أحمد ايشو صدوق مصور القرية وموثق الذاكرة الجماعية

عمر أيت سعيد*
كم كنا غافلين حينما كنا مستلبين بالشرق وبالغرب. كم كنا سذجا عندما تنكرنا لأبطال قريتنا ، وانتصرنا لشخصيات بنى الإعلام – بكل ألوانه – صورها وفرضها علينا قسرا على مر العصور.
بقريتي الهادئة، في واحة دادس، يوجد مصور فنان، وإنسان مبدع ومثابر، إنه “سي أحمد ايشوصدوق” الذي يعرفه الصغير والكبير. حمل آلة التصوير منذ الستينيات من القرن الماضي. عندما يود أي طفل في قريتي أن يلج صفوف المدرسة ، لابد أن يعرج على مختبر سي أحمد ، ليحصل على صورة شخصية من ذهب، يلتقطها له هذا الفنان ويعدها بتلك الطرق التقليدية العريقة، في تلك العلبة السوداء العجيبة، التي لم نفهمها يوما رغم الشروحات التي حظينا بها في المدرسة حول ماهيتها ووظائفها؛ لكن سي أحمد يبقى البطل المتقن والعارف بأسرارها.

فلكل فرد في قريتنا لقاء مع هذا المصور. في مرحلة الطفولة وفي مرحلة الشباب، وخاصة مرحلة الزواج التي يأتي فيها اللقاء الثاني بهذا المصور المبدع، الذي لابد أن يلتقط صورا للزوجين لكي يتمما ملفهما القانوني للزواج. ومن باب حرص المبدع على حسن بداية مشوار الزواج يحصل أحيانا أن تكون صورة الزوجة أو الزوج غير لائقة فيقوم بإخفائها والادعاء بأنها قد أتلفت وباللغة الأمازيغية ”تكمض” لكي يعيدا التقاط صور أخرى، حيث يرضى كلا الزوجين على جمال صورة شريكه في الحياة. وكل هذا يقوم به “سي أحمد” لكي تعيش الأسر في هناء ولكي يسود السلم الاجتماعي والعيش المشترك بين الأسر.
“سي أحمد” موثق الذاكرة البصرية الجماعية لقريتنا، قام بتصوير سوق القرية بخميس دادس “منذ الستينيات، وصور الكثير من القصبات والكثير من الأطفال والشباب والنساء في القرية، كل صورة من تلك الأماكن والوجوه، تحمل في طياتها ذاكرة وقصة.
سي أحمد كما يحكي أخوه إبراهيم الفاعل والناشط الجمعوي:(هو أخ وإنسان مبدع، وفنان مبتكر رغم قلة الدعم وانعدام وسائل الإبداع ومعدات الابتكار في القرية. فهو في زمنه كان يخلق من الأشياء البسيطة تحفا فنية مبهرة وجميلة. قصته تشبه قصص الكبار والعظماء من المخترعين الذين تنكر لهم التاريخ، وأبعدتهم الجغرافيا بتضاريسها الوعرة، ولم ينالوا حظهم من الإعلام. السي أحمد خبر أسرار الكثير من المهن بدءا بحفر الآبار وصولا إلى صناعة الصحون المقعرة، واكتشاف الاتجاهات الفضائية ومعرفة أسرار التصوير وفنونه، وإصلاح الآلات الإلكترونية بجل أصنافها.
سي أحمد مصور القرية يخبرنا ابنه الأستاذ علي النجيب في الرياضيات:
“إن لأبي شخصية قوية وعظيمة. كان مصلحا للآلات الإلكترونية في الستينيات حينما كان سكان قريتنا يندهشون من الآلات التي يجود بها الغرب علينا. ونحن نعجز أحيانا حتى عن تعرف كيفية اشتغال تلك الآلات من تلفاز ومذياع وغيرها. أبي كان صارما – كما يبدو لنا- في تربيتنا؛ لكن قلبه يتسع لحل جل المشاكل التقنية التي نعانيها في قريتنا. تعلمت منه الكثير في عالم التصوير، إذ كنت أرافقه في مختبره، ويعلمني كيفية تحميض الصور وإخراجها من داخل العلبة السوداء. أبي كان من الأوائل الذين قدموا للشباب ولساكنة سوق الخميس دادس، الأفلام السينمائية” بالبروجيكتور” في سنوات السبعينيات. كان تقنيا فاعلا ضمن النادي الثقافي الذي أسس بسوق الخميس دادس ”.
يضيف ابنُه الثاني جمال صدوق – الحاصل على الإجازة في العلوم الاقتصادية – أن الأب سي أحمد يشكلُ بالنسبة له صلةَ الوصل الأولى بالمعرفة والتنوير منذ الطفولة؛ لكونه قريبًا جدًا منه، ويساعده كثيرًا في القيام بما يحتاجه لتسيير أمور العائلة.

كان حضوره قويًا في أسرتنا، وحظينا بدفئه العاطفي، وسنده، ودعمه المادي. وكان قدوةً لنا، حيث تعلمت منه الحروفَ الأولى في مادة الفرنسية آنذاك، وقد سهر على إعداد سبورةٍ من الخرسانة لا تزال حيةً إلى اليوم، شاهدةً على طموح ورغبة هذا الأب العظيم في أن نكون متنورين، ونحارب جميعًا آفةَ الجهل التي نخرت وكبلت كل قوى مداشرنا.
كما تعلمت منه الاعتماد على النفس، وتعلمت على يديه الكثير من المهن والمهارات، حيث كان يتقن بشكلٍ احترافي الكثيرَ من المهن المستعصية آنذاك على الكثير من الرجال، ويحرص أشدَّ الحرص على إتقاننا لها، كالفلاحة والجبص والنجارة والخياطة وكهرباء المنازل وتقنيات التصوير. كان موسوعيًا في رؤيته، وكان شغوفًا محبًا للعلم والمعرفة، ويتملكه فضولُ التعلّم دائمًا.
أبي – بكل فخرٍ واعتزاز – كان، ولا يزال، تراثًا بشريًا حيًا، ومدرسةً ومكتبةً متنقلة. كان يشرح لنا الظواهر الطبيعية بشكلٍ علمي، وكنا نتعجب من قدراته المعرفية؛ إذ لم يكن يقدم لنا تلك الإجابات البسيطة الميتافيزيقية الجاهزة، بل ساهم في تنويرنا، وحبب إلينا العلومَ والفلسفة، وكان ذلك سببًا في اتباعي توجّهًا علميًا في مساري الدراسي بالثانوي. كان، ولا يزال، أبا شامخًا معطاءً بلا كلل.
إن مصور القرية أحمد أيشو يعد بالنسبة إلينا تراثا بشريا وجب علينا تكريمه والاعتراف بمجهوداته وابتكاراته الكثيرة، والتي نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر، ذلك الصحن المقعر الجميل ” البارابول ” الذي أدخل عليه تحسينات وتعديلات فريدة، جعلته سهل التناول وربما الكثير من السكان في القرية يعلمون بشأن هذا الابتكار الذي أنجزه بالإضافة إلى ابتكارات أخرى لا تقل أهمية.
لا تجد من جيلنا من لا يعرف هذا المبدع الذي حاول حفظ الذاكرة البصرية لقريتنا. في ورشته الفنية تجده أعد نموذجا لإطار الصورة على شكل تلفاز، كأن المعني ظهر في أحد البرامج التلفزيونية.. هي أفكار رائدة في ذلك الزمن الجميل، حيث سهر المبدع سي أحمد على الاجتهاد في تقديم الأطفال والشبان والشواب والرجال والنساء في أحسن حلة وأبهى صورة.
سي أحمد بطل من الأبطال الذين بصموا حياتنا، ووثقوا ذاكرتنا بالصورة، فمتى يعي المسؤولون عن الثقافة والتراث ومدبرو الشأن الثقافي أن للتراث حراسا وأمناء؟ متى يعي المسؤولون أهمية تكريم مثل هؤلاء المبدعين القدامى، ويستثمروا ما قاموا به من منجززات؟ أحمد أيشو وأمثاله من الأيقونات لن يعيد التاريخ أمثالهم مرة أخرى. أيقونات قالت كلمتها بكل بساطة وعمق وصدق، بعيدا عن مساحيق هذه الزوابع التي أتت بها العولمة المتوحشة التي جعلت من العالم ضيعة صغيرة لا تملك قلبا ولا ضميرا وتحارب الهويات الثقافية لكل البلدان، ساعية إلى خلق هوية هجينة عنوانها التفاهة، وأساسها هدم القيم.
باحث في الأمازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي