أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / شعرية المناخات المشهدية: المفاهيم والأدوات – محمد بنفارس

شعرية المناخات المشهدية: المفاهيم والأدوات – محمد بنفارس

عين على الهايكو

شعرية المناخات المشهدية: المفاهيم والأدوات

محمد بنفارس*

 

تمهيد

“شعرية المناخات المشهدية” ليس وليدة الصدفة، بل هي ثمرة ممارسة امتدت لسنوات. وقد جاءت في إطار فراغ ملحوظ، وتذبذب وخلط يسم نقد الهايكو، حيث يتوزع التناول بين الإسقاط الذاتي والشرح والتأويل واستعراض المصطلحات الجمالية اليابانية. يحدث هذا على وجه الخصوص في العالم العربي، حيث تنتشر ظاهرة الاستسهال في أندية الهايكو، تعلق الأمر بكتابة النصوص أو بقراءتها. المقاربة تقترح نفسها نظاما -قابلا للتحسين-، يطمح إلى الإسهام في تطوير ممارسة الهايكو تأليفًا وتلقّيًا وتناوُلًا قرائيًا، في الساحتين العربية والعالمية.

وفي إطار رؤيتنا النقدية هاته، يتم التركز على قراءة الهايكو بعين واعية ومتذوّقة، واضعة حدودا بين الشعر كجنس بأدواته بعتاده التعبيري واللغوي والهايكو كنوع بشعريته وجمالياته، سواء كان كلاسيكياً أو حديثا أو معاصراً. عماده المنظور استجلاء المناخ الوجداني من مكونات النص الظاهرة والمضمرة، لا من خارجه. تنطلق المقاربة من المشهد والتجربة المعيشة، مراعية حساسية المتلقي وتفاعله الشعوري، بعيدًا عن الانغماس في المعنى أو التأويل العقلي.

التأسيس

تقوم شعرية المناخات المشهدية على الانتباه إلى المناخ الهايكوي باعتباره جوهر التجربة، لا المعنى بوصفه نتيجة ذهنية نهائية. فالمقاربة تقترح قراءة الهايكو باعتباره حدثًا حسّيًا عابرًا ومشهدًا يُعاش في الآن-وهنا، أكثر من كونه خطابًا يُشرح أو رسالة تُفكَّك.

المقاربة تشجع قراءة تُخفّف من وصاية الناقد التوجيهية أو التأويلية، تُفضّل البساطة والاقتصاد اللغوي، وتمنح للصمت والفراغ مكانتهما بوصفهما عناصر فاعلة في التجربة الهايكوية. فاللغة ليست وسيلة استعراض، بل أداة لتشكيل المناخ الشعوري بهدوء ودون افتعال.

فالقارئ – هنا- يُقترَح بوصفه متلقّيًا ومتذوّقًا، يقترب من النص كما يقترب من المناخ: بالإحساس أولًا، وبالمعايشة قبل التحليل، تاركًا للتجربة أن تقول نفسها بنفسها.

من ناحية أخرى، ينبغي التنويه إلى أن المقاربة لا تهدف إلى إلغاء غيرها، بل هي رؤية جديدة بعيدة عن أي خطاب أكاديمي، نهج مرن يفتح آفاقًا لاستدماج الهايكو واستقباله بعين هايكوية راصدة ومتذوّقة. ففي حين يركز النقد الأكاديمي على المصطلح والتحليل، توفر شعرية المناخات منظورًا فنيا متذوقًا يستجلي النص ويترك القارئ يختبر المناخ الوجداني بنفسه.

تعريف موجز

شعرية المناخات المشهدية مقاربة نقدية تقرأ الهايكو بوصفه مناخًا: تآلفًا بين المشهد والزمن والإحساس والاقتصاد اللغوي. المناخ ليس فكرة، بل حالة؛ ليس رسالة، بل حضور، ليس انغلاقا، بل امتداد.

المرتكزات المفهومية

  • المناخ الشعري: الجو العام الناتج عن تفاعل المشهد والزمن والإحساس والوجدان.
  • المشهدية: أولوية ما يُرى ويُسمع ويُلمس ويشم ويتذوق على ما يُفكّر فيه.
  • الاقتصاد اللغوي: أقل قدر من اللغة، أكثر قدر من البساطة.
  • الآن-وهنا: تثبيت اللحظة دون شروح أو تعليقات.
  • الحياد التعبيري: غياب الانفعال الخطابي والقصدية والتدخل لصالح صفاء الرصد.

الأدوات الإجرائية

  • الكيغو (كلمة الفصل/الموسم): فيما يخص الهايكو الكلاسيكي، مولّد مناخ حسي ووجداني، وليس مجرد إشارة زمنية.
  • القطع (Kire): فجوة تنفّسية داخل المشهد، وليس توقفًا شكليًا فقط.
  • المشهد العادي: اليوميّ، الهشّ، العابر.
  • الصمت: عنصر بنائي، لا فراغ.
  • الفراغ الدلالي: ترك مساحات للقارئ دون توجيه.
  • الترقيم: علامة إيقاعية ودلالية، لا مجرد إجراء طباعي (النقطة الأخيرة: إغلاق للهايكو).
  • الإضمار والإيحاء: تفضيل ما يُلمَّح إليه على ما يُعلَن، وما يُقترَح على ما يُصرَّح به.

ما لا تنشغل به شعرية المناخات

  • المعنى المسبق أو القصدية أو الرسالة.
  • التأويل الذهني أو الرمزي.
  • البلاغة الزخرفية أو الإدهاش المصطنع.
  • التلاعب اللفظي.

التلقي بدل التأويل

في شعرية المناخات، القارئ متلقٍّ لا مؤوِّل؛ يتذوّق المناخ الشعوري كما يتذوّق الطقس: لا يشرحه، بل يعيشه.

في أفق الهايكو

تلتقي هذه المقاربة مع روح الهايكو:

  • حدث صغير.
  • زمن محدّد.
  • لغة محايدة.
  • أثر غير مصطنع.

البعد البيداغوجي

تسعى شعرية المناخات إلى نشر وترسيخ ثقافة هايكوية واعية ومتذوقة عبر:

  • ورشات الكتابة.
  • القراءة الجماعية.
  • لجان اختيار النصوص وقراءتها.
  • الترجمة بوصفها سجر تواصل يوسع الرؤيا.

خاتمة

شعرية المناخات المشهدية ليست مقاربة نظرية مغلقة، بل ممارسة حيّة. إنها دعوة إلى الإصغاء للنص لا إلى استجوابه، وإلى مرافقة المشهد لا إلى السيطرة عليه.

______

ملحوظة: لنا عودة ووقفات مع فقرات تطبيقية على نصوص هايكو.

هايجن ومترجم من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً