الحسَن الگامَح يستقبلنا بجديده “تصبحون على وطن” ويستودعنا في أمان الوطن

المختار النواري*
“تصبحون على وطن” النص المسرحي، الذي يتأسس على نص شعري، إذ يقدم نص محمود درويش، وبالعنوان نفسه، وفي أولى صفحاته (9 ـ 10)، مما يجعله يصرح للقارئ، ولا يوحي له، بأن التناص مع الشعر، ومع محمود درويش، ومع التوجه الوطني الفلسطيني، والحس القومي والديني بالقضية الوطنية، حاضر، وبقوة، في هذا النص المسرحي.
فالحسن الكامح، الشاعر الكاتب، يصر على رفع هذا اللواء، لواء الشعر والوطنية، متمازجان متداخلان، ويرى بأن التعبير عن القضية، وباللغة الشعرية، حتى وإن كان الإطار نثريا، سيكون أبلغ وأقدر على الإيصال، وتثبيت المعاني في النفوس، وتنوير الأرواح، وتثوير الأحاسيس.
لقد كان الرجل واعيا بمقصده، متحكما في هدفه، متوسلا له بأنجع الأساليب، وأضمن الوسائل.

وتبقى تيمتا الزمن (تصبحون) والوطن (على وطن) تيمتان أساسيتان، تحكمان هذا النص المسرحي، وترسمان له معاني ورؤى، ودلالات وأبعادا، وتصورات وتطلعات، ترافقان القارئ، وخلال رحلته مع النص، وتؤطران حضوره، فلا يكاد يغادره إلا وقد انبنت في نفسه رؤى جميلة، وأحاسيس رائعة، وتصورات نبيلة، عن الوطن، وللحس الوطني. وبالقدر نفسه، قامت بتخليصه من مجموعة من الارتكاسات السلبية، والانتظارات المخيبة، والأصداء المقيتة.
ويخرج مصنِّف هذا الكتاب عن المتعالَم في التصنيف، بتسمية “المشاهد” و”الفصول”، ويفضل استعمال اصطلاح “الاستشهاد” بدل “المشهد”، أو “الفصل”. ويقترح على القارئ توزيع النص المسرحي لا على على مشاهد، أو فصول، وإنما على “استشهادات”، بما يحمله هذا الاصطلاح من دلالة نصية ـ الاستشهاد أي الإتيان بالشاهد ـ ومن دلالة نضالية روحية ـ الاستشهاد أي طلب الشهادة ـ وجاءت الاستشهادات أربعا:
ـ الاستشهاد الأول: وطني حصان؛
ـ الاستشهاد الثاني: للحجارة وطن؛
ـ الاستشهاد الثالث: للحرف وطن؛
ـ الاستشهاد الرابع: ثورة على النص.
ويجلل الاستشهادات الثلاثة الأولى حرف الحاء ـ حصانا وحجارة وحرفا ـ بما تحمله هذه المكونات الدلالية من أبعاد عميقة وجليلة في رسم ملامح الوطن، وتأثيث صورته، في النفس والذاكرة.
فالحاء حصان:
حلمي أكبر من هذا المجال، من هذا الفضاء الذي يضيق ويضيق، كقبر بلا ضوء
لا يحتملنا… ولا يحتمل حلمنا.
حصان من خشب… ههه؟؟ (ص 38)
والحاء حجارة:
الأوطان… أوطان…
وطن للعبادة… وطن للسيادة
وطن للشهادة… ووطن للريادة
وطن نحمله على أكتافنا، فيحملنا أبطالا على عروش المجد، نضحي من أجله بكل غال ونفيس، بأرواحنا وأرواح أحبائنا، بكل ما نملك وما لا نملك.
وطن نحمله في قلوبنا… فيطردنا غرباء، بلا هوية، بلا وطن، بلا ذكرى طيبة.
وطن نحضنه حبا وشوقا فيحضننا شعرا
ووطن نحتضنه بكل جوارحنا… فينفينا بعيدا إلى أقاصي الأرض، بلا زاد، بلا هدف، بلا حكمة. (ص 63)
والحاء حرف:
رأيت النار تخرج من الأجساد
فقلت هناك المراد
ولما اعتلت النار عرش الأمجاد
لم اعد أميز بين السحاب والرماد
صار وطني خيمة مثقوبة بلا أوتاد
إذا أتاها الريح يمحوها من خريطة العباد
وإذا أتاها المطر يوليها في حبر المراد
فأين هي تلك الأمجاد؟ وطني نار… وطني نار…
تحرق الأجساد،
وطني لا يقبل أنصاف الحلول، لا يقبل الاحتراق، أو أن نتيه في طاحونة الرماد
وطني حقيقة… وطني حقيقه
لا يتكون من سحاب ولا شجر
لا من سراب ولا ماء
ولا يحتاج إلى أوراق اعتماد (ص 97ـ98)
ولا يخرج عن الحاء، ويتمرد عليها، إلا الاستشهاد الرابع، حينما يستبدلها ثاء فيكتب ثورة، ويقيم معالمها (ثورة على النص):
نريد مسرحا يجمع بين الكلام والتعبير الجسدي بتقنيات جديدة… تقنيات من مهام المخرج، بعيدا عن المسرح الكلاسيكي، لا أتحدث عن تكسير الجدار الرابع أو الحائط الرابع. (ص 122)
لقد انتهج الحسن الكامح في هذا النص، وكما في غيره من نصوص سابقة، ختمه بكتابة على الكتابة، أو، إن شئنا التبسيط قليلا، مناقشة شأن كتابة النص، وما كان يدور في خلد المؤلف، وهو يكتبه، والعوائق التي اعترضته، والتوفيقات التي حالفته، والخيبات التي واجهته، والطموحات التي سكنت نفسه، ولم يتمكن من تنزيلها، وهو يلقي بها على مشروعه الكتابي المستقبلي، أو يحملها القارئ، كمقاسم للمؤلف ومشروع مؤلف، لعله يتغلب عليها في كتاباته الخاصة.
تلك كانت جمالية نص “تصبحون على وطن”، بواقعيتها الحياتية وجماليتها الشعرية، التي أراد كاتبها أن يتقاسمها مع القارئ، لعله يخفف من وطء الواقع، وينجح في رسم ملامح للحلم، ظلت تجعل منا كائنات طوباوية.
فإلى الجميل الحسن الكامح أقول: “تصبح على وطن”، وللقارئ أقول: “تقرأون على وطن”.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي