الرئيسية / الأعداد / أسلوب الاستفهام في الشعر السعودي المُعاصر “شعر حوراء الهميلي مثالاً” – فاطمة حيدر العطاالله

أسلوب الاستفهام في الشعر السعودي المُعاصر “شعر حوراء الهميلي مثالاً” – فاطمة حيدر العطاالله

أسلوب الاستفهام في الشعر السعودي المُعاصر “شعر حوراء الهميلي مثالاً”

فاطمة حيدر العطاالله*

 

أسلوب الاستفهام:

يُعدُّ الاستفهام أحد أنماط الإنشاء الطلبي الذي يعني “طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل بأداة مخصوصة “. (1)  وقد لّبى الاستفهام حاجة الشعراء الإبداعية. ونظراً لكون الاستفهام يطرح تساؤلاتهم ودهشتهم، ويحمل في خباياه أغراض عديدة من شأنها أن تعبر عن الشعور المخبأ في هذا الاستفهام: (كالإنكار والتعجب والنداء والأمر)، تحدث البلاغيون عن خروجه عن دلالته إلى دلالات أخرى، وقدا اختلفوا في تحديد الدلالة التي يخرج إليها؛ وذلك لصعوبة التحديد الذي يتطلب قراءة دقيقة للسياق الذي وردت فيه، ممَّا يدفع المتأمل في أغراض الاستفهام للبحث في بنيته وعلاقته بالدلالات البلاغية الأخرى. يلعب الاستفهام دوراً فاعلاً في تحقيق شعرية النص ومجازيته وإنتاج جماليته البيانية، و “إنَّ على الأديب والفنان أن يستغور أعماق نفسه، ويتصيّد فيها من ألوان المشاعر والخواطر والإلهامات والأشواق والتأملات، فيجسِّم عوارضه الذاتية والآنية، ويصوِّر علاقاتها العابرة تصويراً فنيّاً، ويحيلها إلى موضوع خصب وخالد يُضيف إلى عالم المتلقي تدفقاً وجدة وأذواقاً طريفة. كما يتملَّى الطبيعة، ويستشف صورها وعلائقها وخلائقها وأسرارها، وينفذ إلى ما وراء قشرتها وأشكالها الظاهرية وقوانينها العلمية، فيضع يده على اللباب الخالص فيقدِّمه للمتذوق بوضاءة وتركيز ومعاناة غير مفتعلة ولا هائمة شاردة”. (2) فبالاستفهام يصير النص مشوقاً ووجودياً بفتح آفاقاً جديدة للتأويل وللدلالات التي تنعش النص وتقربه إلى القارئ دون أن تقفله، وقد يكون الاستفهام بدلاً لطرح الأجوبة؛ فنرى الشاعر يستخدم الاستفهام بصورة يطرح فيها الأجوبة فيغدو السؤال جواباً، ويخرج الاستفهام إلى أغراض كثيرة، في الشعر لا يطلب الشاعر في قصيدته الاستفسار عن أمر يجهله فهو يقدم قضية معينة في قصيدته فيدرك ما فيها ولكنه يود إيصال معاني ودلالات أخرى عند طريقة طرحه للسؤال ، وقد ذكر سيبويه ذلك عندما قال : “ذلك أن المستفهم عن الشيء قد يكون عارفاً به مع استفهامه في الظاهر عنه وكن غرضه في الاستفهام عنه أشياء” (3) فالشاعر كائن ذو تساؤلات دائمة، فهو لا يبرح يسأل ويتفكر ويتأمل في الوجود والأشياء والحوادث في شعره وفي ذاته ، ولعل هذا الأسلوب هو الأقرب للذات الشاعرة التي تبقى في حالة من التأمل والتفكر ، ومن الدلالات المجازية التي يخرج الاستفهام البلاغي إليها، دلالة الإنكار والنفي، أي أن يشوب الاستفهام هذه الدلالة، فيحملها هذا الإنكار والنفي، ويستفيد من الطاقة التأثيرية الكامنة في الاستفهام، وقد خرجت تساؤلات الشاعرة عن غرضها الرئيس وهو السؤال إلى دلالات عديدة بينت عمق تجربة الشاعرة وقدرتها على استعمال هذا الأسلوب في التعبير عن تجربتها النفسية والشعرية وجسيد معاناتها واغترابها وإن  استخدام الشاعرة لأسلوب الاستفهام كشف قدرتها على إبراز دلالات النص ومعانيه ، وفي الشعر السعودي نطالع الاستفهام في شعر حوراء الهميلي فنراها تقول :

من فسّر الحزنَ في قلبي وأوّلهُ ؟؟

ملامحي ربّما أزرى بها الولهُ

هنا استفهام استنكاري يعبّر عن الدهشة من مصدر الألم، وكأنّ الشاعر لا يصدّق أن الحزن اقتحم قلبه بهذه القوة، وتقول :

ما عدتُ أذكرُ شكلي حينَ تُبكّيني

حتى المرآةُ متى وجهي تُناكِفُهُ؟

هنا استفهام حائر يصوّر ضياع الذات أمام الحزن، حتى المرآة – رمز الهوية – صارت تتساءل معه عن ملامحه المفقودة، وتقول في قصيدة أخرى:

من نحتَ لي الحُلْمَ إذْ ألقَتْ مَفاتيحَهُ

من أَيقَظَ العِلمَ الجميلَ ونامَ ساهيَة؟

وهنا استفهام تأمّلي يستدعي الغائب والمجهول، يبحث عن سبب الانطفاء بعد الإشراق، وعن اليد التي بدّدت الحلم. وتقول أيضاً:

هل كانَ يُدهشُني الجُرحُ الذي أتى

مُتَسربًا في جداولِ أوتارِ الغَزَلِ؟

أمّا هنا فاستفهام إنكاري يعبّر عن المفارقة بين الجمال والألم، وكأنّ الشاعر يتساءل بدهشةٍ عن الجرح الذي يتخفّى في ثوب النغَم.

وهكذا تجلّى الاستفهام أداةً تعبيرية تكشف عن عمق المعاناة وتيه الذات بين الحيرة والحنين. فقد تحوّل السؤال إلى صوت داخلي يعبّر عن قلق الوعي وانكسار الحلم، فغدا الاستفهام في القصيدة وسيلة فنية للتأمل والانفعال أكثر من كونه بنية لغوية فحسب.

الهوامش:

 

  • السكّاكي، مفتاح العلوم، ص308.
  • محمد رشدي عبيد، مرايا جمالية ومداخل نقدية، ص137.
  • سيبويه، الكتاب، تحقيق محمد كاظم البكاء، ص477

ناقدة من سورية

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الصحراء مغربية  – أمنية كانوني

أمنية كانوني*   خَمْسُونَ عَاماً مِنَ الإِعْصَارِ فِي الرَّمْلِ يَسْتَبْشِرُ الْيَوْمَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَالْفَضْلِ   …

اترك تعليقاً