصميم وبرمجة المواقع وتطبيقات تربوية.
قصيدة مهداة لمدارات وقرائها
نقطة في بال الكون
….
ماشي وحدي وسط الزحام
هربان من ظلام ليام
نقلّب على نور رباني
شادّ ف الريح
خايف نطيح
ويبقى البال وحداني
ماناش حايط رايب
أنا ف وجودي غايب
لكن حاضر
ف بال اللي نْساني
ساكن بين الظل والنور
وسؤال ف راسي كيدور
واش النور شرْط
باش يبان الظل
ونگول هذا عنواني؟
كنعيش ف الهامش
حيث المركز فيه الصداع
وما سامع فيه كلمة
الهدرة كتشرى وتباع
والصمت.. كيعلم الحكمة
الصمت.. موال غيواني
بلا خريطة مسافر
ف عروق هاذ الكون
بلا جناح طاير
نقلّب علِيَ فين نكون
وسط الطرقان حاير
فين طريق الجُنون؟
ما أنا إلّا بحر
بالْعاه نقطة
طاحت على حرف
خلّى المعنى برّاني
السّر ف گلب التراب
والمَا شفّاف.. ما يخبّي حاجَة
الريح يدّي ما جاب
والوقت داير فينا فْراجة
نتقاتلو علْ الزمان
فوق سكّة من سراب
واللّحظة تْرانْ
مستحيل يفْراني
الما مراية
والتراب.. حَرَكة ف گلب السّكون
الريح حكاية
من سطر.. ونقطة ف بال الكون
واش بلا ريح
يمكن ل النّاي يصيح؟
واش الوقت عندو معنى
ولّا غير قلادة
ف عنْق أوهام ساكناني؟
نطرز ب اهبالي
ما ف الجوف
نصرفو حريفات
شمتة ف الخوف
عساني نفهم
شكون السابق
واش الوجود
ولا العْدم؟
ولا الحيرة الصّانعاني؟
ماشي.. سارح سكاتي
ف خَلْوة
تابع ظلي.. خطوة
خطوة
كل خطوة تولد لي سؤال
وكل جواب يولد لي شك جديد
واش أنا فكرة طاحت عل البال؟
ولّا صَدى جاي من فراغ بعيد؟
أو غير ضيف
عند كسدة هازّاني؟
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي