الرئيسية / الأعداد / المنحوتة الصامتة مع بوحمعة بالعيفة: من الحضور الفيزيائي إلى تفجّر المعاني الجيوسياسية- الهام كمون.

المنحوتة الصامتة مع بوحمعة بالعيفة: من الحضور الفيزيائي إلى تفجّر المعاني الجيوسياسية- الهام كمون.

المنحوتة الصامتة مع بوحمعة بالعيفة: من الحضور الفيزيائي إلى تفجّر المعاني الجيوسياسية

الهام كمون*

 

يرتبط الفن بوجود الفنان فهو ينتج ما يحس و يشعر به، فالفنان ينظر إلى الأشياء التي حوله عبر إسقاطات مختلفة ذات علاقة وطيدة بمكان و زمان العمل الفني، إلا أن العمل التشكيلي قد صار يبحث عن آليات جديدة يتعامل وفقها مع العالم الموضوعي يبتعد خلالها عن كل أشكال التقليد والمحاكاة ضمن رؤيته الفنية الخاصة ووعيه بمختلف الأحداث الخارجية التي تحيط به فتصبح رؤيته الفنية بحث في العالم الظاهر للولوج إلى عوالم باطنية مخفية ولاستكشاف مناطق الإثارة التي تحرك السواكن ومختلف الأحاسيس. تخضع إذن العملية الفنية إلى عديد العوامل الخارجية التي يقوم الفنان بنقلها على الأثر من خلال المادة والشكل والتي يكون أثرها مسلحا بمختلف الخبرات السابقة و مشحونا بمختلف الانفعالات ضمن توجهات معينة في رغبة للبحث عن المرئي كما في الاتجاهات التصويرية الواقعية أو عن اللاوعي و عالم الأحلام كما في السريالية، أو عن الزمان والمكان كما في التكعيبية أو عن الروح كما في التجريدية.

وفي ظل التعبير عن هذا العالم الموضوعي الواسع بكل شواغله وحساسياته وأيديولوجياته ينصهر الفنان التشكيلي في هذا الكيان الخارجي ويتسلح بمختلف وسائله الفكرية والفنية ليتغلغل في هذا العالم لأن “وجود الأنا مرتبط بوجود الغير Ponty 1945)  [1] (Merleau ذوبان الوجود الذاتي في الوجود الأبدي المطلقكما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي ″ميرلوبونتي″ لذي  يرى أن الأنا في وجود مشترك مع الآخر و مع النسيج البشري الذي يحيط بها فيتحول الوعي الذاتي إلى وعي حضاري  مشترك ويذوب الوجود الذاتي في الوجود الأبدي المطلق. فبلوغ التجذّر المكاني و الزماني سيمكن الفنان من اختزال الحدث في رؤية فنية قد تختلف من فنان إلى آخر ولكنها تتخطى السطوح والمواد والأحجام لتحوّل الوجود النسبي إلى وجود مطلق تتحقق خلاله مختلف التقاطعات مع مختلف الأيديولوجيات،  فالأديولوجيا كما أشار إلي ذلك المفكر “بول ريكور” “هي التي تبرر ما يجري على أرض الواقع و تعمل على فرض نظامها السياسي و تلزم المجموعة بإتباع منهجها  وقواعدها”.[2] (Ricœur, 1997, p. 342)

وبما أن الفن التشكيلي لا يكتفي بمجرد الاتباع والانقياد وراء القوى الخارجية فهو مرتبط بفلسفة الوجود ككل حتى يمنحه كينونته ويحفظ حقيقته المثلى كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف “هايدقار”.

فمن خلال مخياله الفني ومن خلال تدافع ذاكرة المكان والزمان في علاقتها بآنية الوجود يقفز وعي الفنان من منطقة إلى أخرى من الوعي إلى اللاّوعي محاولا تجاوز كل الحجب التي صنعتها عقول البشر لرصد حالات الخوف والكبت التي تريد اخفاء الحقائق حتى يستطيع تجاوزها فنيا في رحلة كشف عن ماهية الذات لأجل سبر أغوار تلك المنطقة المظلمة حيث الخوف من قوى الردع والقمع أي الخوف من الآخر.

والعمل الفني مهما طغى عليه الاستبداد فهو يستطيع التحرر والخروج عن المكبوت والمألوف في المجتمع، فهو ينطلق من هذا الواقع ويحوله إلى رموز وعلامات تترك انطباعات في نفسية المتلقي وتحول هموم الشعوب إلى إثر فني خالد. فكيف تعامل الفن مع مختلف الأحداث الجيوسياسية في العالم العربي عامة وبخاصة في فترة الثورات الحديثة؟ وكيف استطاع الفنان تجاوز الكبت والتعبير بحرية عن رؤاه الفنية؟

يُظهر تاريخ الحركات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي أنّ التحوّلات الكبرى لم تكن يومًا منفصلة عن الحراك الثقافي والفنّي. فقد لعب الفنّ، بأنماطه المتعدّدة، دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، سواء عبر الأساليب الرمزية أو المباشرة في التعبير. ولهذا السبب يؤكّد ليفين أنّ الفنّ عبر التاريخ كان رفيقًا أصيلًا للحركات الثورية، إذ لا يمكن أن تنهض الجماهير أو تُستنهض إرادتها من دون حضور فعّال للعنصر الثقافي والفنّي[3](Levine, 2015, p. 1280) ، بما يعكس قدرة الفن على تجاوز حدود الإبداع الجمالي ليصبح محرّكًا اجتماعيًا يؤثّر في السلوك والمخيال العام.
وفي سياق الثورات العربية، يتجلّى هذا الدور بوضوح في قدرة الفنّانين على تحويل الفضاء العام إلى ساحة إنتاج رمزي يُعاد فيها بناء معنى الحرية والاحتجاج

و قد رأينا في أعمال الفنان التونسي النحتية “بو جمعة بلعيفة” ما من شأنه أن يبلور فكر النقد ورفض للواقع الرديء من خلال أعمال نحتية اهتمت بتركيبة الجسد الموغل أحيانا في الغرابة من حيث جموحه عن الواقع الإدراكي لبيولوجيات الجسد بمعاييره المألوفة، فكان الكيان البشري يتقلب في شقائه ويتمرد على واقعه الاجتماعي والسياسي الذي عرفته تونس قبل وبعد الثورة.

بكثير من الحس الفني، حاول “بو جمعة بلعيفة” تمرير رسالة إلى شعبه الذي عاش مختلف مظاهر القمع والاضطهاد، عبر أعمال تشكيلية تتعامل مع الجسد تعاملاً سرياليًا يحرّره من حدوده الفيزيائية ليجعل منه كيانًا قادرًا على احتضان المأساة المختزلة في المواد والخامات. ومن خلال هذا التوظيف العميق للجسد والصورة، يؤكد بلعيفة على قدرة العمل الفني على استنطاق الهمّ الجمعي واستدعاء الذاكرة الشعبية باعتبارها فضاءً حيًّا للمعنى والمقاومة. وفي هذا الإطار، تتقاطع تجربته مع ما تشير إليه نجيب حين تقول إن “الفنون العابرة في شوارع القاهرة حوّلت الاحتجاج السياسي إلى أشكال بصرية مُتجسّدة قادرة على مقاومة المحو”[4] (Naguib, 2017, p. 56 بما يبرهن على أنّ تجسيد الذاكرة في وسيط بصري قادر على تجاوز الزمن يشكّل فعل مقاومة في ذاته. وهكذا يصبح العمل التشكيلي مجالاً لتمرير الأفكار والتصورات التي يتفاعل معها المتلقي بعمق وجداني ومعرفي.فالصورة كما يرى “رولان بارط” “تمتلك أسلحة تقنية وتعبيرية فائقة لتحقيق غاية أو لذة التأثير”[5] (حميدة ، 2004،، ص55) .

لا تخلو أعمال بوجمعة من ملامح الإيحاء تتزاوج أحيانا مع الشكل والعنوان المرافق للعمل الفني في ربط مباشر للمادة بالفكرة وفي مغامرة تشكيلية يحاول من خلالها بوجمعة الالتصاق بمشاكل عصره ضمن ثنائية المألوف و اللامألوف محاولا من خلالها تجاوز سلطة الرقابة و إفساح المجال للحرية التعبيرية.  ففي عمله النحتي(avec ciseaux)  “مع المقص” الذي أنجزه بوجمعة سنة 1985 يعني في فترة زمنية حساسة تعيش فيها تونس نهاية ديكتاتورية لتستقبل ديكتاتورية جديدة سنة 1987.

المنحوتة كونها بوجمعة من مجموعة من المواد الحديدية و القطع الميكانيكية و الفضلات الصناعية ركز فيها الفنان على المساحات الشائكة و الحادة، أما المقص وهو الكائن المسيطر في المنحوتة يستعد لقص ما يشبه اللسان في تعبير ضمني عن فكرة قمع الحريات و مصادرة التعبير من قبل القوى السياسية السائدة. فرغم كل الغرابة التي تسود العمل الفني إلا أنه لا يمكن عزله عن سياقه التاريخي و التصاقه بالجيوسياسة السائدة آن ذاك في محاولة للنفاذ إلى عمق الذاتي الإنساني لأجل سبر أغواره و فهم قلقه وهواجسه المرتبطة بالنمط السياسي، فالعمل الفني يكتسب قيمته عندما يقود الأفكار نحو الحيرة والتساؤل و يتمرد على السائد من خلال القنوات الإبداعية التي تصوّغ عبرالمواد الأفكار المؤولة للصورة المرئية والتي تتحول بدورها إلى رموز تبني علاقة سيميائية بين الدال و المدلول و التي لا يمكن قراءتها إلا بوضعها أولا في الإطار السياسي و الجغرافي الذي ولدت فيه. فالمقص بما هو أداة حادة يعوض في المخيال الجمعي مجموعة من الأسلحة و الوسائل القمعية التي تعتمدها القوى القمعية المسيطرة لرصد الأفكار. فالعمل الفني يرتبط ببيئة الفنان و بيئة الذوات المتلقية عبر معايشة  اليومي إلا أن هذا العمل الفني مع بوجمعة بلعيفة  يبقى صامتا ينتظر من يحرك سواكنه ليخرجه من صمته و من جموده من خلال استجلاء الرموز الظاهرة و الموجودة خلف العناصر التشكيلية و المفردات الجمالية الظاهرة. فالفن التشكيلي مع بوجمعة  يرفض الأسر و الكبت و ينشد الحرية وفق ربط العمل الإبداعي بدلالاته و رموزه التي تدفع بالذات المبدعة إلى الانبثاق نحو المكان و الزمان ثم العبور نحوه إلى عوالم المطلق واللاّمحدود.

إن المجسدات النحتية لبوجمعة بلعيفة تظهر محملة بروح الفكر تطلق صرختها في زمن الوجع وتحاول أن تكسر طوق الأسر و أن  تخرج من خارطة المعانات و الخيبات  السياسية بعيدا عن الثرثرة و العقم الفني.

وفي عمله الفني النحتي (veillée) لسنة 1996، يصور بوجمعة بلعيفة مجموعة من الشخوص الموضوعة داخل قفص وكأنها عصافير محبوسة في مشهد درامي يعبر عن لغة الاضطهاد التي تلحق بالإنسان في معاناة للسجن الذي يطمس الهوية ويكبل الفكر والحرية، ثم يرد بوجمعة بلعيفة على هذا العمل بعمل آخر سنة 1998 بعنوان (ceintures) “أحزمة” لتسيطر نفس فكرة الاضطهاد على فكر الفنان من خلال شخوص تعاني الأسر وتحاول تجاوز الحصار وقطع الحزامات التي التفت حول أجسادها التفاف الصقر على فريسة.

حالة من الاختناق تجمع الأجساد في كتلة واحد فتمنعها من الحركة أو البحث عن الخلاص يريد من خلالها الفنان نقد السلطة السياسية التي تسعى دائما للحفاظ على أسوارها التي بنيت بالدم والعنف والقمع بمختلف أنواعه.

لا يمكن إذن فصل منحوتات بوجمعة عن بيئتها التي تواجدت فيها فهي تتنفس هواءها و تجدد ماء حياتها فيها ضمن بلاغة تعبيرية تتأصل في اليومي و المعيش دون أن تتنافى مع سيمياء حضورها الفني الذي تتنزل خلاله ضمن خطاب اديولوجي وسياسي وثقافي ينبع من ذاتية الفنان ومن مخياله وكينونته الأنطولوجية.

و في انشغال آخر بالهاجس الجمعي يقدم “بوجمعة بلعيفة” أعماله مع الفنان “محمد الحشيشة” في كتاب عنوانه “تعايش” الذي تم إصداره سنة 2013 و الذي يقدم فيه بوجمعة أعماله المتلبسة بلباس سريالي دون أن يصرف اهتمامه بحيثيات الواقع الخارجي في مواكبته لمختلف التغيرات  التي يعيشها المجتمع التونسي إبان ثورة جانفي 2011. فالأجساد الآدمية التي اشتغل عليها بوجمعة ليست مخلوقات منفصلة عن الواقع لتعيش الوهم الأبدي بل هي أجساد بشرية تلونت بألوان القلق والألم تتخبط في وجودها وكينونتها وتبحث عن الانعتاق فتجد في المواد ملاذها لتهرب من النمطية ومن الصنمية الاستعراضية لتذوب في ذات الجماعة ولتتفجر المعاني المرتبطة بفكر الفنان من جهة وبالقلق الأزلي من جهة أخرى.

الصورة إذن لا تنعتق من كيانها الحضاري و التاريخي فتنشغل بالطوارئ الاجتماعية والسياسية كما يذكّر Barthes بأن الأهمّ هو أنّ الصورة تمتلك قوة إثباتية، وهذه القوة لا تتعلّق بالشيء ذاته، بل بالزمان[6]،Barthe 1964)) ، من ذلك منحوتة (requiem pour un martyre) “جنازة شهيد” التي خصصها لإحياء ذكرى شهداء الثورة خاصة مع بروز وجه الشهيد “شكري بالعيد” في أسفل المجسم الذي تراكمت فوقه بقية الرؤوس فكانت الجنازة جماعية مما زاد من درامية الموقف .

تقيم المجسمة بكل معانيها في عالم يتدفق رموزا ودلالات لترسم في طياتها وانحناءاتها ونتوءاتها مشاهد تربط الواقع بالخيال والمرئي باللامرئي لتكون دليلا مجسدا على التناحر الاديولوجي والتطرف العقائدي والعنف السياسي الذي يشوه مفهوم الحرية ويلقي بالمجتمع في مجال العنف والاضطهاد وصولا إلى الاغتيال السياسي.

تأخذ المنحوتة بعدًا دراميًا يتأكد من خلال رؤوس الشهداء المتراصّة التي يخرجها الفنان من عجائنها الطينية مشوّهة ملتوية تعاني الألم والاضطهاد، مع ما تخللها من آثار الأكسدة السوداء التي عمّقت قتامة المشهد. هي شخوص هجينة تُقاد إلى مذابحها لتُقدَّم قربانًا لأيديولوجيا سائدة، ضمن سلوكيات تنتمي إلى إنسانية مولعة بشرعية القتل وسط رفاهية تكنولوجية مفارِقة. ويذكّر هذا المشهد الجنائزي بلوحات “فرانسيسكو غويا التي انتقد فيها أعمال العنف التي رافقت احتلال نابليون لإسبانيا. يتحوّل العمل الفني هنا إلى وثيقة بصرية ناطقة، فيها نبذ لآلة الدمار والإرهاب وكشف لعورة الاضطهاد ضمن تراجيديا جارحة تتأكد من خلال التباينات اللونية والملمسية الطافية على سطح الأثر. وهذا ما يفسّره قول سوزان سونتاغ : “تقوم الصورة بموضوعنة ما تلتقطه؛ فهي تحوّل الحدث أو الشخص إلى شيء قابل للامتلاك، لكنها في الوقت ذاته وسيلة للشهادة وحفظ ذاكرة الأحداث[7] (Sontag, 2003, p. 20)، إذ يصبح الجسد المشوّه في منحوتة بلعيفة شهادة على الألم الإنساني ومقاومةً لمحوه من الذاكرة البصرية.

لم ينقطع الفنّ التشكيلي مع بوجمعة بلعيفة عن هواجس الإنسان، بل ظلّ مشدودًا إلى رصد علاقة الأنا بالآخر باعتبارها علاقة عمودية مشحونة بسياسات القوة والسلطوية التي تهدّد وجود البشر وتعرضهم لأشكال متفاوتة من العنف. وقد تجسّد هذا الوعي في أعمال بلعيفة من خلال النقطة الحمراء التي تلازم كتابه «تعايش»؛ هذا الأحمر القاني الذي يتجاوز وظيفته اللونية ليتحوّل إلى علامة دامغة تُحيل إلى الدم والعنف والتقتيل، فاللون عند الفنان ليس مجرّد اختيار بصري، بل وسيلة لاستثارة الانفعالات الكامنة في عمق الذاكرة، وهو ما يجعل اللون الأحمر ،بما يحمله من جرأة ، معادلًا بصريًا للجحيم والاحتراق والثورة واليقظة. إنّ خيال الفنان يُثري المشهد التشكيلي ويمنحه طابعه الاستيتيقي، فالفنّ لديه يُعيد تركيب الواقع في صور ودلالات تتخطى الرقابة وتتجاوز حدود المكان والزمان.

لقد أفرزت تونس ما بعد الثورة مشهداً بصريًا جديدًا اتّسع فيه حضور السياسي والديني والهوياتي، واتخذت فيه المنحوتات بعدًا أقرب إلى الجسد الحيّ، جسد يختزن آثار الاضطهاد ويمثّل مادة خامًا لقول العنف وتمثّله. فالفنان يعمد إلى استهلاك هندسة الجسد ليكشف ما يختبئ في طياته من هشاشة وقلق، حيث تتحوّل الكتل الطينية بين يديه إلى كائنات بشرية هجينة مبتورة الأعضاء، تصرخ مثل أجساد «فرانسيس بايكن» التي تتحول بفعل الفنّ إلى قرابين للفاجعة. وهنا يلتقي بلعيفة مع ما ذهبت إليه “جوديث بتلر” حين أكدت أن:الجسد يُعَدّ الموقع الذي تُنقش عليه السلطة، ويقاوِم من خلاله، ويَتحمّلُ أثقالها؛ إنه السطح الذي تترك عليه العنفية السياسية أعمق ندوبها[8] (Butler, 2004, p. 33).

وتتجلى هذه الرؤية في شخصيات تتحرك بين المادي والمتخيل، رؤوس نابضة بالتعابير دون أجساد، أشبه بما يظل في الذاكرة الجماعية من صور الشهداء مثل رأس الشهيد شكري بالعيد. ويؤكد بلعيفة من خلال تجربته النحتية انتماءه العميق إلى الأرض وإلى البيئة التي تفرزه، فهو يعيد تشكيل الأجساد وفق رؤية تستعيد صراعات المكان وتاريخه الأيديولوجي المتعاقب. إنّ الشخصيات التي يقدّمها خرجت من عالمها البيولوجي قسرًا لتعيش واقعًا جديدًا مطبوعًا بالعنف، وهي استعارات ومجازات بصرية تُبرز وعي الفنان بقضايا عصره وطموحه نحو الحرية والانعتاق من القمع.

ولا يمكن الفصل بين أعمال بوجمعة ووجودها الجيوسياسي، فهي تبحث دائمًا عن سبل تعبيرية تنفلّت من سلطة الرقابة، وتُميط اللثام عن السياسات التي تُعيد إنتاج العنف وتُقصي الاختلاف. وينسجم هذا التوجّه مع ما يؤكده “عبد الكبير الخطيبيي”عندما يشير إلى أنّ: الفنّ يشتغل بوصفه ذاكرة مضادّة، يعيد كتابة الجسد كي يفضح العنف الذي يُراد له أن يُمحى [9] (الخطيبي، 1980، ص. 112)

وعليه، تصبح أعمال بلعيفة وثائق بصرية مقاومة تُعيد للإنسان قدرته على مواجهة القهر، وتمنح الجسد صلاحية الاحتجاج ضد التهميش، في توافق جمالي وفلسفي مع ما ذهب إليه “”بول ريكور” في حديثه عن وظيفة الرموز حين يقول إنّها: تكشف أكثر مما تُبطن، وتسمح للفكر أن يتجاوز حدود الممنوع نحو فضاء المعنى[10].(Ricoeur, 1975, p. 23)

بهذا المعنى، يتحول مشروع بلعيفة إلى ممارسة فنية مقاومة، توظّف الجسد، اللون، والمادة، كي تُعيد مساءلة عالم مصاب بانهياراته، وتستعيد للإنسان صوته في مواجهة سياسات العنف والانتهاك.

الخاتمة

إنّ تجربة بوجمعة بلعيفة ليست مجرّد اشتغال نحتـي على المادة والخامة، بل هي فعل تفكير جمالي وسياسي في آن، يعيد من خلاله الفنان قراءة الجسد بوصفه حاملاً لذاكرة العنف وموقعاً تتقاطع فيه السلطة والاضطهاد والمقاومة. فالمادة الطينية التي تتشكّل بين يديه تتحوّل إلى أجساد تنطق بقلق العصر وتضجّ بصدماته، وتستعيد ألم الإنسان في زمن تتفاقم فيه الإيديولوجيات وتمتدّ فيه أشكال العنف المرئي واللامرئي. وهذا ما يجعل أثره الفني وثيقةً بصرية تسعى إلى إعادة ترميم الوعي الجماعي، وإلى مساءلة خطاب القوة الذي يحاول باستمرار ترويض الجسد وإسكاته.

ولعلّ ما تقدّمه أعماله من سردية بصرية حول هشاشة الإنسان ينسجم مع ما تؤكده “جوديث بتلر” حين تقول : “الجسد هو الموقع الذي تُنقَش فيه السلطة… إنّه السطح الذي تترك عليه العنف السياسيّ أكثر علاماته دوامًا”[11]. (Butler, 2004, p. 33)
فالجسد عند بلعيفة، كما عند بتلر، ليس شكلاً مادياً فحسب، بل هو طبقة حيّة من الذاكرة، يحمل العلامات، ويتحوّل إلى أثر مقاومة يتجاوز صمته الظاهر. وفي هذه الجدلية بين الرمز والتأويل، نستحضر أيضاً قول بول ريكور :”الرمز يدفع إلى التفكير[12](Ricœur, 1975, p. 23)
إذ يصبح الرمز في أعمال بلعيفة آلية لتجاوز حدود المباشر، ومجالاً لفتح إمكانات المعنى وترسيخ القراءة النقدية للواقع.

ومن جهة أخرى، فإنّ اشتغال الفنان على الأجساد المشوهة والمفككة يعيد صياغة علاقة الفن بالصدمة، بالتماهي مع ما ذهب إليه رولان بارت حين يرى أن الصورة تمتلك قوة «الجرح» الذي يوقظ الوعي ويفتحه على مالا يُقال “الصورة الفوتوغرافية… تُصيبني بجرح[13](Barthes, 1980, p. 27)، هكذا يتحول العمل الفني إلى فضاءٍ يوقظ حساسية المتلقي ويدفعه إلى إعادة التفكير في الواقع الجيوسياسي الذي أنتج هذا العنف.

إنّ مشروع “بوجمعة بلعيفة” يتجاوز حدود النحت ليصبح شهادة على زمن معقّد، يسعى الفنّ فيه إلى خلق إمكان للعيش المشترك، وإلى إعادة بناء المعنى داخل سياق عربي مثخن بالتوترات. وبهذا المعنى، يصبح الفنّ ، كما يبرهن الفنان، مساحة مقاومة ناعمة تعمل على تحرير الإنسان من صمت القهر، وإعادة صياغة الأمل في القدرة على التعايش، رغم كلّ شروخ الذاكرة والجسد.

 

باحثة في الجماليات من  تونس

 

 

المراجعBibliographies/

Français

  • Barthes, Robert. (1964). Rhétorique de l’image.
  • Barthes, Robert. (1980). La chambre claire : Note sur la photographie. Paris : Gallimard.
  • Butler, J. (2004). Precarious life: The powers of mourning and violence. Verso.
  • Levine, M. (2015). Lorsque l’art devient une arme.
  • Merleau-Ponty, M. (1945/1962). Phenomenology of Perception (C. Smith, Trans.). Routledge & Kegan Paul.
  • Naguib, S.-A. (2017). Engaged ephemeral art: Street art and the Egyptian Arab Spring. Transcultural Studies, 2017(1), 52–74. Heidelberg University Publishing.
  • Ricœur, Paul. (1975). La métaphore vive. Paris: Seuil.
  • Ricœur, Paul. (1997). L’idéologie et l’utopie. Paris: Le Seuil.
  • Sontag, S. (2003). Regarding the pain of others. Farrar, Straus and Giroux.

 

العربية

  • الخطيبي عبد الكبير ، (1980): الذاكرة الموشومة، الدار البيضاء، دار توبقال.
  • مخلوف حميدة ((2004: سلطة الصورة بحث في أيديولوجيا الصورة و صورة الأيدولوجيا.

[1] Merleau-Ponty, M. (1945/1962). Phenomenology of Perception (C. Smith, Trans.). Routledge & Kegan Paul.  « L’existence, c’est être au monde avec les autres. »

[2] Ricœur, P. (1997). L’idéologie et l’utopie. Paris: Le Seuil.  « La politique est le lieu où les images de base d’un groupe fournissent en définitive des règles pour l’usage du pouvoir. »

[3] Levine, M. (2015). Lorsque l’art devient une arme :. “Art has always been a handmaiden to revolution and culture its fuel, … it is impossible to move large masses of people … without having a powerful cultural and artistic component … in the most affective … manner possible.”

[4] Naguib, S.-A. (2017). Engaged ephemeral art: Street art and the Egyptian Arab Spring. Transcultural Studies, 2017(1), 52–74. Heidelberg University Publishing.
“Ephemeral art on the streets of Cairo translated political contestation into embodied visual forms that resisted erasure.”

 سلطة الصورة بحث في أديولوجيا الصورة و صورة الأديولوجيا.: مخلوف حميدة (2004) [5]

[6] Barthes, R. (1964). Rhétorique de l’image. Seuil. « …la photo possède une force constatative, et que le constatatif de la photographie porte, non sur l’objet, mais sur le temps. »

[7] Sontag, S. (2003). Regarding the pain of others. Farrar, Straus and Giroux  « PHOTOGRAPHS OBJECTIFY: they turn an event or a person into something that can be possessed. And photographs are a species of alchemy, for all that they are prized as a transparent account of reality. »

[8] Butler, J. (2004). Precarious life: The powers of mourning and violence. Verso.  « The body is the site where power is inscribed, where it performs, resists, and endures; it is the surface on which political violence leaves its most enduring marks. »

[9] الخطيبي، عبد الكبير. (1980). الذاكرة الموشومة. الدار البيضاء: دار توبقال.

[10] Ricoeur, P. (1975). La métaphore vive. Paris: Seuil. « Le symbole donne à penser ; il dévoile plus qu’il ne cache et permet à la pensée de franchir les limites du dicible vers un espace de sens. »

[11]Butler, J. (2004). Precarious life: The powers of mourning and violence. Verso:
« The body is the site where power is inscribed… the surface on which political violence leaves its most enduring marks. »

[12] Ricœur, P. (1975). La métaphore vive. Paris: Seuil. « Le symbole donne à penser… »

[13] Barthes, R. (1980). La chambre claire : Note sur la photographie. Paris : Gallimard. « La photographie… me blesse. »

عن madarate

شاهد أيضاً

الجانب المظلم للبطل الحجري (نصوص هايكو) جورج سويد – ترجمة حسني التهامي

نصــــوص من الهايكـــــــــــو ترجمة: حسني التهامي* جورج سويد   نسيمٌ ربيعيٌّ دافئ – كلبُ صيدٍ …

اترك تعليقاً