“من كتابة الصمت إلى بناء التأويل” دراسة نقدية في كتاب “سفر في الوجوه” للكاتب عزيز الشدادي “

محمد جوهر*
على سبيل التقديم:
الكتابة بوح وفي الوقت ذاته لحظة وعي؛ فهي ليس مجرد تعبير فحسب؛ بل تجربة وجودية على اعتبار أن الإنسان كائن مريد واع بوجوده وبالعالم الذي هو جزء منه، بناء على ذلك يمكن القول حسب تعبير الفيلسوف بروتاغوراس الإنسان مقياس كل شيء؛ هذا الإنسان العاقل المفكر والواعي بحكم كونه هو كذلك؛ يحاول اكتشاف الأشياء والآخرين وفي الوقت نفسه يحاول فهم ذاته وفي المحاولة تلك يمكن القول حسب تعبير التوحيدي إنّ الإنسان قد أشكل عليه الإنسان.

من هذا المنطلق يعد كتاب “سفر في الوجوه”- رواق”1 للكاتب عزيز الشدادي، الصادر عن الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع بالرباط، 2024، عملا أدبيا فريدا نلمس فيه النفحات الصوفية والتأملات الفلسفية؛ وتأويلات عميقة حول الوجوه ومعانيها المختلفة. وقد جاء الكتاب في مئة وسبعة عشر صفحة؛ حيث يمكن موضعة هذا العمل ضمن خانة أدب التأملات؛ إذ وضع الكاتب الوجوه التي استنطقها وفكك ملامحها في معرض أو رواق، متخذا الوصف ريشة لرسم ملامح الوجه وتقديمه عبر الكلمات؛ فتكون اللغة هنا قد كتبت صمت الوجه عبر تفاصيله؛ على اعتبار أن الوجوه علامات دالة منفتحة على دلالات متعددة للمعنى الذي يقدمه الوجه؛ باعتباره يمثل أفقا مفتوحا على التعدد والغموض الذي تستدعيه عملية التأويل في قراءة الوجه كعلامة صامته؛ تتطلب الزج بها في معمل التشريح البصري لاستنطاقها وتشييد المعنى انطلاقا من عملية التأويل. من هذا المنطلق يروم الفعل القرائي للنص الإبداعي إلى البحث عن نوايا ومقصديات المؤلِّـف؛ وتوريط القارئ الممارس للعملية التأويلية مادام الكاتب لا يفرض رقابة على القارئ وهو يمارس فعل التأويل.
في “سفر في الوجوه” صار فعل الكتابة نفسه يصغي للصمت المتواري خلف الملامح؛ إذ يغدو كل وجه في حاجة لمن يؤوله حينها يكون الصمت ليس غيابا للكلام؛ بل حضور لمعان تتمنّع الإفصاح وبنية دلالية تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والتمثيل؛ وفي هذا السياق يفرض الوجه ذاته وإن شئنا القول يتحول إلى علامة سيميائية تتطلب التأويل؛ فيجوز القول إن الوجه خطاب غير لفظي يبنى من الملامح والنظرات؛ هي سمات تتوزع بين الخيبات والآمال والانكسارات وغير ذلك مما يتيحه الوجه من انطباعات؛ معها يتحول القارئ إلى فاعل تأويلي يصغي إلى ما لا يقال. تأسيسا على ما سلف تتحدد الإشكالية القائمة على مساءلة الوجه بوصفه علامة دالة منتجة للمعنى؛ وذلك ضمن مقاربة سيميائية تأويلية تتغيا استقراء كيفية اشتغال كتابة الصمت وتحويلها إلى بناء دلالي عبر رواق “سفر في الوجوه”.
إذا كان الصمت آلية من آليات التواصل الرمزي الأيقوني، فهو يغدو استراتيجية في الكتابة حين يخاطب حاسة العين فـيــنا؛ إذ تتعدد صوره من بياض يشوب الخطاب وحذف وفراغ ومسكوت عنه، بين الظاهر والباطن، وغير ذلك مما يحيل عليه الصمت، ومن ثمة فإن “الصمت يقول ما تكون الكلمات بالتأكيد غير كافة لتترجمه”2 وبحكم أن الموضوع أوسع دائرة من حجم اللغة التي تريد أن تستوعبه بتعبير سعيد بنكراد؛ يصير من نافلة القول: إن المعنى منفلت ويظل في حالة تأجيل وإرجاء إذا ما نظرنا إلى المعاني الصامتة بكونها قائمة في الصدور كما يقول الجاحظ؛ هاجعة في الأفهام والأذهان والدواخل؛ بناء على هذا الكلام تأتي مشروعية الأسئلة المؤطرة لهذه الدراسة:
كيف تمثّلَ الصمت كآلية الاشتغال في بناء الخطاب؟
كيف اشتغل الوجه من خلال قسماته كعلامات تواصلية؟
كيف تخترق اللغة نظام الجسد بكونه نظاما صامتا وناطقا في الآن ذاته؟
كيف يتولد المعنى في معاينة وقراءة ما لا صوت له واستنطاق ما لا ينطق؟
1– العنوان: من السميائية إلى تشييد المعنى:
إن أول ما يسترعي اهتمام القارئ ويلفت نظره هو العنوان؛ باعتباره عتبة من عتبات النص يشكل بنية لغوية وأيقونية تقدم وصفا مسبقا وقراءة أولية تربط النصي بالخارج النصي، إذ من خلال العنوان نلج عالم النص ونسائله؛ باعتباره نصا موازيا وما يحمله من سمات دلالية ووظيفية وجمالية ورمزية؛ يبني جسر التواصل بين عالم النص وعالم القارئ في علاقة تفاعلية؛ فهو يشكل بنية دلالية على اعتباران العنوان” لا يحكي النص بقدر ما يمظهر ويعلن نية (قصدية) النص، ولذلك كان وضع العنوان من بين ما يعنيه فرض النص كقيمة وكمعنى آتٍ”. 3 فالعنوان يجعلنا نقتحم فضاء النص الرمزي والدلالي لأنه يحيل على مرجعية النص ويحتوي العمل الأدبي في كليته لكونه يختزل المفاصل الدلالية التي تشكل جسد النص، إنه” يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته، وهنا نقول إنه يقدم لنا معرفة كبرى لضبط النص، وفهم ما غمض منه. “4
ارتأى الكاتب عزيز الشدادي أن يسِمَ عمله بجملة اسمية “سفر في الوجوه” حيث ابتدأ بخبر لمبتدأ محذوف تقديره اسم الإشارة “هذا”؛ بمعنى حذف المسند إليه لأنه معروف؛ والمسوغ لحذف المبتدأ وجود قرينة حالية تُــغني عن ذكره وهذا ما يسمى في النحو التوليدي بالبنية العميقة؛ فبعد الحذف صار التركيز على الخبر الذي هو(السفر) وهو سفر تتحدد دلالته من خلال التفاعل مع بنية النص ككل، إذ حذف المبتدأ جسّدَ الصمت نحويا وولّد فراغا دلاليا أضفى على الكلام تكثيفا وأعاد توجيه المعنى نحو الخبر؛ لكون المحذوف معلوما فهو في العرف النحوي عُمدَة له وجوده حتى في حـذفه؛ فالسكوت أبلغ من الكلام إذا كان المحذوف معلوما حسب البلاغيين. وذهب عبد القاهر الجرجاني إلى أن الحذف “باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن”. 5
إن كلمة سفر تحيل على حركة انتقالية من مكان إلى مكان آخر ومن نقطة إلى نقطة أخرى؛ غير أن السفر هنا في كتاب عزيز الشدادي؛ مخالف للسفر العادي الذي يعتمد على وسيلة نقل ميكانيكية؛ إنه سفر مجازي / ذهني في عوالم الوجوه؛ وسفر إلى المعاني؛ فالإنسان علامة وهو خالق للعلامة، ويتحرك في عالم من العلامات بتعبير ميشيل فوكو، ومن هذه الزاوية فعزيز الشدادي وقف عند الوجوه يستقرئها ويصفها ويرسم خباياها؛ إنه حفر باللغة في تفاصيل الوجه واستنطاق صمته، يخترق الظاهر ليكشف الباطن؛ ويكشف المعنى، فالصمت لغة المعنى والوجود بتعبير دافيــد لوبروطون، إذ نكون بذلك أمام تأويل استدلالي ليس فقط لفهم النص الإبداعي بل لفهم الذات والآخر والوجود والهوية؛ وفق العلاقات الإنسانية التي تؤطرها سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية وغيرها، ومن ثمة يكون “التأويل هو استحضار لسياق، وكل سياق هو ذاكرة خاصة “للواقعة” و”الملفوظ” و”للوحدات المعجمية. “6 وما قراءة الوجوه إلا فلسفة لفهم الهوية والذات والآخر. يقول الكاتب عزيز الشدادي في كتابه موضوع الدراسة: “فالأمر كان أشبه بلعبة تركيبية ممتعة لكنها متعبة: كيف تسرق بلمحة نظرة الوجه الذي أمامك دون لفت انتباهه، ثم تقرأها على مهل وتعيد تشيكلها بشكل آخر على هواك كأنها ملكك؟ لهذا عندما كنت أرسم بالكلمات هذه الوجوه كنت أستحضر- ربما- قول من قال: “إننا لا نودع بعضنا كلاَّ منا يعلم أنه أخذ الآخر معه”. في نفس السياق كنت- أنا الرائي- أنتقل من إبصار العين المجردة وأمر برؤية المخيلة ثم أصل إلى بصيرة تجتهد في أن تتآلف مع الوجه إلى حد التماهي. “7
إذا ما نظرنا في دلالة الجملة الاسمية للعنوان؛ وجدناها تحيل على الثبات، أليس لهذا الثبات علاقة بنفسية الكاتب الواصف لحالة الوجوه؟ سؤال مشروع إذا ما نحن نظرنا إلى فعل التصوير المبني على الوصف؛ مثـله كمثل من يحمل آلة تصوير يلتقط صورا للمناظر وهو محتاج للهدوء والثبات؛ بعيدا عن الضجيج وكل ما يلوث العين فيفسد الرؤية والصورة، يقول صاحب السفر: “كان الضباب يغشي العدسة التي كنت أرى بها هذه الوجوه، فأضطر إلى مسحها بمنديل شفاف لتقويم الرؤية كأني أخاف على عيني من نظرة مشوشة. “8 ويضيف الكاتب: “وأنا أسافر في ملامح الوجوه التي أصادفها عندما أكون في لحظة صفاء، أقرأ القسمات كعراف، أمارس كمتخصص في علم الخلائق هوايتي الصامتة في تفكيك معالمها عندما تضيء بخفوت. أبحث عن مساحات الضوء فيها عندما يشع الفرح منها وأزيدها إضاءة من عيني يخفت وهجها ويخسفها الأنين. “9
مقطعان يحتفيان بالكتابة الهادئة التي عانقت الصمت في مضجع اللغة لاستنطاق ما هو عاجز عن النطق؛ فتتواشج التقاطعات في الأحاسيس والآلام والآمال والذكريات وضجيج العالم المحيط بنا، ففي وصفه لوجه الخباز نجد الكاتب يقول: “عندما كنت أنتظر نضج الخبز، كنت أتلهى بتفكيك ملامح وجهه . . وعندما أتأمل مسار هذا الوجه، أجد أنه من تلك الوجوه التي تحمل لك شتاتا ذهنيا يلازمك لفترة، يعصف بهدوئك الذي قضيت في ترويضه زمنا ليس باليسير. وجه حسم علاقته مع الحياة بوصوله في أمان إلى مرحلة من العمر يتساوى فيها مذاق الأشياء: لا الجميلة تثيره ولا الحزينة تؤلمه، بمعنى أوضح مرحلة تعيش فيها لا مباليا. ربما هذا ما يفسر وجود تلك المرآة المنسية في عمق المحل. نصف مرآة مكسورة. . هل كان يدري أن الحياة كانت محتملة خارج هذا البيت المحموم على الدوام؟ وأن الجنة ممكنة خارج هذا الفضاء المصغر من جهنم؟ “10
ينتهي المقطع بسؤال وجودي فلسفي ينم عن الكتابة الإبداعية التي باللغة نقلت تجربة إنسانية؛ فتتحول التجربة الإنسانية نفسها إلى لغة بحكم أنها آتية من البصر، فالتجربة الإنسانية في نهاية الأمر كل ما ينتجه الجسد الإنساني بتعبير سعيد بنكراد. لقد كشَف الكاتب حُجَب الصمت عن وجه الخباز ليكشف معاناة هذه الفئة المكلومة في صمت؛ تكتوي بلهب نار فوهة الفرن وتنـدب حظها في الخفاء؛ تلوذ إلى الانزواء لتتألم في صمت، يقول الكاتب: “ابتسامة راهب قد صام حينا من الدهر تغلف صمته وهو يخبز العجين بهمة متقدة. لم أعرف عنه سوى الصمت الذي استعمله لتشييد ذلك المعبد الحزين الذي أقامه في نفسه. صمت متصل لا يقطعه سوى تقلب المِطرحة في الفرن أو نزول الخبز بسلام فوق الصواني. أنفق العمر كله أمام هذا الركن اللاهب الذي اختزل فيه العالم يملأ العينين نارا حامية. . شيء رهيب أن تكون حفرة هي عالمك أو سجنك الاختياري. “11 ويضيف الكاتب: “لا أجد جوابا إلا ابتسامته التي لم تفارقه طيلة مدة اشتغاله. الآن زادت اتساعا وإشراقا بعد أن قررت منظمة دولية إدراج فرنه في قائمة التراث الإنساني وأصبح مزارا سياحيا. عندما علمت بالخبر باغتني الحنين إلى مرابع الصبا. . وجدته يستعذب مزاجه الصافي مع قهوة المساء، هنأته على هذا التشريف الذي حظي به وتمنيت له السعادة دون خبز! كانت ابتسامته الخجولة جوابا لي. “12
إن استنطاق الصمت هنا من خلال وجه الخباز إنما هو النظر للوجه بكونه حاملا للإنسانية؛ انطلاقا من الغوص في باطن الوجه والحفر فيما وراء الملامح وما يخبئه الصمت؛ أي البحث في المعاني الممكنة التي يوحي بها هذا الوجه بدل الاكتفاء بالشكل الظاهري. فتكون بذلك كتابة الصمت هنا تحمل دلالات أخلاقية حين يكون النظر للآخر في معاناته مسؤولية أخلاقية تستدعي الاهتمام، وليس “الجحيم هو الآخرون” بتعبير سارتر إذا ما فهم هذا الرأي في عمقه، وفي هذا السياق نجد الكاتب يستشهد بإحدى الآراء فيقول: ” إننا لا نودع بعضنا، كلاًّ منا يعلم أنه أخذ الآخر معه. “13
قد ترتكن لزاوية الصمت وتنعم بدفئه وتقول رُبَّ قائل: خير الكلام ما قلَّ ودلَّ، لكن البياض الذي تخلقه العلامات يأبــى الصمت فتصدح العلامة بالغياب الذي يُكتب بصيغة تأويلية، فعلامة التعجب في المقتطف السابق ما هي إلا كلام مسكوت عنه من قبيل الكرامة والحاجة والحرية واللذة. . على هذا الأساس تأتي مشروعية الأسئلة الآتية:
-هل يمكن تصور سعادة خارج الحاجة والرغبة؟ هل الفئة الهشة من المجتمع سعادتها رهينة بكسرة خبز؟ هل الحاجة شرط أساسي في تحقق السعادة في ظل غياب الكرامة؟ هل سفر الكاتب في وجه الخباز دعوة للنظر في علاقتنا بالآخر منظورا إليه من حيث كونُه إنسانا قبل وظيفته ومجال اشتغاله؟ هل يمكن للكاتب أن يسافر في وجه الخباز دون أن يلامس جوعه؟
أسئلة ضمن مجموعة من الأسئلة الممكنة والمشروعة؛ والمنبثقة من خلال الغوص فيما وراء المعاني والكلمات واستنطاق مستغلقات النص؛ واستحضار العلاقة التفاعلية بين القارئ والنص والمؤلف، عبر عملية تأويلية تفضي بنا إلى دلالات أكثر عمقا وتشعبا، إذ على هذا الأساس تكون الحاجة للتأويل مسألة مهمة من خلالها تتحدد علاقة الذات بالآخر؛ علاقة الكائن بكينونته.
3-الإطار الفارغ: بين الحذف والصمت:
شكل الإطار الفارغ في كتاب “سفر في الوجوه” بنية دلالية تتجاوز الوظيفة البصرية لتصدح بثنائية الحضور والغياب، فحذف الصورة/ الوجه من داخل الإطار لا يُعد نقصا وغيابا للمعنى؛ بل يصبح الحذف هنا وظيفيا مما يفتح باب القراءة المبينة على اندماج الآفاق بتعبير غادامير، بين أفق النص وتجربة القارئ إذا ما تم النظر لهذا الأخير كطرف له حضور في بناء النص، من هنا يصير السفر إلى المعنى عبر اختراق الوجوه؛ لإعادة تشكيلها من خلال الغياب أو البياض الذي يتم ملأه والصمت الذي يسمع إليه؛ استراتيجية في الكتابة، لا تقدم المعنى مباشرا وجاهزا وإلا لما رددنا قول قائل: “كم حاجة قضيناها بتركها” أليس الترك هنا هو ذاك الصمت الذي ناب عن القول، وذاك الحذف الذي أبى أن يحصر الوجه في مربع أو إطار فارغ فيحجر على حريته؟ أليس ما هو متروك صمتا وسرَّا جبرا للضرر في العلن؛ فتغدو الكتابة بوصفها إصغاء لما لا يقال بتعبير موريس بلانشو؟ أو أشبه بالكتابة البيضاء بتعبير رولان بارت؛ عندما تمارس وظيفتها من خلال ما لم يكتب، وما لم يرسم، وما لم يقل، فيتم تشكيل المعنى من داخل الصمت، ولنا في وجه الخباز كما سبق وصفه على سبيل التمثيل لا الحصر، نصيب من بياض كتابة أنطقناها عبر قراءة تأويلية فرضها الوجه بكونه علامة دالة على مدلول يحتاج إلى القراءة السيميائية الـتأويلية، لاستبيان العلاقة الجدلية بين الغياب والحضور، بين الامتلاء والفراغ، بين الدال والمدلول، فغياب الوجه داخل الإطار يجعل القارئ شريكا في بناء المعنى أي الدلالة عبر استدعاء ما هو غير مرئي الذي جسده اسم الوجه الموضوع أعلى الإطار لا داخله، هذا الإطار الفارغ الذي شكل علامة أحال على غياب وفتح باب التأويل، إذ الفراغ ليس نقصا بقدر ما هو آلية من آليات إنتاج المعنى. “إن الموضوع لا يقدم أوجها مختلفة، بل أيضا لأن العديد من وجهات النظر يمكن أن تتحقق حول وجه واحد. “14
جعل الكاتب الوجه خارج الإطار الهندسي لكيلا يزيد من معاناة صاحبه، حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق كما قيل في المثل العربي، فالفراغ الأبيض لو كتب لكان السواد الذي خطه اليراع؛ ترجمة للمعاناة المرتكنة لآهاتها في الصمت، وفي هذا السياق نجد الكاتب يكتب صمت ملامح حارس المراحيض حين يقول: ” وجه حزين يقتات ألمه في صمت، يسد حلقه ويخرس كل رغبة في الصراخ، بم عساه أن يبـوح؟ ربما أراد أن ينفجر ويقول: أنا هنا منسي. . أنا الصامت، المشبع بالهدوء واليأس، ليس لي الكثير مما أتحدث عنه فقد استهلكت حياتي هنا ولم تعد لي ذكريات. “15
إن التأمل في الوجه إنما هو النبش والتوغل في حفرياته؛ إذا ما تم وصف الوجه بكونه تمثلا تواصليا وثقافيا، بل فعلا وجوديا من الهوية والرمزية وما ينطوي عليه من دلالات وألغاز، تجعل المهتم بدراسة الوجه من مساءلة الإنسان الملغز في علاقته بالعالم وبالآخر، إنه البحث عن المعنى في إنسانية الإنسان. وما الصمت إلا أحد الظواهر الإنسانية التي تشكل آلية تترجم رمزية الوجه في علاقته بالوجود، على اعتبار أن الفرد بما هو كائن موجود في وجود. يقول الكاتب:” هناك وجوه صامتة، تنطق من بين عيونها، تغزل أحلامها في سكون، تنصت إلى صخبها الداخلي. “16 إن الصمت انزواء للإنصات الجواني، لحظة صوفية حتى. وتماهيا مع المقتطف السالف يقول الكاتب واصفا وجه المياوم: ” افترش رقعة من الطوار ليمنح هدنة لنفسه. اعتكف في صمته لينصت لخوفه الدفين من أن يخلف موعده مع اليوم، يبني قصورا ويهدمها ثم يهاجمه الفراغ كحيوان جائع فيهرب منه ليطل على نفسه من الداخل، ينتبه إلى أنه لم يتنازل بعد عن حلم السنين الذي لم يتغير: الاستمرار في اللحظة والمكان. “17
قد تتشابه بعض المعاناة رغم اختلاف الوجوه، يتشابه صمتها من حيث مكابدة عنت الدهر وجبروت تكاليف الحياة، تستشعر هذا الصمت من تفكيك الكاتب لوجوه رأى الصمت فيها بوحا جوانيا؛ استنطقه مثلما نحن نستنطق ما وراء الخطاب من أنساق متخفية شكل النسق الاجتماعي المركزية، من منطلق ما يتيحه التأويل وبالنظر إلى الدلالات التي أرادها المؤلف والكشف عن طابعها الموضوعي، إذ “تعدد الأنساق وتداخلها مرتبطان بتعدد المسارات التأويلية وتنوعها. “18 فحين يستنطق الكاتب وجه الحمّال نجده يقول:” وجه متعب. تجعدت القفا وتقوس الظهر من فرط حمل الأثقال كأنه يحمل العالم على كتفيه مع أنه لا يحمل سوى همّ اللقمة، وجه يجر جسدا نخرا وملابس بهت لونها، يراوح الجسد مكانه بين عدم القدرة والتوقف، لكن لقمته ينتزعها من لحظة العجز عن حمل المتاع. . . حين يمد يده وينحني في خشوع لحمل أثقالك ويسخر من عجزك في صمت، وعندما تتعبه يذكرك منظره بضعفك. وجه جامد مثل الأحمال التي ينقلها. . تجده صامتا في المحطات المتعبة من الوداع. “19
إن هذه التجربة الحياتية ما هي سوى النظر إلى ما يحمله الآخر من أوجاع لا تنفصل عن خيط الإنسانية المشترك بين الجنس البشري، إنه الجسد الذي يملكه الفرد فنحس بمعاناته، أليس الوجه جزءا من هذا الجسد الذي يفصح بملامحه عن ضعفه ويفصح حتى في صمته عن أعماق النفس الإنسانية؟ يقول الكاتب عن وجه الحمال: “وضعت ألمك وراء قفاك وأجلت حلمك بالراحة إلى المساء حيث تعود مثقل الخطى إلى مرقدك لكي تسمع من جديد صوت جسدك المتعب. تعوج إلى فراشك منطفئ الكتفين، تهرب بوجهك الصارم إلى سقف السماء بلامح ممسوحة. “20 إن الملامح الممسوحة للوجه ما هي إلا دلالة على الانمحاء والغموض والجسد المتعب بعذاب الفقر، فيصير الوجه دلالة على الغياب من خارطة المركز فيقبع في الهامش كوجه اختفت ملامحه مع دخان سيجارة يترنح ليعانق عنان التعب النفسي كأن رياح الزمن تعبث به، مثلما صوره الكاتب في وجه بائع السجائر حين قال: “احترق الوجه واختار ركنا معزولا للعيش وسط الدخان لكيلا يرى المسافات ولو كانت قريبة، انسحاب بهدوء من المعترك واحتفاظ بوجه لا يتقن سوى عملية إخراج هواء فاسد وإيذاء الآخرين. “21
إنه وجه وجد لذته في نفث سيجارة، يغويه دخانها فيخفي ملامحه، تخلق مسافة بينه وبين الآخر حتى ينسى ربما همومه ولا يتذكر إن وعى بأنه يهلك ذاته والآخرين من حوله، نتساءل مع الكاتب بخصوص هذا الوجه حين قال: “فماذا تنظر من وجه خامد غوايته السفر في الفراغ ودق كل أبواب النسيان؟ “22 ربما ينتقم من ذاته لأنه يرى أنه منسيّ وأن الوسيلة الوحيدة للنسيان تجرع سم سيجارة . ! فيصير وجها هامشيا مثل وجه ماسح الأحذية يخفي انكساراته وهزائمه أمام قسوة الحياة. . يصف الكاتب علامات هذا الوجه قائلا: “وجه هامشي. . ينسحب ويبقي معك توهج الحذاء ونظرات فيها انكسار المهزوم الذي قهره الزمن. “23
عندما تتسع الرؤية تعجز الكلمات عن الإفصاح؛ فيرتكن الكاتب هو الآخر للصمت المباح الذي لا يعد نقصا إن كان الوجه علامة دالة وفاضحة لواقع الحال كما يقول الكاتب:” في بعض الأحيان تقول لنفسك: “لا داعي للكلام، فالوجه يفضح واقع الحال”. يكتفي الوجه برفع سبابته يسألك ما يعتقد أنه وجب في حقه لدرء سوء العاقبة وتقلب الأحوال بما لا يسر. “24 وفي وجه مذيع التلفزة يقول الكاتب: “تذكرت أن صاحب هذا الوجه أسرّ لي أمام المصبنة أنه يضطر لتناول أقراص تعديل المزاج لتساعده على تقديم نشرة الأخبار، وهزم حزن معتق يقيم بين الضلوع وتمنح تلك الصرامة الناعمة التي تظهر على الوجه وهو ينقل أخبار الموت بكل موضوعية!عرفت منه أن الأناقة في مذيعي التلفزة تجعلنا نستقبل أخبار الحروب والكوارث بكل رحابة صدر”25
الحقيقة تريد أن تتخفى بتعبير هيدغر، هنا ننظر إلى التأويل بكونه فن الإنصات إلى صوت النص، فالنص يؤسس لعالمه الخاص، مثلما ينصت الكاتب للوجه فنغوص معه في لعبة التفكيك والتلصص في الملامح بغرض القبض على المعنى خلف الوجه والكلمات، فالوجه صامت لكنه ناطق بملامحه، إذ “الوجه الإنساني هو التخوم القصوى بين الصمت والكلام . إنه الجدار الذي تنبعث منه اللغة”26 فيغدو الصمت ذاك الصوت الداخلي الذي “يصغي إلى نفسه عندما ينطق الفم”27. توازيا مع هذا الكلام نجد الكاتب يتسلل إلى ما وراء وجه المذيع ليكشف حجب صمته وينوب عنه في عجزه عن ما ينبغي أن يقال، عن ما يضمر ولكن ملامح الوجه تفضح المستور وتحدث المفارقة حين يتحول الوجه إلى علامة فارقة بين القول والامتناع، فنحن عندما نتحدث عن الصمت بالكلام قد نصفها بالمفارقة التأويلية فلا تغدو بلاغة لغوية فحسب؛ بل تعيد تشكيل وظيفة العلامة في سيرورة الدلالات المتعددة، وتجد هذ المفارقة ما يوازيها في وجه المذيع التلفزي الذي نبش الكاتب في ما وراء وجهه إذ نجده يقول بلسان المذيع: “ضجيج صامت بداخلي يستفز عجزي، ولا حول ولا قوة وأنا في قمة هدوئي أنقل أخبار الناس شاهد على مصائرهم دون القدرة على تغييرها”28.
الغياب إلى حضور يستدعي التأويل من داخل هذا الغياب والصمت(صمت الوجه)، والتمثيل إلى كشف، والصمت إلى كثافة دلالية، إن وجه المذيع التلفزي علامة سيميائية تحمل خطابا معلنا وصمتا مضمرا مما يجعل القارئ يبحث عن المعنى خلف القناع، بين المنطوق في الخطاب الإعلامي الخاضع لشروط المؤسسة الإعلامية وبين المرئي(صمت الوجه). قد تقول اللغة شيئا والوجه من خلال ملامحه يقول شيئا آخر، إذ الوجه يكشف ما يحجبه الخطاب، فيكون هناك حضور لقناع مصطنع مقابل غياب تعبير صادق أمام سلطة الإعلام، والحال هنا يكشف الصمت سطوة الكلمة فالمذيع تحت رقابتين: الأولى من موقعه كرجل إعلام محايد، والثانية أنه مراقب من اللغة ذاتها فتكون حجة عليه، حينها يغدو الأمر مدعاة لتجاوز الخطاب التلفزي المعلن، إذا تم استحضار كون الحقيقة لا تستمد من الكلمات وحدها بل من حيث تلك المسافة بين الكلمات والملامح، لملامسة المضمر من المعنى ”تمنح وسائل الإعلام لكل واحد الأساس بأنها تتوجه إليه شخصيا بشكل أليف. إنها انقطاع مستمر لصمت الحياة. . وخطاب وسائل الإعلام لا يوفر المعنى بقدر ما يتصف بصوت ثرثار مسرف، وهو دوما يفقد نفسه بسرعة كلامه وببطلانه، مانحا بلاوعي منه تعليقا على الحادث. ينبع نزيف الخطاب من استحالة رتْق الصمت. “29
وجه “المذيع” مادة إعلامية يرتدي قناعا من مساحيق التجميل مبتغية لَمعَان الصورة؛ غير مكثرة بحجم المادة المقدمة في الأخبار رغم بشاعتها في بعض الحالات، إذ يظهر صلابته في استقامة الجسد ونبرة الصوت بكل شموخ، وما خفي أعظم إيلاما؛ هو إيلام صامت !وإن كان الوجه لا يتكلم فبالإمكان سماع صوته، إنه خطاب ملفوظه الوجه. نجد الكاتب عزيز الشدادي يستنطق هذا الوجه فيقول:” ضجيج صامت بداخلي يستفز عجزي، ولا حول ولا قوة وأنا في قمة هدوئي أنقل أخبار الناس شاهد على مصائرهم دون القدرة على تغييرها. “30 هنا نكون أمام لعبة مزدوجة ما بين ذكر هوية وجه “المذيع “وفي الوقت نفسه غياب للتمثيل البصري؛ فتحدث المفارقة التي على أساسها يحدث اندماج الآفاق من حيث البحث عن الحضور فيما هو غائب؛ أي امتزاج أفق النص في ذلك المغيب من داخل الإطار بأفق القارئ الذي يبحث في ذلك الغياب عبر استحضار أو استعادة الصورة المفرغة من الإطار، إنها لحظة إنتاج المعنى عبر سيرورة تأويلية ليتحقق الفهم مثلما سعى الكاتب إلى استنطاق صمت الوجه بالكلام.
لقد مثّل وجه المذيع صورة إعلامية وعلامة دلالية فيصير مجالا للتـأويل، والصمت مادة للكتابة إذ يعاد فهم العلامة بوصفها سيرورة ثلاثية تنتج المعنى من خلال التفاعل بين الممثّل والموضوع والمفسِّر، الأمر الذي يحول
4- الصمت بين النفس الصوفي والتأويل:
سبق أن قلنا في التقديم إن الكتابة لحظة وعي؛ والأمر كذلك عندما يتحول النص إلى فضاء للتأويل تتفاعل داخله الذات الكاتبة وحضورها في اللغة، مع العلامات التي يخلقها النص في سيرورة مستمرة من إنتاج الدلالة. إنه وعي متجسد في نص، ومن هذه الزاوية فإن كتاب “سفر في الوجوه” ليس مجرد كتابة تأملية ارتكنت للوصف والبوح المجاني؛ أو مجرد نقل وتدوين لما هو مستهلك ومتداول وموجود، بقدر ما يُعد عملا عميقا يستند على وعي بالعالم وبالذات في الآن ذاته؛ إذ يعيد الكاتب بخبرته وحنكته الإبداعية تشكيل تجربته من خلال الوعي بها؛ عندما يلتقي الفكر بالتجربة، والمعنى باللغة، والذات بالآخر. ويمتزج كل ذلك برؤية صوفية في الكتابة/البوح كما تمزج الخمرة بالماء الزلال على حد تعبير المتصوف الحلاج، فلا تكون بذلك هذه الكتابة مجرد تقنية بقدر ما هي لحظة تجلٍّ للوعي؛ هذا الوعي يتحقق من خلال وعي الكاتب “بالمسافة التأويلية” إن صح التعبير بينه وبين ما يكتب، وبين القارئ وبين الذات والآخر، على اعتبار أن المسافة في هذا السياق ليست عائقا، بل تشكل أفقا للمعنى وللوعي وللإبداع. إنها مسافة صوفية تسمح للكاتب أن يسرح بخياله في عملية الكشف وأن يكون قريبا بعيدا بلا مسافة؛ وكأنه يعيد قول المتصوف محمد بن عبد الجبار النفري: “القرب الذي تعرفه مسافة والبعد الذي تعرفه مسافة وأنا القريب البعيد بلا مسافة. ” وأن التجلي لا يكون إلا بالمسافة على حد تعبير ابن عربي. من هنا يحق لنا التساؤل: أليس الكاتب ممن مارسوا هواية المسافة في الوصف لاستباحة المعنى المباح والممكن مما ينبغي أن يقال من خلال الوجه؟ أرى أن الكاتب عزيز الشدادي على وعي بهذه الفكرة إذ يزكيها عنوان كتابه الذي هو سفر في المسافة نفسها، وأيضا عندما نقرأ اقتباسا على باب رواقه مأخوذا من إحدى أعمال أدهم شرقاوي: “البعض أجمل من بعيد فحافظ على المسافة بينك وبينهم وحدها المسافة جعلت حظ الأرض من الشمس الضوء والدفء علّمت الأرض أن بعض الاقتراب احتراق. “31
شكلت النفحة الصوفية في كتاب “سفر في الوجوه” تماسا بين الذات الكاتبة والمكتوب عنه فتكون حالة الكاتب في هذه الحالة أشبه بحالة العارف/الصوفي؛ إذ تغدو الكتابة بهذا المعنى حركة لا تهدأ بين الأنا/الذات والآخر، بين الفكر والمعنى، بين الصمت والكلام. إنها رحلة في المعنى لانكشاف الوجود فيتحول الصمت إلى فكر مكتوب، من هذه الزاوية ف “الصمت ليس أبدا هنا غيابا للكلام، وإنما اشتغالا على الذات يهيئ الروح للسماع وللاستقبال الملائم “للنور الباطن”. إنه صمت نشط. “32 تقاطعا مع الكلام نجد الكاتب يقف عند وجه “الدرويش” وما تحمله هذه الكلمة من دلالة صوفية وتنفتح على الدلالة السيميائية والرمزية؛ على اعتبار أن الوجه لا يقدم كتمثيل تشخيصي مفرغ من التمثيل البصري من خلال الإطار الفارغ، بل يشكل-أي الوجه- علامة تحيل على تجربة روحية قائمة على الفناء والتجلي والكشف، الأمر الذي حذا بالكاتب أن يبوح في حضرة الدرويش قائلا: “هناك وجوه رائعة تضيء ثنايا القلوب. “33 فالدرويش بما تحيل عليه الكلمة من دلالات منها الزاهد أو المسكين أو الجوال والمتسول أو الناسك، ترد في أصلها إلى اللسان الفارسي وهي لا تخرج عن الدلالات السالفة الذكر.
سفرُ الكاتب في “وجه الدرويش “على وجه الخصوص؛ أشبه برحلة العارف أي الصوفي الذي ينطلق من لحظة التخلي أي الترفع عن الدنيوي بكل أهوائه؛ مرورا بلحظة التخلي حيث يقوم العارف بتهييء النفس وترييضها وإعدادها للوصول إلى مرحلة الكشف؛ أي التجلي فتسقط الحجب وتلمع الحقيقة في رحلة البحث عن المعنى، يقول الكاتب: “التقيت قاضي المحبين، واحد من أهل العارفين به. كان متربعا في مجلسه في كامل أناقته، العمامة والجبة وتلك اللحية المشذبة ذات اللون الفضي التي عفا ما استطاع علّه يحظى بالعفو من صاحب العفو. ذهبت لأستفتيه في رؤيا صاحبي وأجاريه في مضماره، لغة وشرعا، نسمو باللغة ونبحث عن المعنى بروحانية فكرية. “34 يكفي أن تمر بتجربة خاصة لتعبر عنها بما يصطلح عليه عند أهل المتصوفة بالشطح حيث ضيق العبارة مشروط باتساع الرؤية كما يذهب إلى ذلك المتصوف والفيلسوف محمد بن عبد الجبار النفري، والشطح حمال أوجه ومن أحد وجوهه وجه ظاهر فمن لم يبحر في طبقات المعنى ولم يذق مُدام التصوف، قد يحسبه كفرا، وأما من غاص في طبقات المعنى وعاش التجربة يكتشف أشياء ما كان ليعرف بوجودها. فخيانة اللغة وعجز الكلمات تجعل العارف/الصوفي ومن اهتدى بطريقه؛ أن ينهل من قاموسه الصوفي ويشرب من معين شطحاته، ألم يمارس الكاتب طقوس العارفين ممن أرادوا السمو بالنفس وأن يبحثوا عن المعنى في الباطن تجاوزا للظاهر؟ والحالة كذلك حين تبحث الذات عن الصفاء الروحي والذهني ليرتوي صاحبها من خمرة العاشقين، هي خمرة الصوفي؛ إذ اتخذت الخمرة في الشعر الصوفي رمزا حيث: “كانت الخمر في الشعر الصوفي رمزا على الحب الإلهي لأن الحب هو الباعث على أحوال الوجد والسكر المعنوي والغيبة بالواردات القوية. “35
يحدث السكر المجازي/المعنوي وتتوحد الذات مع من تحب، ويتدفق صفاء العشق والذوق وتحقيق الوصال، إنه الفناء. يقول الكاتب: “رأيت رفيقي يتوسط جمع الشاربين الذين يغدقون عليه بالشراب الممزوج بالمحبة الربانية ويؤثرون على أنفسهم ليتقاسموا لحظة الوصول إلى مقام التجلية، تجلي الروح وهي ترتقي مدارج العابدين المولهين الذين يريدون تطهير النفس من خطاياها، نفس أمارة ثم لوامة ثم ملهمة ثم مطمئنة ثم راضية مرضية. . . وعندما يمسه الوجد وينتشي نشوة روحية تغير طباع النفس، يشتد هياجه وتتعطل الحواس ويعيش حال من اتحد مع الخالق المحبوب، يقول مثل من سبقه إلى المقام نفسه: سبحاني ما أعظم شأني !. “36
في عالم مليء بالمتناقضات والضجيج والثرثرة تكاد بعض الأشياء تفقد صفاءها، حينها يكون الفرد في حاجة إلى الانزواء للحظات الصمت حتى يرى الحقيقة ويستجلي المعنى في هدوء؛ ألم يكن هذا الأمر دافعا بالكاتب إلى استقراء الوجوه بالرجوع إلى الظاهرة الصوفية عبر استدعاء بعض رموزها حيث “يتغذى التصوف من الصمت، فهو همسات الكلام وبقايا لغة انحلت جزئيا في الكشف أو في الإحساس المنبهر بحضرة الرب. “37 إذ لا عجب في أن نجد الكاتب يستشهد على سبيل المثال بابن الفارض الملقب بسلطان العاشقين في الشعر الصوفي. من هنا تأتي مشروعية السؤال الآتي: ما الغاية من العودة للنص الصوفي أو الظاهرة الصوفية واستدعاء بعض رموزها؟ هل غاية جمالية فنية؟ أم استقراء نقدي لتشظي الذات في العالم المعاصر بكل متناقضاته والبحث عن إنسانية الإنسان وعن معنى الوجود؟ أم لكون لغة النص الصوفي تفتح فضاءات متخيلة أرحب: ذلك الخيال المتدفق الذي تتيحه الظاهرة الصوفية وتفتح آفاقا للتأويل؟
إن هذه الأسئلة تجد لها مشروعية باعتبار الوجه يشكل علامة سيميائية نتعرف من خلالها على ذواتنا وعلى الآخر، إنه –أي الوجه- يفتح قراءات الماوراء الوجه؛ إنه تشييد للمعنى بناء على التأويل؛ مثلما يصبح النص في مجمله متضمنا بحكم إكراهات البناء الفني؛ استراتيجية تأويلية عبر استحضار تفاعل أفق القارئ وأفق النص، ومن ثمة وبحسب تعبير الدكتور سعيد بنكراد كانت عودة السيمائيات إلى العلامة ذاتها؛ أي إلى التجربة الرمزية مدخلا مركزيا من أجل التعرف على هوية الإنسان.
على سبيل الختم:
صفوة الكلام؛ إن “سفر في الوجوه” لم يكن وصفا مجانيا ولا قراءة انطباعية صرفة، بل مثّل كتابة فكرية تأملية تنظر إلى الوجوه بوصفها مرايا للروح، وعلامات في رواق الوجود، لقد صاغ الكاتب رؤيته بتدفق تخييلي وبمنظور فلسفي يستلهم من الظاهرة الفلسفية والصوفية حتى؛ ما يعزز رؤيته للذات والآخر مما فتح بابا واسعا للتأويل، وخلق مساحة دلالية يتجاوز فيها الوجه كونه مظهرا إلى كونه علامة ضمن منظومة رمزية، فالإنسان بوصفه كائنا رامزا يتحرك في عالم من العلامات وهو خالق لها في الوقت نفسه، ومن هنا تأتي صعوبة القبض على المعنى النهائي إذ يظل باب التأويل مفتوحا على قراءات متعددة تتجاوز السطح الظاهر إلى النسق الخفي.
قد تبدو مفارقة عندما نتحدث عن الصمت بالكلام، ونحن هنا تحدثنا عن الصمت باللغة واستنطقنا الوجوه وما كتب عنها مثلما استنطقها الكاتب، فكان استنطاق الصمت بوصفه دالا مهيمنا شعوريا من باب التأمل والتأويل، يتجاوز الملفوظ إلى الدلالة غير المباشرة. من هذه الزاوية لا ينظر للصمت مجرد تيمة عابرة، إنه الوجه الآخر للغة؛ فإذا كانت اللغة تمارس سلطتها عبر القول/الملفوظ “، فإن الصمت يمارس سلطته عبر الغياب، حيث يغدو الغياب حضورا والبياض نصا آخر يكتب نفسه بلا كلمات. فالصمت ليس فراغا بل دلالة تتشكل عبر المسافة الموجودة بين القول واللاقول، بين الملفوظ والمسكوت عنه.
على هذا الأساس فعزيز الشدادي من خلال عمله “سفر في الوجوه” لا يقدم قراءة صاخبة، بل مارس نوعا من الكتابة الهادئة يدعونا من خلالها إلى التلقي الصامت والتأويل الهادئ، ليضعنا في حضرة التأمل، لنتذوق المعنى كعارف صوفي في حضرة رمزية لا تدرك إلا بالسكينة، ولا تفك إلا بالانخراط الوجداني في النص، عبر التلقي الصوفي حيث يغيب الصوت ليحضر الذوق، ويغيب القول ليُشرق المعنى، ولا تنتهي الكتابة عند حدود العبارة، بل تبدأ حين تضيق، وعلى هذا الأساس لا تنغلق الكاتبة على قول نهائي؛ بل تظل مفتوحة على إمكانات متعددة، إذ كل قراءة هي اقتراب، وكل اقتراب هو مسافة، وكل مسافة هي مقام جديد في حضرة المعنى. .
الهـــوامــــــــش:
- عزيز الشدادي، سفر في الوجوه/ رواق، الدار البيضاء للنشر والطباعة والتوزيع، 2024.
- دافــييد لوبروطون، الـــصمت لغة المعنى والوجود، ترجمة فريد الزاهي، المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، ط1، 2019، ص:99
- عبد الفتاح الحجمري، عتبات النص، البنية والدلالة، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1996، ص:50
- – محمد مفتاح، دينامية النص ، تنظير وإنجاز، المركز الثقافي العربي بيروت- لبنان، ط، 2، 1990، ص، 72.
- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، شرح ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية ، بيروت2002، ص:177
- – سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان الرباط، ط1، 1996، ص:110
- عزيز الشدادي، سفر في الوجوه، ص:9
- نفسه، ص:9
- نفسه، ص:7
- نفسه، ، ص ص:92-93.
- نفســه، ص:91.
- نفســـه، ص:93
- نـــفسه، ص:9
- أمبرتو إيكو، الأثر المفتوح، ترجمة: عبد الرحمان بوعلي، ط، 2، 2001، دار الحوار للنشر والتوزيع، ص:35
- عزيز الشدادي مرجع مذكور، ص:87
- نفسه، ص:85
- نفسه، ص:77
- سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سميائيات للأيديولوجيا، دار الأمان الرباط، ط1، 1996، ص:110
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:68
- نفسه، ص:69
- نفسه، ص:81.
- نفسه، ص:81.
- نفسه، ص ص:116-117.
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:110
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:66
- ماكس بيكارد ، عالم الصمت، ترجمة: قحطان جاسم، تقديم: جابريل مارسيل، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت-لبنان، ط1، 2018، ص:101.
- نفسه، ص:102.
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:63
- دافييد لوبروطون، مرجع مذكور، ص:18
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:63
- أدهم شرقاوي، “تأملات قصيرة جدا”، دار كلمات للنشر والتوزيع، ط4، 2015، ص:10، نقلا عن عزيز الشدادي، سفر في الوجوه، مرجع مذكور، من مقدمة الكتاب(على باب الرواق)
- دافيد لوبروطون، مرجع مذكور، ص:66
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص:47
- المرجع نفسه، ص:48
- عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ط1، دار الاندلس، بيروت، 1987، ص:363
- عزيز الشدادي، مرجع مذكور، ص ص:50-51
- دافيد لوبروطون مرجع مذكور، ص:267
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي