فعل الكتابة
حوار مع المبدعة المصرية شيرين العدوي

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح
استهلال لا بد منه:
نلتقي اليوم بشخصية جمعت بين عُمق التاريخ وشفافية الشعر، بين صرامة الأكاديمية وحرية الإبداع. إنها الأديبة والشاعرة والدكتورة شيرين العدوي، القامة الثقافية التي لا تكتفي بمسار واحد، بل تُضيء بضوئها على منصات الإعلام، ومدرجات الجامعات، ودفاتر الشعر. بصفتها دكتورة في التاريخ الإسلامي وأستاذًا مساعدًا في كلية الإعلام، وبصفتها شاعرة حصدت الجوائز الكبرى، وعضواً فاعلاً في اتحاد كُتّاب مصر والمجلس الأعلى للثقافة، تمثل المبدعة شيرين العدوي نموذجاً للمبدع العربي المعاصر الذي يغوص في التراث ليطرح رؤى المستقبل. نخوض معها في هذا الحوار رحلة فريدة، نستكشف فيها الرؤية الفنية التي تحرّك فعلها الكتابي، ونتعمّق في تجربتها الإبداعية التي وصفتها بالغرق “الذي لا نجاة منه أبداً”. كما نناقش أبرز قضايا المشهد الثقافي العربي، من تحديات الكتابة النسوية إلى تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مصير الإبداع. فلنبدأ جولتنا في فكر هذه المبدعة التي ترى في الكتابة “انعكاساً وجودياً” يهدف إلى صدمة القارئ ليُغيّر منظوره تجاه العالم.
ورقة عن المبدعة شيرين العدوي
سيرة أدبية وأكاديمية
أولاً: المؤهلات الأكاديمية والمسيرة المهنية
- الدرجة العلمية: حاصلة على درجة الدكتوراه في الآداب، قسم التاريخ الإسلامي عام 2019.
- المنصب الأكاديمي: تعمل دكتورة بكلية الإعلام بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب (MSA).
- الإسهامات الإعلامية:
- صاحبة ومقدمة برنامج “تذوق الشعر” على إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية.
- صاحبة عمود رأي في جريدة الأهرام وغيرها من الصحف المصرية.
ثانياً: الإنجازات الأدبية والشعرية (المؤلفات)
أ. المجموعات الشعرية: لديها عشر مجموعات شعرية، من أبرزها:
- “فراشات النور”
- “دهاليز الجراح”
- “فوهة باتجاهي”
- “سماء أخرى”
- “ليس شعراً”

ب. المؤلفات والدراسات التاريخية: لها عدة كتب تاريخية، منها:
- “الحياة الاجتماعية في كتاب أبي الفرج الأصفهاني، دراسة تاريخية نقدية”.
- “الدلالات التاريخية للميثولوجيا المغربية منذ الفتح وحتى منتصف القرن الرابع الهجري”.
- لها العديد من الدراسات التاريخية واللغوية المنشورة في الدوريات المحكَّمة على مستوى الوطن العربي.

ثالثاً: العضوية والتقدير المؤسسي
أ. العضويات الأدبية:
- عضو اتحاد كُتّاب مصر.
- عضو مجلس اتحاد كُتّاب مصر السابق.
- عضو المجلس الأعلى للثقافة في مصر.
ب. الجوائز والتكريم:
حصدت العديد من الجوائز العربية والمحلية، منها:
- جائزة القرشي العربية في الشعر.
- جائزة أحمد شوقي في الشعر.
- جائزة المجلس الأعلى للثقافة المصري.
- تُوجّت وكُرّمت من مختلف أنحاء الوطن العربي.

رابعاً: الاعتراف العالمي والنقدي
- موسوعات أدبية: أُدرجت ضمن:
- موسوعة أفضل مائة شاعرة على مستوى الوطن العربي (الصادرة من أبو ظبي).
- معجم البابطين للشعراء العرب.
- موسوعة الشعر العربي المعاصر (تحقيق وتجميع أ.د. يوسف نوفل).
- غيرها من الموسوعات المتخصصة.
- الترجمة والدراسة:
- تُرجمت أعمالها إلى اللغات الإسبانية، والإنجليزية، والفرنسية.
- دُرست أعمالها في الجامعات المصرية والعربية (مثل جامعة عين شمس، جامعة القاهرة، جامعة الأزهر، والجامعة الهاشمية بالأردن).
- الرسائل الجامعية:
- احتفت رسائل جامعية بشعرها، منها:
- رسالة الدكتوراه المعنونة “الموروث الشعبي ودوره في بنية القصيدة في الشعر العربي المعاصر” للباحث أحمد حسين علي عطا.
- رسالة دكتوراه للباحثة السعودية أروى بنت أحمد الحكمي بعنوان: “الحب عند شواعر العصر الحديث (1371- 1437هجرية) دراسة موضوعاتية ثقافية”.
نص الحوار
المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية
- كيف ترين الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟
الفعل الكتابي هو فعل مُلِحّ لا يستطيع الكاتب أن يفلت منه؛ بل في أحيان كثيرة نجد الفعل الكتابي قابضاً على المبدع بشكل لا يمكن إدراك إن كان من قبض على من لصالح القصيدة. الكتابة هي حوار العناصر المتعارضة في الذات، حالة مَوَّارة بين الداخل والخارج، أو بين الأحادية والانقسام داخل الذات، وهي أيضاً حالة دائمة من الحوار مع غائب دائم، سواء كان النور الأعظم، أو الوطن، أو الأب، أو الحبيب، وربما الفعل الإنساني النبيل الغائب على الأرض.
رسالتي الدائمة هي حالة الانعكاس الوجودي وتجسيد الصراع الإنساني المُرّ. إنها صدمة القارئ ليرى الأشياء بطريقة لم يرها من قبل، فيغير منظوره تجاه العالم. على القارئ أن يفكك واقعه من خلال القصيدة، فيفكر بما لم يفكر فيه من قبل، ويرى الجمال حتى في القبح، وربما في يوم من الأيام يحول القبح إلى جمال مطلق. الكتابة تكشف عن منظور فلسفي وتكشف عن الوعي والكمال والتطور، وعبثية الحياة وسخريتها، ومع ذلك تدفع بقدرات الإنسان لاستكمال دوره في الوجود. إنها تشكيل لسؤال جديد وتكسير للقوالب الرمادية.
- من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول عمل بارز في بداياتك؟
لا أعرف تحديداً من أين استقيت تجربة الكتابة؛ ربما من نظرات الحياة الفلسفية، ربما من تصوف والدي غير المعلن، وربما من محبة والدتي للحياة وفلسفتها البسيطة في عيشها. ربما من قراءاتي حول الأنبياء في الصغر، وفي الكبر من الرؤى التاريخية الكبرى وإخفاقات دون كيشوت، وأوديسة هوميروس، والغصن الذهبي لجيمس فريزر، والفردوس المفقود لجون ميلتون، وألف ليلة وليلة، والشهنامة.
إنه كل شيء وأي شيء يمكن أن يلهمني؛ ربما عصفور وهو يفشل في وضع عشه بطريقة لائقة، وربما ساخر يرتجف من الفقر تحت وطأة المطر.
دخلت بحر الإبداع دون ملاح ولا شراع، وليس لي منارة تكشف البحر أمامي؛ فجأة وجدت نفسي في خضم الشعر، وعليّ أن أنجو منه دون جدوى. فالشعر هو الغرق الذي لا نجاة منه أبداً.
أول نص كان تخليداً لنخلة صادقتها لسنوات وأنا أمر عليها ذهاباً وإياباً في طريقي للجامعة، وفجأة اغتالتها يد لا أعرف من أين جاءت بكل هذه القسوة. كان هذا النص هو الأبرز في بداياتي، ووضعني على مصاف الشعراء بشهادة الكبار وقتها، كالشاعر محمد عفيفي مطر، وأحمد سويلم، والدكتور عبد اللطيف عبد الحليم “أبو همام”.
- أي صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك أكثر حين تكتبين (شعر، نقد، رواية، إلخ)، ولماذا؟
الصنف الوحيد الذي أجد فيه نفسي هو الشعر. الشعر قبل كل شيء والشعر بعد كل شيء. يليه البحث التاريخي؛ فكأني والتاريخ أصدقاء، نقرأ الغامض من الأسرار ويبوح لي بما لا يبوح لغيري من أحداث.
أما النقد فيؤلمني كثيراً رغم أن زملائي يلحون عليّ في قراءة أعمالهم. أرى النقد فناً لا يقل إبداعاً عن العمل الفني، ولذلك لا أستطيعه في أي وقت، مثله مثل الكتابة الشعرية، لا بد أن يوحي لي العمل بمفاتيحه.
- ماذا حققت المبدعة شيرين العدوي في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟
ماذا حققت من الكتابة؟ حققت شيرين. فشيرين هي الكتابة، والكتابة هي شيرين. لا أستطيع أن أنفصل عنها، ولا أعرف أي شيء سواها؛ فهي فعلي الوجودي.
المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها
- ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدعة؟ وكيف تتعاملين مع “حصار الكلمات” أو “جفاف الإلهام”؟
لا أجد تحديات في عملي الإبداعي سوى أن أقف عاجزة أمام الحصول على لقمة العيش في مقابل لحظات الإبداع الكبرى. تطير مني القصائد أحياناً إذا لم أتوقف لتسجيلها، وهل لي أن أعطل محاضراتي الجامعية وطلاباً تعلق مستقبلهم برقبتي لأبدع قصيدة؟!
أرى أن على المبدع الحقيقي أن يلقى رعاية ما من دولته ليتفرغ للعمل الإبداعي الذي ربما يوصله للعالمية. لم يكن لدي في يوم من الأيام جفاف إبداعي، ولكن لدي مرارة من الحياة بأسرها.

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
- كيف ترين تجربة الكتابة في العالم العربي اليوم، وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟
أعتقد أن الكتابة العربية وجدت فرصتها العالمية بعد فوز نجيب محفوظ، فالجميع هنا في العالم العربي في انتظار فرصته التالية. وأعتقد أن فوز الشاعر الفلسطيني الكبير إبراهيم نصر الله بـ جائزة نيوستاد العالمية التي تُعد الجائزة التي تسبق نوبل، قد أثلج صدورنا جميعاً وفتح الطرق أمام الجميع للتطلع للعالمية، ومن قبلهم أدونيس.
- ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضورها من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة؟
الكتابة النسوية في العالم العربي كتابة ذات شأن كبير. ما ينقصها هو تسليط الضوء عليها بما يليق بها. ومؤخراً فازت الكاتبة المصرية الكبيرة سلوى بكر بجائزة البريكس الأدبية.
لدينا أجيال من الشابات المبدعات اللاتي لا يمكن أن نتخطاهن، فهل يمكن أن نتجاوز نازك الملائكة، أو مي زيادة، أو ملك حفني ناصف، أو سهير القلماوي، أو ملك عبد العزيز، أو فاطمة المرنيسي، أو ثريا الشاوي، أو جميلة الماجري، أو سعاد الصباح، أو شيخة المطيري، أو عائشة السيفي، أو بديعة الكشغري، أو مستورة العرابي، أو سمية محنش، وغيرهن كثيرات؟
لا يمكن ترتيب الكتابة النسوية في الإصدارات، فهذا مجهود يحتاج إلى باحثين وهيئات كاملة. ولكن يمكن أن نقول إنه لم يعد من اللائق أن نتجاهل المرأة الكاتبة بأي شكل من الأشكال، وأن كتابتها متميزة ورائقة. فـ “الأسود أصبح يليق بهن” كما قالت أحلام مستغانمي، وأقصد بـ “الأسود” الهيبة والوقار والعمق في الكتابات النسائية.
- مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقدين أننا قد نستغني يوماً عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟
الحمد لله أن الذكاء الاصطناعي ليس ضليعاً في اللغة العربية ولا أسرارها وجمالها، ولذلك سيظل بعيداً عنا فترة أرجو أن تطول قدر المستطاع؛ لأنه يتطور كل لحظة، ويعلّم نفسه بنفسه.
لكنه خطير في سرقة المعلومات، ولا بد أن يكون هناك ميثاق شرف بين مُستعمِله وغيره بألا ينقل معلومات وفكراً من شخص لشخص، هذا إذا كان العالم ما زال يتحلى بالشرف والنزاهة.
المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية
- ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرتك؟
الكتاب الذي أثّر فيّ وترك بصمة واضحة في حياتي؟ تقصد الكتب. بعيداً عن القرآن الكريم والكتب المقدسة لأنها أساسية في تكوين أي كاتب، فـ هي: أعمال شكسبير، نجيب محفوظ وخصوصاً أعماله الأخيرة “أصداء السيرة الذاتية”، ودوستويفسكي. وبالتأكيد الأوديسة، ثم الغصن الذهبي، وطاغور، وأعمال رامبو، وبودلير، ولوركا.
وكتب التاريخ كلها وخصوصاً أعمال أرنولد توينبي وأستاذي العالم الجليل أ.د. محمود إسماعيل. ومن العصر القديم: الطبري والمسعودي وابن خلدون، وكتابات كانط وهيجل ويونغ. والأدب العربي بكل أشكاله وصوره. كثيرة هي الكتب والتجارب التي صُهرت فيها.
- ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟
حلمت أن أكتب كتاباً فلسفياً بسيطاً عن رحلة موت ابني، وطريقي مع الله والصبر. ولكني للآن لا أستطيع ذلك.
- كيف ترى الإنسان شيرين العدوي المبدعة شيرين العدوي؟ (سؤال للذات والتأمل)
الإنسان طاقة واعية نورانية مكونة من خير وشر. وهو كائن جبّار في فكره إن أراد، وكسول مُتخاذل لو أراد. على الإنسان أن ينظر دائماً داخله، فهو كيان لا يمكن استيعاب حدوده أو قدراته. وهو الكائن الوحيد المُولع بفكرة الخلود والحياة الأبدية.
يُحَرِّكه النور الخفي داخله، فإن فقده فقد القدرة على العيش وأصبح متوحشاً ضائعاً. وهو غطاء يحوي داخله عالم من مَوّارٍ واعين وغير واعين. كل ما يمر به الإنسان في حياته هي حيوات أخرى مرسومة في جيناته الوراثية غير الواعية.
- ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب، وهل ترينها مقياساً حقيقياً للنجاح الإبداعي؟
المقياس الحقيقي للمبدع هو الجمهور الحقيقي الذي يردد أبياته. ما زال الناس يرددون أبياتاً لأحمد شوقي، والمتنبي، وشكسبير، وبوشكين. هذا هو النجاح الحقيقي، أي التأثير.
والجوائز مرحلة مهمة جداً في حياة المبدع، ولكن يجب أن تأتي مادياً ومعنوياً على قدر تعبه وإبداعه.
- ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟
- أعمالي الشعرية الكاملة.
- كتابي النقدي عن الشعر والشعراء.
- كتاب في التاريخ.
نص شعري لشيرين العدوي
قمرٌ على كتفي
يقف السؤال على الشفة
كنا معا من قبل هذا الكون
كنا معا في دفتر الماضي البعيد
سرقوكَ من أحلامي
وضعوكَ في ناي حزين
أنا وأنت كوب من النعناع
شاهدتُ قوسَكَ سددَ الوقتَ وأفلتَ أسهمَه
شاهدته كان رماديًّا وجمريًّا ويبرق من بعيد
جسدي يحضِّرُ وقع مأتمه
ويلقى بالحجارةَ كلًّها
غصنٌ تكسًّر فوق منجله وغادر
أجراسُ وجهي أيقظت عصفورتي من نومها
كانت مخبأةً في عشِ قلبي في الوريدْ
لا جفنَ يغفو لا عناقْ
عيناكَ سورٌ من دخان
نورجين من الحنين
تتقمصان دورَ راهبةِ البراري
لا شئ أجملَ من عناقي
أفردْ سوادك لا هتافَ في النهارِ
جرحٌ لأرغفةٍ مضيّعةٍ
لأبٍ وثلاثِ زهراتٍ
وأمٍ جائعة
هذي الجبالُ أقصرُ من مساكننا الطويلةِ في الزمن
كنا بنيناها معا
خدعونا يوما بالبيوت
سرقوا مفاتيحَ السكينةِ
أطعموها للدمار
سأصادق الريحَ
وأخشخشُ الأوراقَ في هذا النهار
سألفها في جيب أشرعتي
وأرحل للجداول
قلبٌ وصوتٌ خوفٌ ونار
وأري خريفَك في ربيعي
زادَ أبيضه جمالا في بهاك
هذي المهابةُ شمسُ حكمتِك المشعّةِ في تجاويف الحياة
جمرتان من الفردوس
حمامتان
أنا وأنت حمامتان
طارتا لم تمرا على السلام
سلامٌ من فردوس غزةَ لليمن الحزينة
لبيروتَ المُقام
أنا وأنت من البراق
قامتان من القمر
قامتان من الرخام
سقف وسنواتٌ طوالٌ
ولا غروبَ لا شروقَ لا غمام
أنا وأنت والقدر
تمضي إليكَ القُبراتُ
وتحطُ فوق المدفأة
في حائط الغرف التي كانت معطلة
بلا أصابع أو جسد
أنا وأنت والليلُ الطويلُ ونافذةْ
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي