الصراع الاجتماعي والبحث عن الهوية في رواية (لا أنا لا هو لا أحد) لإبراهيم المكرمي”

ثابت محمد القوطاري*
(لا أنا لا هو لا أحد) هو عمل روائي جديد للأديب السعودي إبراهيم المكرمي، ويقع هذا العمل في (102 صفحة) من القطع المتوسط، صادرة عن دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات- مصر القاهرة 2025م، مقسمة إلى (14 فصلاً).
ينحو الروائي في هذا العمل منحاً اجتماعياً، يبحث فيه عن الهوية، وطبيعة العلاقة بين (الأنا) و(الهو)، (الهو) باعتباره جزءاً من المكون الاجتماعي والوطني والديني العام (للأنا)، إلاَّ أن الاختلافات والتعصبات المذهبية والقبلية في المجتمع المتنوع، والمذهب الواحد تعصف بالجميع، وللدخول إلى عالم الرواية وبُناها السردية علينا المرور بعتباتها الأولى: الغلاف والعنوان، باعتبارها مفاتيح مهمة للنص، وأول ما يوجهه القارئ، وعلامة سيميائية كاشفة لمضامين العمل ودلالته.

- العتبات
- العنوان (لا أنا لا هو لا أحد).
العنوان هو العتبة الأولى للنص، ولا يقل أهمية عن النص نفسه، لما له من دلالة سيميائية، كما أنَّه عنصر جاذب لقارئ محتمل، وعلى الأديب أن يختار عنوان عمله الأدبي باحترافية، وفي هذه الرواية نحن أمام عنوان مكون من جملة اسمية منفية، حملت ثلات (لا) في طياتها: (لا أنا) في دلالة على الذات الساردة، (لا هو) في دلالة على الآخر، (لا أحد) في دلالة على استغراق الجنس كاملاً أي: الأنا والهوَ معاً.
ونلاحظ أن (لا النافية) هي أحد أدوات النفي في اللغة العربية، وتستخدم لنفي الجنس أو النوع بشكل كامل، كما تؤكد على ذلك النفي بشكل قاطع أيضاً، وتدل الجملة الاسمية المنفية على النفي وتأكيده.
- لوحة الغلاف.
الغلاف عتبة مهمة – أيضاً- من عتبات النص، لا يقل أهمية عن العنوان، وفي هذه الرواية سنلاحظ أن الغلاف قد شطر إلى شطرين عموديين: الشطر الأول على يمين الغلاف وقد حمل العنوان (لا أنا لا هو لا أحد) بترتيب عمودي، وخطٍ باز، وهذا الترتيب ليس اعتباطياً أو تلقائياً فــالــ(أنا) مقدمة على الـ(هو)، والـ(هو) يتلو (الأنا)، ونفي وجود الــ(أنا) والـ(هو) بالضرورة نفي الجنس بشكل كامل وقطعي (لا أحد)، لأنَّ الكل (أحد) يتكون من (الأنا) و(الهو)، وجاء العنوان بخلفية بيضاء، مما يوحي بوجود الأمل، وانفتاح الأفق، والتطلع إلى حياة يسودها السلام والاستقرار. أما الشطر الثاني فعلى يسار الغلاف وقد حمل لوحة لرأس إنسان مطموس الملامح، ولأنَّ الرأس بمكوناته (العينين والأنف، واللسان والشعر والأذنين…إلخ) هو عنوان الإنسان وعلامته الواضحة والظاهرة، وهويته التي يُعرف بها، فسنجد أن طمس هذه الملامح وغيابها في اللوحة يعني فقدان الهوية، والشعور بالضياع، والاغتراب النفسي للذات الساردة، أما الألوان: البرتقالي والأصفر والأحمر بتدرجاتها المختلفة فقد أعطت دلالة على الحركة والديناميكية والطاقة والنشاط، وهذا ما تثبته أحداث الرواية، وحركة شخوصها داخل الأحداث، وسنلاحظ أنَّ خلفية هذه اللوحة (رأس الإنسان) جاء بدرجة من درجات اللون البندقي/الخشبي الفاتح مع وجود صورة لشجرة خالية من الأوراق والثمار، بما يوحي بحالة من الحزن والكآبة واليأس، وفقدان الأمل.
- الإهداء
اعتدنا في كثير من الأعمال الأدبية أن نجد -ضمن عتبات العمل- الإهداء الذي يسطره الأديب إلى شخصية ما في حياته، إلاَّ أننا في هذا العمل لم نجد ذلك، وغياب الإهداء يعطينا دلالة واضحة أن هذا العمل ليس موجهاً إلى فرد محدد بعينه، بل هو موجه للإنسان والإنسانية بصفة عامة، إذ يمكن إسقاطه على أي بيئة اجتماعية، وعلى أي إنسان في أي موطن كان، ويمكن اعتبار هذا العمل مهدى إلى القارئ، وبخاصة أن القارئ قد يجد ذاته فيه، أو على الأقل يتقاطع في جزئيات من حياته مع جزئيات في هذا العمل.
- المتن الروائي
قسم الروائي الرواية إلى (14 فصلاً)، ولم يعنون هذه الفصول، واكتفي بترقيمها من (1) إلى (14)، وقد كتب عمله الأدبي بضمير المتكلم (السارد المشارك) متنقلاً بين ضمير (المؤنث) خلال حديثه عن البيئة الاجتماعية والدينية للذات الساردة، وضمير (المذكر) خلال حديثه عن البيئة الاجتماعية والدينية الخارجية مع (الهو) بحرفية عالية، مع تصوير الجانب النفسي المتباين للجنسين: المذكر والمؤنث، واعتمد تقنية الوصف المباشر للمكان والبيئة، مع وجود المفارقات اللغوية المدهشة، والإنزياحات المتعددة، بما يشبه الحكم المستنتجة من خلاصة التجارب الحياتية الطويلة للذات الساردة، والتي يمكن أن نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر قوله:
-“تماسك جُزيئات القهوة رغم سيلانها، يعتبر حدثاً خارقاً، وأنا أنفر مما هو خارق للعادة” صـ14.
– “الأشخاص الذين لا يعودوننا على الاهتمام بإمكانهم أن يجعلونا سعداء بأبسط الأشياء، بمجرد كسر صورتهم الراسخة في أذهاننا” صـ 20
-“العروسة هدية يجب تغليفها جيداً قبل تقديمها لصاحبها” صـ29
– “على قدر الحنين تكون وجهتك” صـ83.
-“أدركتُ في تلك السن أني أواجه مجهولاً يتعمد دفعي إلى نقطة العماء بتكرار الأحداث نفسها، دون أن يترك لي الفرصة لمعرفة الخلل” صـ92
-“لقد علِّمتهم السحب أنَّ أحب الحقائق إلى النفس هي ما تأتي على هيئة مطر” صـ94.
وغيرها الكثير من المفارقات اللغوية، واللغة المجازية التي حملتها الرواية في طياتها، مع وجود أفكار فلسفية وجودية وإنسانية، على نحو ما نجده في الحوار بين الشخصيات، على النحو التالي:
“- لمن سيكون يومك الأخير في الحياة؟
– لابدَّ أن يكون ذلك اليوم للحقيقة، فهي ستأخذ مجراها حتماً مكان أنفاسي، ثم مكاني” صـ 17،
وقول شخصية الرواية (الأنا) في حوارها مع شخصية الآخرى (الهو):
“- هل لديك ما تقوله يا رافضي؟
– لا. لكن ليس لديِّ ما أخسره” صـ97.
كما برع الروائي في تصوير الجانب النفسي للشخصيات، وكشف عن مشاعرها وأفكارها، وصراعها الاجتماعي والمذهبي، معتمداً في ذلك على أسلوب الحوار بشقيه: الداخلي (حديث النفس للذات الساردة/بطل الرواية) والخارجي (حوار الشخصيات فيما بينها)، واعتمد أسلوب العرض والمقارنة المحايدة، دون إشعار (القارئ) بما يميل إليه (الكاتب) من أفكار، وما يتبناه من قضايا، ولأننا أمام عمل أدبي اجتماعي، سنجد أن الرواية قد ركزت على الاهتمام بالواقع ونقده، والاهتمام بالقضايا الإنسانية من خلال سرد الواقع الاجتماعي الداخلي للـ(أنا): شخصية الهضبة الجنوبية في إطار محيطها الداخلي معتقداً (شيعياً)، وبيئياً (قبلياً)، وما يحيط بها من واقع اجتماعي خارجي مختلف الـ(هو): معتقداً (سنياً)، وبيئياً (متمدناً).
- صراع (الأنا) مع واقعها الاجتماعي الداخلي.
تنتمي شخصية الرواية وبطلها (الذات الساردة/الأنا) إلى مجتمع الهضبة الجنوبية، المجتمع القبلي الذي يتبنى الفكر الشيعي، ويتجلى صراع (الأنا) مع واقعها الداخلي من خلال كشف ذلك الواقع المتناقض من جهة، والحفر في سردياته الدينية من جهة أخرى، فالـ(أنا) لا تعرف عن مصطلح (شيعي) الذي تنتمي إليه شيئاً حيث تقول الشخصية: “فأنا لا أفهم حينها ما معنى شيعي، وما لا نفهمه غير موجود، ويسهل إنكاره، نحن الأطفال على الأقل” صـ33. لأنَّ (العائلة) لم تكن تُطلع أبناءها على تفاصيل معتقدها، كما أنَّها تحذره من البوح أمام (الآخر) بأي تفاصيل حول نسب العائلة ومكانها وانتمائها الديني، إلاَّ أن سقف الصراع يرتفع أكثر حين يتطرق الراوي إلى شخصية (الرئيس الأعلى): أعلى قمة في الهرم الاجتماعي والديني في الهضبة الجنوبية ذات المكون الشيعي، وابنه الأكبر الذي جاء وصفه في السرد الروائي بأنَّه:” حاقد على الناس، طالبٌ للسلطة، ولديه رغبة في إذلال الآخرين، وكسب ولاء الناس لبسط نفوذه، والثأر لنفسه من كلِّ من احتقره يوماً” صـ64، وهذه الشخصية -أي الابن الأكبر للرئيس الأعلى- قد أوجدت شرخاً اجتماعياً مهولاً في الهضبة الجنوبية، من خلال تلفيق التهم، وإثارة النعرات، والسيطرة على زمام الأمور بعد أن سيطر على قرار والده (الرئيس الأعلى)، “واستبعد معاونيه من الصالحين…واقترح على والده أشخاصاً يسيرون تحت إمرته، ومن خلالهم سيحقق كلَّ رغباته وطموحاته” صـ64، فأصبح المتحكم بالأمور، حيث قام بخطوات عملية تمثلت بإعداد مسرحية عن مؤامرة ومحاولة اغتيال والده (الرئيس الأعلى)، الأمر الذي جعله “في صلاة الجمعة جهز قائمة أسماء أشخاص وعائلات وبعض العشائر التي يظن أنها خلف المؤامرة، أو كانت راضية بطريقة أو بأخرى على ما حدث” صـ 76 ليسرد عبر مكبر الصوت في المسجد تفاصيل الواقعة وحيثياتها وأدلتها، “ومن ثم أعلن الأسماء والعقوبة” صـ76، حيث تقضي العقوبة “بقطع الموالين علاقاتهم بمن وردت أسماؤهم في القائمة دون استثناء” صـ77، وقد شكلت هذه القائمة صدمة كبيرة لدى الناس لأنَّها حوت ” أئمة مساجد، وأشخاص عُرف عنهم الصلاح والسيرة الحسنة، وتُعد المقاطعة، والعزل الاجتماعي “أقسى عقوبة يمكن أن تسلط على المرء” صـ77 في الهضبة الجنوبية، إلاَّ أن هذا الصراع الاجتماعي، والذي يحاول السرد الروائي تغليفه ببعد ديني لا يقف عند هذا الحد إذ” تطور الوضع إلى أن أصبح الناس يذهبون لأخذ الفتاوى من الرئيس بشأن الإبقاء على زوجة أو زوج إن كان من الفئة المقطوعة المنبوذة” صـ77، “فكثرت حالات الطلاق بين الأزواج وكان ذلك يحدث بدم بارد” صـ78، في هذا الجو من الاحتدام، والانقسام في الهضبة الجنوبية، والإخلال بالنظام الاجتماعي من خلال (المقاطعة والبراءة)، والإضرار بالصف الديني وخلخلته من خلال (استبعاد معاوني الرئيس الأعلى الصالحين) شعرت الذات الساردة/الأنا “بالغربة حتى في بيتها” صـ78، وبخاصة أنَّ ” الأحداث في الهضبة الجنوبية قد اتقدت شرارتها بشكل متسارع، وبدأت القطيعة بين الناس تأخذ منحى أشد خطورة مقارنة ببدايتها” صـ88، وتقول شخصية الرواية بعد عرضها لما واجهته عائلتها: “وفي صباح يوم الاثنين، جاء دوري لأحمل الجبل على كتفي، فلقد لقيتُ من أصدقائي صداً واضحاً، جابهته بوضوح أشد، فقد استفردتُ بأعزهم على قلبي وسألته: لمَ ترفضون الحديث إليَّ هل بدر مني شيءٌ؟ فإذا هو يدفعني بقوة صارخاً في وجهي معتمداً إسماع الآخرين: نحن لا نكلم عصاة ولي الأمر” صـ91، ولم يقف الأمر عند هذا المستوى من الصراع، بل كان الاعتداء على شخصية الرواية (الأنا) بالضرب من قبل أصدقائه الخمسة حاضراً، غير أن الشخصية لم تشعر بأي ألم إلاَّ حين سمعت أحدهم يقول: “أنتم من المنبوذين ولا نتشرف بوجودك بيننا” صـ91، يأتي هذا الصراع ضمن سلسلة لا متناهية من الإجراءات التي أوجدت شرخاً اجتماعياً كبيراً، وصراعاً داخلياً امتد إلى الأسرة الواحدة، لذا نجد شخصية الرواية (بضمير المؤنث) موجهة الكلام إلى زوجها:” إن ابن أخي يعاني من أجل اسم عائلته وطائفته التي تنتمي إليها أنت ورئيسك الأعلى، ومن أجل هذا المذهب الذي يعتلي أبوك سدّته” صـ
100.
تبحث (الأنا) عن هويتها وسط هذا الصراع الاجتماعي، المغلف بغلاف الدين، في ظل تهم جاهزة ومعدة مسبقاً: مخالف لولي الأمر، منبوذ، مُقاطَع، متآمر…إلخ.
- صراع (الأنا) مع واقعها الاجتماعي الخارجي (الهوَ).
انتقلت شخصية الرواية مع أسرتها إلى المدينة، وهنا يأتي السرد (بضمير المذكر)، وننتقل معها إلى مستوى آخر من الصراع، هذا الصراع بين (الأنا) بمكونها البيئي (القبلي) والديني (الشيعي)، مع (الهو) بمكونه البيئي (المدني) والديني (السني)، وتعتبر المدينة -بالنسبة لي- رمزاً حضارياً منفتحاً تذوب فيه الحدود الفاصلة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتختفي التعصبات، وينفتح الأفق أمام الإنسان، ويحظى بفرصة أفضل في الحياة وتطوير الذات، والحصول على المعرفي، حيث والمدينة تساعده في الخروج من السياق البيئي القديم والضيق (القبلي)، إلى سياق بيئي جديد ومنفتح (المدني) إلاَّ أن المدينة بالنسبة للذات الساردة/بطل الرواية (الأنا) لم تكن إلاَّ وجه من أوجه القمع والعقاب، لذا نجد الشخصية تقول: “في هذه المدينة أنت تعاقب من أجل أخطاء لم تقم بها…[عليك] أن تترك هذا المذهب الذي تنتمي إليه، وتتبرأ من الأشخاص الذين عرفتهم طوال حياتك القصيرة من أجل إرضاء أناس لا تعرفهم…سيلفظك المجتمع خارجه كأنك المسؤول عن انتمائك إلى مذهب دون آخر، بل كأنّك المسؤول عن التاريخ” صـ68، وعندما تطور الصراع عبر الأحداث المتتابعة في الرواية كان للشخصية طموح وحلم مختلف في هذه المدينة، حيث تقول: “أما أنا فلم أكن أريد غير الرحيل عن ذلك المكان، وبدل أن أحلم بمكان سعيد، كنت أتمنى أن أزيل كلَّ تلك الأماكن والأوقات من ذاكرتي” صـ70
وعندما تشعر (الأنا) بتهديد الآخر المختلف (الهوَ) فإنها تلجأ إلى حاضنتها الاجتماعية المنتمية إليها، والقادمة من مكونها البيئي(أهل الهضبة الجنوبية)، والديني (المذهب الشيعي)، إذ يقول أحد السجناء ناصحاً (الأنا): “لا تنس أن تتحدث عن مواقفك بصيغة الجمع، كن المجند الذي سينهي حياته ذات يوم بلا سبب، من أجل جماعته فحسب…أبقِ مع الجماعة وإياك أن يرهقك المسير معهم” صـ15، فالبقاء ضمن الجماعة، وإن كانت مفككة على النحو الذي رأيناه آنفاً ضمن صراع (الأنا) مع مكونها الاجتماعي الخاص، يضمن البقاء والاستمرارية لأنَّ “الوحدة تعني الهلاك” صـ16
وعندما يتوتر الصراع ويحتدم فإنَّ الذات (الأنا) لا يمكن أن تفكر بما يجمعها مع الآخر (الهو)، فيأتي صوتها الداخلي بما يعزز حالة الصراع والانقسام والتشظي، فهي تتذكر ما يغذيها ويشعلها، ونجد ذلك في قولها: “حينها ستتسلل إلى رأسي أغنية سمعتها من أحد المطربين العرب في أثناء الحرب الأهلية في لبنان، لن أتذكر منها سوى: مين حطك هالوسواس، أنتو ناس ونحنا ناس”صـ16-17.
ويبقى التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي حاضراً دوماً، ليبرر كلَّ تلك الممارسات غير العادلة، والبداية في (التخلف عن الصلاة في المسجد)، المسجد (السني) الذي لا تنتمي إليه (الأنا) (الشيعي)، والمسجد يُصر على حضور هذه (الأنا) وإن كانت في نظره كافرة على نحو ما سنجده لاحقاً، ولنا أن نقرأ الحوار بين الزوجين بعد أن زار الواعظ ربَّ الأسرة: “إنه يتساءل عن سبب تخلفنا أنا وابنك عن الصلاة في المسجد، ومارس عليَّ دور الواعظ كما يحلو له، وكأني أسلمتُ للتو” صـ23.
وتشعر (الأنا) بالعزلة والاغتراب حين يقول له أصدقاءه من الأطفال: “آباؤنا هناك…لقد نهونا عن اللعب مع شيعي” صـ33، هذه العزلة هي شبيهة بالعزلة الداخلية التي تعرضت لها (الأنا) في إطار مكونها القبلي والديني (الهضبة الجنوبية ذات المكون الشيعي)، إلاَّ أن العزلة هذه عامة، في بيئة جديدة (المدينة) وقد جاءت بسبب الاختلاف المذهبي (شيعي-سني).
وكما المدينة، تُعد المدرسة رمز من رموز البناء التربوي والتعليمي، وفيها يلقى النشء مساحة واسعة من الحرية والتربية والإنسانية، إلاَّ أنها ليست كذلك هنا، فحتى المعلم يمارس عنصريته ومذهبيته تجاه (الأنا) المختلفة، إلى درجة تجعله يقوم بتصرفات تعطي الطلاب دلالة ومؤشراً واضحاً أن زميلهم (بطل الرواية) ليس مسلماً في الأصل، وللأستاذ أن يضعه في امتحانٍ عمليٍ يكشف به كفره وخروجه عن الملة، لذا نجد الأستاذ يقول لشخصية الرواية (الأنا): “أريد أن تشرح لي بالتطبيق كيف تكون الصلاة؟” صـ46، ليتطور الصراع بين (الأنا) شخصية الرواية (الطالب) و(الهو) الآخر المختلف (الأستاذ والطلاب)، حيث نجد أن “في الحصة السادسة من ذلك اليوم دخل مدرس التفسير وكان قد أعدَّ درساً عن الشيعة وطقوسهم ومعتقداتهم” صـ51 ولم يحتاج الأمر إلى ذكاء لندرك أنَّه كان يقصدن (الأنا) بطل الرواية ويستفزه
ليواصل الأستاذ الشرح وإذكاء نار الحقد والصراع في غرفة الصف الدراسي بقوله: “وكما ترون فهذه الطائفة أشد من الكفر والنفاق وأخطر على الأمة الإسلامية من اليهود والنصارى” صـ51، وتأتي دور الشائعات وتلفيق التهم، كما وجدناها بصورتها الداخلية السابقة في إطار الجماعة الواحدة مثل: مخالفة ولي الأمر…متآمر…عاصي…منبوذ، إلاَّ أنها هنا في قالب جديد مختلف، بما يتناسب مع طبيعة الصراع بين (الأنا) الشيعي، و(الهو) السني، حيث يقول الأستاذ موجهاً كلامه للطلاب: “إن الزواج لا يتم بين عامة الناس مالم يُدخلوا الفتاة على شيخهم ليجامعها ويفض بكارتها” صـ52، وختم الأستاذ كلامه بقوله:” إنَّ هؤلاء الشياطين يقطعون يد الميت اليسرى كي لا يستلم كتابه يوم القيامة بيده اليسرى، وإنما باليمنى” صـ52
ولأنَّ المدرسة صرح تربوي وتعليمي مهمه، فإنَّ على رأسه مدير يدير هذا الصرح، ويفترض به الكفاءة والخبرة، والإنصاف والأمانة، إلاَّ أننا نجد مدير المدرسة ضمن السائد الاجتماعي والديني (للهو) والذي تشكو منه (الأنا) طوال أحداث الرواية، بل سنجد المدير يكشف عن عجزه في التغيير والإنصاف، وانجراره مع السائد العام المشوه، تحت تأثير الضغوطات والمؤثرات، وبعد اعتداءه على بطل الرواية (الطالب) بالضرب المبرح والإهانة والتحقير، نجده يستدعي ولي أمر الطالب، ليكون معه أكثر صراحة ومكاشفة بقوله: “هناك أشياء لا يستطيع مدير المدرسة أن يتعامل معها، فهي خارج إرادته، وابنك أحد هذه الأشياء” صـ57
هذا الموقف من مدير المدرسة هو في الأصل ضغوطات قام بها (جماعة الرداء القصير) حين اقتحموا مكتب المدير وطالبوه بأن يقوم بطرد بطل الرواية من المدرسة، كما أن الاستعداد الداخلي والنفسي للمدير قد هيئه لذلك، “وإلاَّ سيعتبرونه متستراً على شيعي في المدرسة، لكنَّ المدير نصحهم بالتريث والهدوء، وبأنَّه يسعى إلى ما هو أرقى وأحب إلى الله، وذلك بإدخالي وعائلتي إلى الإسلام الصحيح” صـ61
ومن المعالجات التي وضعها مدير المدرسة لتجاوز العقبات وقرار الفصل والطرد الذي قد يتعرض لها (الأنا) قوله لها ولولي أمرها:” أن تتحولوا من مذهبكم الضلالي إلى عقيدتنا الصحيحة” صـ59، في ظل هذا الصراع الطويل تبحث (الانا) عن هويتها الضائعة والمتشظية فـــنجدها تبوح في حوارها مع الذات بالقول: “ما حدث ليس إلاَّ ضرباً من الجنون، فيومي كان منقسماً إلى وقتين، الأول لمدرسين يجعلونني أكره من هم في بيتي بحجة أنهم خارجون عن الملة، والثاني لوالديَّ اللذين كانا يريان أن الطرف الآخر ليس إلاَّ من الغلاة وستصلاهم نار جهنم، وكلا الطرفين كانا يخاطبانني باسم الدين” صـ68.
تتحول شخصية الرواية (الأنا) بفعل هذا الصراع الاجتماعي العنيف، والبحث عن الهوية إلى شخصية قاتلة بفعل هذا الضغط النفسي، والشعور بالتهديد الوجودي، على نحو ما نجده في هذا الحوار والمشهد:
“- هل لديك ما تقوله يا رافضي؟
– لا. لكن ليس لديَّ ما أخسره.” صـ97.
“شعرتُ بشيء ما سائل على قبضتي، حينها فقط عاد إليَّ البصر، ورأيت دماً، لا شيء غير الدم، وأحلام طفل تتهاوى وهي تشخر مثل جمل منحور” صـ98.
- ختاماً
نحن أمام عمل روائي نوعي، يحاكم المجتمع ويظهر تناقضاته، ويكشف عن المستور فيه، في ظل غياب القانون والعدالة الإنسانية، واحترام الخصوصية، عمل روائي جريء في نقد الذات لوضعها الداخلي وعرضه بحيادية أقرب ما يكون للمراجعة، والدعوة إلى إصلاح الحال الذات (الأنا) مع ذاتها (واقعها الداخلي الخاص) ومع الآخر (الهو) (واقعها الخارجي العام)، عمل روائي يمكن قراءته من زوايا عدة: نفسية، ودينية، واجتماعية، وثقافية بأنساقها المضمرة، وحسبي في هذه القراءة المتواضعة أن أدعو القارئ لاقتناء الرواية وقراتها.
ناقد من اليمن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي