الخط العربي في تجربة الفنان علي ناصف الطرابلسي : أداة للكتابة أم فن وإبداع

سماح الخراط*
تمهيد عام :
يعد الخط العربي من أبرز الفنون التي أبدعتها الحضارة العربية الإسلامية وأكثرها انتشارا في بلاد العرب والمسلمين على حد السواء، فهو فن الكتابة العربية الذي اتفق جميع الفنانين بمختلف أنواع فنونهم التعبيرية والتشكيلية على انه من أكثر الفنون جمالا، تناسقا وجاذبية حيث صرح بيكاسو في هذا الصدد :” إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن الرسم، وجدت أن الخط العربي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد “[1] حيث يتمتع الخط العربي بمرونة وقابلية للمد والرجع والاستدارة والتداخل والتركيب مما يجعله ساحرا للعين
وفي التجربة الفنية، للفنان علي الناصف الطرابلسي وهو فنان وخطاط ينتمي إلى جيل من الفنانين الذين جمعوا بين المدرسة الكلاسيكية في الخط العربي وبين الرؤية التشكيلية المعاصرة شارك في العديد المعارض الفنية وأسس مدرسة خاصة به في التعامل مع الحرف العربي كعنصر بصري مستقل ليتجاوز كونه مجرد أداة للكتابة ليتحول إلى تجربة فنية متكاملة تجمع بين الجمالية، الإبداع والروحانية .
تحديد المفاهيم :
- الخط العربي :
لغة : هي مفردة من جذر (خ، ط، ط) ويقال :خط القلم أي كتب وخط الشيء يعني كتبه بالقلم أو بغيره، والخط هو الكتابة ونحوها مما يُخط[2] .
اصطلاحا : يعرف الخط العربي على أنه فن وتصميم عملية الكتابة في الجميع اللغات التي تستخدم الحروف العربية حيث قال ابن خلدون في مقدمته عن الخط :”هو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس .فهو ثاني رتبة عن الدلالة اللغوية، وهو صناعة شريفة، إذا الكتابة من خواص الإنسان التي يميز بها عن الحيوان [3].”
- الكتابة:
لغة : مفردة من جذر ( ك, ت، ب) : كتب كتَابًا وكتَابَةً، كَتَبَ الشيء أي خطَهُ[4]
اصطلاحا : هي عبارة عن عملية يتم خلالها تحويل الرموز ( الحروف) إلى جمل وكلمات ويأتي في محتواها تفسير للأفكار ونقل للمعلومات .
- الإبداع:
لغة: الابتكار والخلق :يأتي من الفعل “أبدع” ويعني اختراع شيء على غير مثال سابق أو خلقه[5].
اصطلاحا: هو القدرة على الابتكار وابتكار شيء جديد لم يكن موجودا من قبل، سواء كان حلا لمشكلة، أو أداة أو أسلوبا.
- الخط العربي لدى علي الناصف الطرابلسي من أداة إلى تعبير فني :
في البداية نشأ الخط العربي كوسيلة لتدوين القران الكريم والمعارف والتاريخ فكان هدفه الأول نقل المعنى بدقة، لكن الفنان علي الناصف لم يتوقف عند هذا الحد بل استخدام الحرف العربي ك “خام فني “يعيد تشكيله، يلونه، يميله، يطوعه ليخلق لوحات ومنحوتات فنية تحمل معاني بصرية وروحية .وبناء عليه يمكننا استخلاص كيف يرى الفنان الخط فهو ليس مجرد وسيلة تقنية بل لغة تشكيلية ذات معنى وجمال بصري :
الخط كجزء من البيئة التشكيلية وليس تزيننا فقط : لا يكتفي الفنان بوضع الخط ضمن الفضاء لتزينه أو لتوضيح معنى نصي، بل يدمجه في البيئة العامة للعمل بحيث يصبح الخط من العلامات التي تشكل التكوين وتحدد التوازن البصري حيث الخط يصبح مرآة للعلامة للجو البصري، للإيقاع ،للتوازن للتضاد، للفضاء والملمس . فأعماله تظهر أن الخط يستعمل بطريقة تجريدية، أي فصل عن التمثيل التقليدي للنص أو المعنى النصي، نحو تركيبات لونية او تشكيلية حيث استخدم مواد نحتية مثل الخشب والرزين لتحويل الخط بالتالي عنصر مادي ملموس، له بعد فني وحضوره تعبيري. بحيث يصبح الخط جزءا من الهوية البصرية للعمل لا مجرد أضافه.
بعض النماذج الخطية :


2. الإبداع في تشكيل الحرف:
يمتاز ناصف بقدرته على التعامل مع الحرف العربي كعنصر جمالي لا كرمز لغوي فقط فهو يدمج بين الخط التقليدي واللمسة التجريدية المعاصرة يوظف الخطوط { مثل الديواني الكوفي والثلث} بطريقة تخدم الفكرة البصرية لا القواعد الصارمة ويستخدم الألوان والمساحات بطريقة تحاكي إحساس المتلقي .استخدم الطرابلسي خامات متنوعة وتقنيات مختلفة :الحديد ،الخشب, الزجاج النحاس ،المنسوجات الحائطية الخ. هذا التنوع يعكس انه يتعامل مع الحرف كعنصر تشكيلي متعدد الأبعاد – ليس فقط كتابيا بل ماديا وحسيا .حيث جمع بين الشعر والكلمة ,الحرف ,والتشكيل ومن ابرز العناوين التي وردت في احد معارضه المشهورة استخدام أبيات شعرية أو أبيات من شعر الحكمة ليحولها إلى تركيات بصرية ,حيث الكلمة +الحرف=بنية جميلة منفتحة على الحياة اليومية والابتكار الحرفي فالعمل ليس محصورا في لوحة فقط ,بل الفن عنده يمتد إلى التصميم ,إلى الصناعات الحرفية إلى تصميم فضاء ,أي إن الإبداع ليس داخل “إطار “اللوحة فقط بل خارجها في علاقة بالحياة اليومية ,المجسمات ,الزخارف .التصميم, النسيج [6].وتعد هذه التجربة مهمة لأنها تجسد جسرا بين التراث والحداثة :استخدام التراث (الخط القيرواني ,الزخارف الإسلامية )لكن بطريقة معاصرة وتجريدية تعطي بعدا ثالثا للحرف ليس مسطحا فقط ,بل نتوءا تجسيدا ثلاثي الأبعاد ,لأنها تحفز المشاهد على إعادة النظر في العلاقة بين النص والحلة ,بين الكلمة والشكل ,بين المعنى والمادة البصرية[7] .

3. الهوية والانتماء :
من خلال تجربته يبرز علي ناصف الهوية العربية والإسلامية ويجسد الروح الطرابلسية في أعماله كل خط ,كل زخرفة ,تنقل رسائل تتعلق بالتراث والقيم والجماليات الشرقية ,وتتجلى الهوية التراثية والموروث الفني من خلال استلهام الخط العربي الكلاسيكي ,تراث الزخرفة والفن الإسلامي والموروث التونسي في الخط والزخرفة .حيث نجد انسحاب من “الحيز المشهدي الكلاسيكي “في أعماله فبدل أن يعتمد فقط على الخط ككتابة أو زخرفة يتحول إلى تركيب بصري /نحتي حيث الكلمة تصبح أيقونة بصرية فالكلمة ليست فقط محتوى يقرا بل تتحول إلى شكل بصري ,مادة خام ,تعامل كخط أو كحرف يطوع في الفضاء البصري يعبر هذا عن انتماء إلى الثقافة العربية /التونسية في السياق المعاصر. باختصار يمكن القول ان الهوية والانتماء في أعمال علي الناصف الطرابلسي تتجلى في [8]:
- التصاقه بالخط العربي وتراث الزخرفة والفن الإسلامي التونسي .
- التوازن بين الأصالة والتجديد ليس مجرد استنساخ للتراث ولا انقطاع تام عنه، بل تجديده بأشكال بصرية حديثة .
- تحوله الحرف /الكلمة إلى شكل بصري وتقني معاصر ما يمثل انتماء للفن المعاصر والحديث .
4.الخط العربي كفن معاصر :
يعد الفن العربي واحدا من ارقي الفنون الإسلامية التي جمعت بين البعد الجمالي والديني والثقافي وقد شهد هذا الفن تطورات متلاحقة عبر العصور جعلته يتجاوز أدواره الوظيفية والتزينية إلى آفاق تعبيرية حديثة . وفي ظل التحولات الفنية الراهنة ,برز العديد من الفنانين والخطاطين العرب الذين سعوا إلى تجديد هذا الفن ومقارنته بروح معاصرة دون أن يفقد أصالته وجذوره ومن بين هؤلاء تبرز أعمال الطرابلسي حيث لم يعد الخط العربي محصورا في الإطار الكلاسيكي بل أصبح :أداة تعبير شخصي ووسيلة حوار بصري بين الماضي والحاضر وجسرا بين الفن العربي والاتجاهات التشكيلية العالمية موظفا أدوات وتقنيات معاصرة في التعبير ومتفاعلا مع قضايا الهوية والانتماء والجمال البصري في آن واحد ,حيث شكلت أعماله فضاء تتلاقى فيه التقاليد الخطية مع تجليات الفن المعاصر [9]

الخاتمة:
الخط العربي في تجربة الفنان علي الناصف الطرابلسي ليس مجرد أداة للكتابة فحسب بل هو فن متكامل وتجربة إبداعية تحمل في طياتها البعد الجمالي الروحي والثقافي لقد أعاد صياغة الحرف الغربي ليكون بطلا بصريا لا مجرد ناقل للمعلومة ,فهو يجعل من الخط أداة تعبير بالمعنى الكامل ليس لنقل رسالة نصية فقط بل لاستدعاء تجربة بصرية لخلق تفاعل بين المشاهد والعمل من خلال التكوين ,الخط كعلامة ,الخط كفراغ وحجم الخط كمؤثر بصري لغة تشكيلية مستقلة تملك قواعدها الجمالية الخاصة التي تتداخل مع التجريد والتشكيل الفني ,بحيث يصبح الخط جزءا من الهوية البصرية للعمل لا مجرد إضافة
المراجع والمصادر:
إيناس حسني، التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي سلسلة عالم المعرفة 336(الكويت المجلس الوطني الثقافة والفنون والأدب ,2009),ص61
- ابن منظور الأنصاري لسان العرب المجلد الخامس الطبعة الأخيرة(بيروت :دار ومكتبة الهلال ,2008),ص 101..
- الجزيرة نت- الثقافة، العنوان فن الخط العربي في تونس يستعيد جماليته العريقة 11/7/2024
- ابن خلدون الفصل الثلاثون :قي ان الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية المقدمة ،كتاب العبر (د، م، مؤسسة الرسالة,1377),ص502.
- جريدة الصباح التونسية –مقال “علي الناصف الطرابلسي …الخط مفتاح والتقنيات ابداع turess .com/alchourouk/3670
- مقال بعنوان “علي ناصف الطرابلسي…فنان الحرف والنسيج، تاريخ النشر 2008,جريدة الصباح التونسية.
- [1] مقال بعنوان :إبداع الحرف بين التراث والحداثة”turess .com/alchourouk/3670
- مجمع اللغة العربية بالقاهرة المعجم الوسيط الطبعة الرابعة (القاهرة مكتبة الشروق الدولية ,2004)ص774.[1]
- معجم المعاني عربي عربي
[1]إيناس حسني التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي، سلسلة عالم المعرفة 336(الكويت، المجلس الوطني الثقافة والفنون والأدب ,2009),ص61
ابن منظور الأنصاري لسان العرب المجلد الخامس الطبعة الأخيرة(بيروت :دار ومكتبة الهلال ,2008),ص 101..[2]
ابن خلدون الفصل الثلاثون :قي ان الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانة المقدمة ،كتاب العبر (د، م، مؤسسة الرسالة ,1377),ص502.[3]
محمع اللغة العربية بالقاهرة المعجم الوسيط الطبعة الرابعة (القاهرة مكتبة الشروق الدولية ,2004)ص774.[4]
[5] معجم المعاني عربي عربي
[6] مقال بعنوان “على تاصف الطرابلسي…فنان الحرف والنسيج، تاريخ النشر 2008,جريدة الصباح التونسية.
[7] مقال بعنوان :إبداع الحرف بين التراث والحداثة”turess .com/alchourouk/3670
[8] جريدة الصباح التونسية –مقال “علي الناصف الطرابلسي …الخط مفتاح والتقنيات ابداع turess .com/alchourouk/3670
[9] الجزيرة نت الثقافة، العنوان فن الخط العربي في تونس يستعيد جماليته العريقة 11/7/2024
باحثة في الجماليات من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي