تعانُقُ الموروثات الشَّعبية البدويّة والتَّاريخ والسّيرة الذَّاتيَّة في روايَّة “يوم المِلاجَا” لأيمن شكري.. قراءة نقديَّة

كرم الصَّبَّاغ*
استهلال:
أعتقد أنَّ الفنونَ والرّواية في قلبها تهيئ لنفسها مقومات النَّجاح والتَّأثير، إذا ما تميزت عن غيرها بنكهةٍ خاصَّةٍ، وإذا ما تمرَّدت على القوالب الجاهزة، وحاولت أن تشقَّ لنفسها طريقًا رحبًا يستوعب ما بصاحبها/ كاتبها من طاقةٍ ومشاعرَ ورؤى وزخمٍ معرفيٍّ وثقافيٍّ له خصوصيته.. بين أيدينا اليوم روايّةٌ مختلفةٌ على مستوى الفضاءِ السرديّ واللُّغة والمضمون، امتزجت داخلها دون تنافرٍ عدّة مكونات: التاريخيّ والفلكلوريّ والغرائبيّ والواقعي بالإضافة إلى السّيرة الذاتيّة، روايَّة نهلت من فضاءٍ بكرٍ، لم ينهل منه سوى قليلٍ من السّاردين ألا وهو فضاء الصَّحراء وما يميز أهلَها، ذلك المعين الذي سبق إليه الشُّعراء، فأسَّسوا منه دروبًا وطرائق عبَّرت بصدقٍ عن تراثٍ أصيلٍ يضربُ بجذورِه في أعماق تاريخٍ طويلٍ، يمثل تاريخ البادية العربيّة عامةً والمصريّة خاصةً.
وتجدر الإشارة إلى أنْ وجود العرب في مصر يعود إلى ما قبل البعثة النبوية بعدّة قرون؛ فقد استعانت كليوباترا السابعة التي حكمت مصر في الفترة من عام 51 وحتى 30 قبل الميلاد في صراعها مع شقيقها وحليفه أوكتافيوس بمالك بن عبادة كبير أنباط الفرما، الذى أمدَّها بجندٍ كثيفٍ، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن البعثة النبويَّة تمَّت يوم الاثنين الموافق الحادي والعشرين من شهر رمضان، العاشر من أغسطس عام ٦١٠ من الميلاد، وتجدر الإشارة كذلك إلى أن القبائل العربيَّة قد قَدِمَ أكثرُها إلى مصر مع وبعد فتح عمرو بن العاص، ومعظمهم جاء من اليمن إلى الحجاز ثمّ إلى مصر، والعرب الذين جاءوا مع عمرو بن العاص رحلوا مرَّةً أخرى عن مصر إلى الشَّمال الأفريقيّ وصولًا إلى المغرب واستقرُّوا هناك، ثم حدثت هجراتٌ عكسيَّةٌ من المغرب إلى مصر، وهجراتٌ اجتماعيةٌ وهجراتٌ قسريَّةّ من ليبيا إلى مصر ومنها التهجيرُ القسريُّ الَّذي حدث أيام الاحتلال الإيطاليّ لليبيا.

هذا، ويبلغ عدد القبائل العربيَّة في مصر أربعًا وسبعين قبيلةً وتعدادها يقارب أربعة عشر مليونًا وفقَ بعض الإحصاءات، وقد استوطنت تلك القبائل شبه جزيرة سيناء ومحافظات الشَّرقية والاسماعيلية، واستوطن البعض الآخر محافظات الفيوم والمنيا، وأسيوط، وسوهاج، وقنا واستوطن فريقٌ ثالثٌ محافظة مرسى مطروح ومحافظة البحيرة وبخاصة مركز أبو المطامير، ومركز الدَّلنجات، وغرب الاسكندرية، وأشهر تلك القبائل التي استقرت بمصر التّرابين، والفوايد، والرمَّاح، والجوازي، والفرجان، والقطعان، والحسون، وخويلد، والقذاذفة، والهماميّة، وقبائل المغاربة، والسنة، والمرابطون، وقبائل أولاد عليّ، بقسميها أولاد عليّ الأحمر الذين قدموا من برقة الحمراء، وأولاد عليّ الأبيض الذين قدموا من برقة البيضاء، هذا وتُعدُّ قبائل أولاد عليّ وقبائل المغاربة هي أكبر القبائل الّتي تستوطن مرسى مطروح مسرح أحداث رواية “يوم المِلاجَا”.
وفي السُّطور التَّالية سأحاول أن أقوم بمِشية – على حد تعبير بدو مصر- داخل دروب وأزمنة يوم المِلاجَا لعلَّي أنجح في إلقاء الضَّوء على جماليَّات تلك الكتابة الثَّريَّة.
العنوان: اختار الكاتب لروايته عنوانًا يرتبط ببيئته بحبلٍ سريّ؛ فالعنوان جاء باللّهجة البدويَّة لسان أهل الحمام ومرسى مطروح وأجوارها، وبمعنى أكثر وضوحًا جاء العنوان ابنًا لبيئته، والعنوان كما ينظر له أرباب علم العتبات وعلى رأسهم جيرار جينت يعدُّ المفتاح الأول للولوج للعمارة النصيّة، نهتدي به مع غيره من العتبات النصيَّة الداخلية والعتبات غير النصية الخارجية في رحلتنا لاستجلاء كنه النَّص المسرود، ولا نغفل في بداية رحلتنا تلك الوظائف التي يؤديها العنوان مثل الإثارة والعصف الذهني للقارئ بغرض محاولة الإجابة عن تلك التساؤلات التي يثيرها العنوان، ممَّا يحفز القارئ على المُضي قدمًا في القراءة، تلك العملية الدّيناميكية التي تحيي النَّص الأصلي، وتزيده ثراءً من خلال تحويل القارئ إلى عنصرٍ فاعلٍ وشريكٍ في إنتاج نصٍّ موازٍ، تلك النُّصوص التي تتعدَّد كلَّما تعدَّدت القراءات، واختلفت التأويلات وفق ما نظرّت له نظرية التَّلقي وصاحباها ياوس وأيز.
لقد جاء التَّركيب اللُّغوي للعنوان على هيئة المبتدأ المضاف “يوم” والمضاف إليه “المِلاجَا”، والمِلاجَا باللَّهجة البدويِّة تعني اللقاء، فأيّ يومٍ يعنيه الكاتب؟! وإلى أيِّ لقاءٍ يشير؟! هل يهفو الكاتب إليه، أم يتخوَّف منه؟! تلك أسئلة قد تتبادر إلى الذهن، ولن يملك القارئ الإجابة عنها بشكل يقينيّ حتَّى بعد الانتهاء من القراءة، خاصة مع النّهاية المفتوحة التي آثر الكاتب أن ينهي بها روايته، فيضطر القارئ إلى أن يسأل نفسه مرَّةً أخري: أكان اللقاءُ المشارُ إليه يومَ المعركة الفاصلة بين الجيش الألمانيّ والجيش الإنجليزيّ على أرض العلمين، أم كان يومَ لقاء الجدّ “ملوكة لِمْنِفي” صاحب مخطوطة “يوم الملاجا”، والذي ظلَّ مصيره مجهولًا بعد أن أحيل إلى سنّ التّقاعد، أم يومَ عودة الرَّاعي “مِغَرِّب” بعد اختفائه المفاجئ إثر سؤال البطل إيَّاه عن أيام حرب العلمين الأمر الذي أدى إلى نهوضه السريع بمجرد سماع السؤال وبمجرد رؤية مخطوط أيام المِلاجَا، أم يومَ عودة الغجريّة غاليا؟!
استدعاء التَّاريخ وإسقاطه على الواقع المعيش: بحيلةٍ ذكيّةٍ استدعى الكاتب أحداث حرب العلمين التاريخيّة وأحيا شخصيات شهيرة مثل روميل وهتلر وتشرشل مونتجمري وغيرهم إلى جانب آلاف الجنود البؤساء ممن قضوا نحبهم في تلك الحرب البلهاء التي تقاتل فيها جيشان من الغرباء على أرض ليست بأرضهم من أجل تحقيق أمجاد زائفة لحفنة من القادة المتغطرسين؛ فهي لم تكن حربًا للدفاع عن حقٍّ أو عرضٍ أو شرفٍ وطنيّ بل حربًا للتمدّد والاحتلال الإمبريالي لقوى اعتادت أن تمتصّ دماء غيرها من الشُّعوب، قوى قلَّما أبهت بحياة الشُّعوب التي فسدت بالكلّية من جراء حربهم الضَّروس المُخرّبة.
لقد كان الدُّولاب العتيق وما يحويه الدُّرج المغلق من متعلّقات الجدّ ملوكة وشيجةً قويَّةً، ربط بها الكاتب بين الماضي والحاضر، وإنّما تقصّى الكاتب ذلك الماضي من وجهة نظري؛ ليلجَ طريقًا زاخرةً بالعادات والتقاليد والفنون البدويَّة الأصيلة، وليسقط ما حملته حرب العلمين على ما يشهده العالم منذ سنوات طويلة، ولا يزال من حروبٍ وإغاراتٍ ونزاعاتٍ، تزدري كل ما هو إنسانيّ، وتعظّم همجيَّة قانون الغاب.
إنّ الكاتب ضمَّن نصَّه رؤيةً فلسفيَّةً نستنبطها من الإشارات العديدة التي بثَّها في مرويته، تلك الرؤية التي تنتصر للحياة في مواجهة الموت، والتي تنتصر للتعايش السلميّ وقبول الآخر في مواجهة رفض الآخر، ومن ثَمَّ إبادته بدافع شهوة الهيمنة وغطرسة القوة، وتحقيق الأمجاد الزائفة.. من تلك الإشارات الرَّسائلُ التي كتبها الجنود قبل أن يلقوا حتفهم، أولئك الجنود الذين ذاقوا ويلات الحرب وكابدوا الاغتراب بعيدًا عن ذويهم وأوطانهم، والتي أكَّدتها “غِنَّاوات العلم” والرسومات التي خطَّها جَدّي “ملوكة” بنفسه كشاهد عَيانٍ على تلك الفترة التَّاريخيّة.
توظيف الموروثات الشَّعبية البدويَّة: تعدُّ الرّواية كرنفالًا عامرًا بالفلكلور.. والفلكلور كلمة أصلها ألمانيّ نقصد بها مجموعة الموروثات الشَّعبية والفنون القديمة والقصص والحكايات والأساطير والثَّقافة الماديّة والفنون والعادات والتَّقاليد الخاصَّة بمجموعةٍ معينةٍ في بلدٍ ما.
ولقد عمرت الرِّواية بالعديد من ألوان الموروثات الشعبيّة البدويّة التي أوجزها فيما يلي:
١-أنواع الأطعمة البدويّة التي أشار إليها الرّاوي ومنها المكمورة والرز الحَمَر ولحوم الضأن والماعز والمكرونة الجارية والمفروكة والمبوَّخ والرز المرجّع، والمسرودة، والجردوق، وخبز التنور، ولكن الكاتب نسي العصيدة كواحد من أشهر الأطعمة البدويَّة.
٢- الأشربة المتمثّلة في زردات الشَّاي الأحمر والشَّاي الأخضر الليبيّ والفلية والنّعناع.
٣- الملابس والأزياء المتمثِّلة في الشَّنة أو اللبدة، والقفطان والسروال والمَلِف أو الصدرية، والصمادة (الغترة) وهناك الجُرُد والحِرَام، أمَّا زي النساء فهناك البراقع والقنعة والوقاه والسكاريج كأغطية للرأس وهناك الثّياب المطرَّزة الموشَّاة بطبقةٍ رقيقةٍ سوداء أو بيضاء تسمى الشاشة، وهناك حزام الوسط ويسمى الصُّوفيَّة أو المقوط، فوقه شريط مصنوع من شعر الماعز باللونين الأسود والأحمر ومزين بحبات الودع الأبيض، ويلف على المقوط ثلاث مرَّاتٍ ويسمى «مريرة» ويستخدم لحفظ الأدوات البسيطة التي تستخدمها السَّيدة البدويّة في الأمور الحياتيّة اليوميّة مثل القدَّاحة «الولَّاعة» وأعواد الثّقاب والخيط والإبرة وأدوات الزّينة البسيطة، وهناك زينة المرأة المتمثّلة في الشناف والدملج والخلخال.
٤- النَّسيج الاجتماعيّ المؤلَّف من القبائل العربية والغَجَارا والوافدين، وما يصاحب ذلك من مجالس عرفية (مواعيد العرب) وطقوس الأفراح والمآتم.
٥- طقوس ومراسم الجلامة: موسم قص أصواف الأغنام، والذي يمثل كرنفالا شعبيّا يجسد التلاحم بين المواطنين، ويبدأ موسم جز صوف الأغنام بمطروح، نهاية شهر إبريل من كل عام ويستمر حتى بداية فصل الصيف، وهي عملية ضرورية تخفِّـف عن الأغنام حرارة شمس الصيف، وتساعد على تسمينها، ويطلق عليها البدو “الجلامة”، وتصاحبها طقوس تراثية خاصة توارثتها الأجيال عن الأجداد. تبدأ من الليلة السابقة على بدء الموسم بنصب “بيوت العرب” أو الخيام الكبيرة، لاستقبال الضيوف الذين يتوافدون من المناطق المختلفة ليشهدوا الحدث، وتنحر لهم الذبائح. ويعد لهم ما يسمى طعام الكِرَامة الذي يأكل منه الضُّيوف والجلَّامين والأهالي كبارًا وصغارًا، ومن تلك الموروثات ما يخص الأساطير كتلك التي تخصُّ منطقة البرقان، ومن المظاهر المادية الآثار الموجودة في تلك البيئة مثل المسالي واللَّوحات الأثريّة الرومانية.
٦- الفنون البدويّة وأقصد هنا الشِّعر والغناء متمثلًا في أغنيات التجلية التي تصاحب صيد الطيور، وأغنيات القذاذير التي تصاحب موسم الجلامة، والمجاريد والشِّتَّوات وغنَّاوات العلم التي ألَّفها جدّي ملوكة، والتي قابلتها رسومات ضجّ بها مخطوطه.
وتجدر الإشارة إلى أن الغناء البدويّ ظل إلى يومنا هذا وعاءً ناقلًا وصمام أمان للحفاظ على اللهجة البدوية من الاندثار خصوصًا مع تمدُّن البوادي وزحف العمران واختلاط الألسنة وتوغل الوافدين من قرى ومحافظات مصر على البيئات البدوية؛ مما أسهم في تحوُّل اللِّسان البدويّ عن لهجته وبخاصة الأجيال الجديدة.
٧- الألعاب كالجازوة لعبة الأطفال التي تلعب بالحصى والزلط، ولعبة السيجا أو السبعاوية التي تعد من أشهر الألعاب التي توارثتها الاجيال والتي لا يزال يمارسها الكهول والشياب إلى يومنا هذا.
لقد نجح الكاتب في توظيف تلك الموروثات وتلك المفردات فنجح في رسم صورة حية لبيئته التي تتسم بالخصوصية الشديدة والفرادة.
***الرَّاوي الداخليّ المشارك والسّيرة الذّاتية: تجدر الإشارة إلى أن السيرة الذاتية أو الترجمة الذاتية أو البيوغرافيا الذاتية هي كلمة لاتينية أصلها autobiographia أوتوبيوغرافيا وهي نوع من أنواع الكتابة الأدبية، وتعني فن سرد الشخص لسيرة حياته أو جزء منها، أو عرض ليومياته، أو اعترافاته الشخصية.. وأول من استخدم ذلك المصطلح «السيرة الذاتية» هو روبرت ساوذي عام 1809.
وفي هذا النوع من السَّرد غالبا ما يعتمد الكاتب على صوت الراوي الداخلي، وهو عادة ما يكون شخصيَّة من شخصيَّات المرويّ/ الحكاية، أي أنَّه مشارك بالأحداث بغض النظر عن حجم المشاركة فقد تكون أساسية أو ثانوية، ولهذا يسمى الراوي المشارك أو الراوي الشخصية. وعادة ما يتحدث بضمير المتكلم الـ(أنا)، أو ضمير السرد الذاتي، ويظهر هذا النوع عندما يكون السرد ذا طابع سيري والراوي داخليا ويتحدث عن نفسه، (ذهبتُ، كتبتُ، سافرتُ).
وفي روايتنا “يوم المِلاجَا” نجد أنَّ الرَّواي الدَّاخلي المشارك هو الكاتب ذاته، وأن الكاتب ضفَّر في روايته بين السيرة الغيرية للجد ملوكة وأصدقاء الرَّاوي المقرَّبين فيصل السُّودانيّ وكوارشي وحمادة النَّاظر ومحمد حسن وأسامة جلال وصالح بوشكاش وغيرهم، وأخويه إسلام وأسامة، وبين السيرة الذاتية للكاتب ذاته؛ إذ تدور الأحداث في مدينة الحمام التي يعيش فيها الكاتب في الحقيقة، وقد وجدناه يسرد أجزاء من حياته الشخصية وعلاقته بأبويه وأصدقائه ورسوبه في الثانوية العامة ورحلاته إلى المحجر والملاحات وغيرها، هذا وقد اعتمد الكاتب في سرده الذَّاتي على الذاكرة، وحاول أن يربط سيرته الذاتية تلك بالأحداث التاريخية والغيرية، وأعتقد أنه نجح من خلال ذلك التكنيك أن يقيم جسرًا بين الماضي والحاضر، وأن يرسم صورة عن الجيل الجديد من شباب محافظة مرسى مطروح الذين لم يعودوا منغلقين على الموروث اليدوي السائد، بل تخطُّوا ذلك إلى الانفتاح على الحياة العصريّة بشتى مناحيها، وبخاصة الموسيقى والغناء من خلال علاقة الكاتب وأصدقائه بعمرو دياب ومصطفى قمر وحميد الشاعريّ وعايدة الأيوبي وعلي حميدة، وعلاقتهم بألوان الموسيقى الغربية وفرقة أنجيما ومايكل جاكسون وبوب مارلي وغيرهما، وعلاقتهم بالأفلام الاجنبية والسينما المصرية والعالمية، وتجدر الإشارة هنا إلى دور الحركة الوافدة على مدينة الحمام ومرسى مطروح من محافظات مصرية ودول مختلفة في تغيير النَّسيج المحكم لتلك البيئة البدوية، ولكنني أود إلى أن أشير إلى أن المجتمع البدوي لم يكن منغلقا على نفسه انغلاقا كليًّا كما قد يتوهم البعض؛ فثمة ما يدعوه البدو التسنيد أو ما يطلق عليه البدو الكتابة بأن يقولون : “هاضا كاتب معنا أو هاضا كاتب معهم”، وذلك بأن ينتمي غريبًا لا يمتُّ للبدو بصلةٍ إلى إحدى القبائل العربية؛ فيصر له ما لهم وعليه ما عليهم، وهي عادةٌ وقانونٌ بدويٌّ قديم، وعلينا أن نلاحظ ما ألمح إليه الكاتب في روايته من علاقة الجدِّ ملوكة بالجنود الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى، ثم عادوا في الحرب العالمية الثانية، إنَّ تلك الصداقة التي نشأت بينهم وبين جدّي ملوكة لمنفي لهي دليل قويّ على انفتاح المجتمع البدويّ على الاخر، وثمة دليل آخر على هذا الانفتاح، وهو أن تلك البيئة قد تسامحت مع الغجر الجيرمان واستوعبتهم، الأمر الذي حدث مع أهل غاليا ومِغَرِّب الراعي، وربَّما يتفق ذلك مع خصيصتي الكرم ونجدة الملهوف التي تتمتع بها الشخصيّة البدويّة البسيطة المتسامحة إلى أبعد مدى.
*** الغرائبيَّة: لم تخل الرِّواية من ملمح غرائبيّ، وأعني به مشهد ثعابين الماء الذهبية في منطقة البرقان، ومشهد عجلة الطّين الدّوارة التي تعيد من خلالها السّاحرة الجنود إلى الحياة، ومقطع البوص يطرح سمكًا.
البنية السَّرديَّة:
** اللُّغة: جاءت اللغة رشيقة سهلة طعَّم فصيحها بالكثير من الجمل المنطوقة باللَّهجة البدوية كذلك اعتمد الحوار على تلك اللَّهجة مما أضفى عليه حميمية ومصداقية اتَّسقت مع الفضاء السّردي الصّحراويّ والبيئة.
وتجدر الإشارة إلى أن اللغة ارتقت إلى الشعري في أجزاء من الرواية، نلاحظ ذلك عندما عبَّر الرَّاوي عن وجده وطول انتظاره لعودة غاليا ونلاحظ ذلك أيضا في عدة مقاطع مثل ” يكلم أمه أم يكلم الأرض” الذي يعبر فيه الجندي عن ويلات الحرب ومقطع “ليلة مع القمر”، مما يؤشر على أن الكاتب يختزن داخله طاقة شعريٌِة كبيرة يوظّفها بقدرٍ.
**الزَّمان: لم تعتمد الرواية على الزمن الخطي التراتبي بل اعتمدت على الزمن المتداخل حيث تمَّ كسر التسلسل الزمني، وقام الكاتب بالانتقال من الحاضر إلى الماضي ثم العودة إلى الحاضر، تم هذا مرارا وتكرارا، وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الزمن قد أضفى على الرواية شيئا من التعقيد والغموض وعكس تأثير الماضي على الحاضر، ومن ثمّ المستقيل.
الشَّخصيات: أحاط الكاتب شخصياته بغلالة من الغموض، فهي شخصيات تخفي أكثر مما تبوح به، وجدنا ذلك في شخصية جدي ملوكة، وحبيبته جميرة الشيَّالة، والراعي مَغَرِّب، ومعلّم منجوري، وشخصية غاليا التي كانت تستحق من وجهة نظري أن يفرد لها الكاتب مساحة أكبر، لما تتمتع به من طاقة سحريّة أضفت على الرواية حيويةً وبهجةً، كسرت حدَّ القتامة، الذي صاحب مشاهد الحرب والموت والدّماء، تلك الشخصية التي نسجها الكاتب لتكون من وجهة نظري معادلًا موضوعيًّا للحياة بما تحمله من جمالٍ وجموحٍ وغموضٍ.
النّهاية: جاءت النّهاية مفتوحة، تقبل العديد من التأويلات، ولقد مهَّد الكاتب لتلك النهاية بتناول مشروب الزهرة البنفسجية، أو زهرة نبات “التاتورا” التي غيبته عن الوعي لمدة أسبوع كامل، استيقظ بعدها مشتًّتا، إذ بدأ يشكّك في كلّ شيء، وجود جدي ملوكة، ووجود غالية، بل حقيقة مخطوط جدي ملوكة يوم الملاجا التي شكَّ لوهلة في أنَّ هذا المخطوط من صنع أخيه إسلام، ذلك الشكّ الذي دعَّم ما عمد إليه الكاتب من الغموض الذي أحاط به شخصيات روايته جدي ملوكة ومغرّب وغاليا بل وحقيقة مخطوط يوم المِلاجَا والدولاب والدرج المغلق، وكأنَّ الكاتب قد أراد أن يعبر عن عصرنا الحالي وانعكاساته على ذاته معبرًا عن حالة الشك والقلق والغموض وضبابية الرؤية وانسحاق الذات، تلك السمات التي تميزت بها الرواية الجديدة في مرحلة ما بعد الحداثة، ولكننا في الوقت ذاته لا يمكننا إغفال بما في الرواية من ملامح الأصالة والاحتفاء بالتاريخ والموروثات الشعبية التي تعتمد في جوهرها على معرفة يقينية تتنافى مع رؤية الرواية الجديدة وترتدّ بنا إلى مرحلة الحداثة أو الرواية الحديثة الأمر الذي يجعل “يوم الملاجا” تقف في منطقة وسطٍ بين المرحلتين، ويجعل منها أيضًا روايةً لا تركن إلى التَّصنيف الجامد.
*** الحبكة: إن هشاشة الحبكة تعدُّ من السّمات التي اتَّسمت بها الرّواية الجديدة؛ إذ لم تعد معنية بالمنطق المتعارف عليه قدر عنايتها بنسف هذا المنطق من الأساس، وإعادة بناء منطقها الخاص، ولكنَّنا لا نسلم بأنَّ رواية “يوم الملاجا” تنتمي إلى تلك المدرسة انتماء كليّا، ولا نسلم كذلك بأنَّها تخلَّصت من هيمنة الواقع بشكل تام، الأمر الذي يفرض ضرورة الايهام بذلك الواقع، ومن ثَمَّ ضرورة منطقة الأحداث، لهذا أستطيع أن أقول إنَّ رواية “يوم المِلاجَا” قد عاز حبكتها بعض الإشارات التمهيديّة، وبعض المبررات لمنطقة بعض الأحداث المفصلية، التي سأوجزها فيما يلي:
*** بدا الراوي المشارك لاهيًا منصرفًا إلى المأكل والصيد والسهر وسماع الأغاني الأمر الذي تسبب في رسوبه أكثر من مرَّة وهو طالب الثَّانوية العامة، ورغم حالة الضياع تلك وجدنا أخويه اللذين يكبرانه سنًا: طالب الهندسة، وموظف البريد يشاركانه لهوه، ووجدنا أصدقاءه بما فيهم فيصل السوداني المثقف الناضج، يشاركه ذلك اللهو، لا ضرر في ذلك ولكن كلَّ هؤلاء الراشدين لم يبادر أحدٌ منهم في نصيحة الراوي بضرورة أن يلتفت إلى مستقبله الذي شارف على الضياع، الأمر الذي يجعلهم حفنة من الأعداء أو الفاسدين وليس الأخوة أو الأصدقاء.
** انتقال الراوي إلى الأرض الجديدة وتركه المساكن الحمراء دون تدخل من أخويه، كأنَّ الأمر لا يعنيهم من قريبٍ أو بعيدٍ، ودون تدخل من الأصدقاء، الأمر الذي يتناقض مع حالة التقارب الشديد التي رسمها الكاتب بين الراوي وأخويه وهؤلاء الأصدقاء، وإن كنت ألمح بين السطور أن ثمَّة ضغائن خفية بين الراوي وأخويه أسامة وإسلام أشار إليها الراوي على استحياء، الأمر الذي أضر بالحبكة، فقد كان لزامًا على الكاتب من وجهة نظري أن يوضح سرَّ هذه الضغائن أو أن يزيلها تمامًا، ويضيف للأخوين بعض المحاولات لإعادة أخيهم الأصغر، الذي لا يملك موردًا ماليًّا ينفق منه على مأكله ومشربه. الأمر نفسه نجده عند الأصدقاء الذين لم يحاول أيٌّ منهم إعادة الرّاوي إلى منزله مما يدعِّم الصورة السلبية لهؤلاء الأصدقاء التي تتعارض مع ما حرص الكاتب على تصويره من قوة العلاقة بينه وبينهم.
*** بدا الراوي المشارك كارهًا الرياضيات، لا يطيق الاقتراب من كتاب المعاصر، وبدا ضعيفًا في مادة الكيمياء، والسؤال ما الذي أجبره على دخول قسم علمي رياضة وقد بدت كلُّ ميوله أدبية؟! هل تقليد أخاه خريج الهندسة وحسب؟! ألا يتناقض ذلك الانقياد مع شخصية الرّاوي العنيدة التي صوَّرها الكاتب؟!
ناقد من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي