الهايكو كما يصل إليك مقاربة بشعرية المناخات المشهدية

محمد بنفارس*
تمهيد:
في هذه الورقة نقدم أربع قراءات تطبيقية لنصوص هايكو، مستندة إلى شعرية المناخات المشهدية كمقاربة تركز على ما يصل إلى القارئ من الهايكو، لا على الشرح أو التفسير. الهدف ليس تحليل النص، بل الانصات إليه وترك أثره يصل كما هو. قراءة الهايكو، في شعرية المناخات، لا تعني ما تريد أن تراه فيه.
فدع، أيها القارئ، المساحة مفتوحة، واترك الهايكو يتنفس تاركا أثره مباشرة على إحساسك.
القراءة 1:
Stella cadente…
l’ultimo canto
della cicala
Giuliana Ravaglia- Italia
شهاب
الشدو الأخير
للزيز
ترجمة: محمد بنفارس
ومضة في العلو تقابل صوتًا يحتضر في الأسفل. الشهاب يقطع السماء، والزيز يطفئ صوته الأخير. لحظة تلاقي بين العابر والمنقضي، بين الضوء والصوت، بلا شرح ولا تأويل، فقط أثر خاطف يحس.
القراءة 2:
無数の壊れた橋の上
空飛ぶ教皇の飛行
فوق جسور مهشمة
لا تحصى
طيران البابا الطائر
au-dessus d’innombrables
ponts détruits
vol du Pape volant
Ban’ya Natsuishi, Flyng Pope, Arabic translation by Oudaimah Mohamad
بانيا ناتسويشي، البابا الطائر في السماء، ترجمة محمد عضيمة، منشورات الموكب الأدبي، 2016
ترجمة فرنسية: محمد بنفارس.
نص يترك أثره على الوجدان أكثر من كونه وصفًا لحدث:
- حطام يشعر بالهشاشة والفراغ الداخلي.
- “لا تحصى” تفتح مساحة للتأمل والامتداد.
- طيران البابا الطائر عنصر رمزي يثير التأمل بين الهشاشة والعلو، بين الواقع والرمز.
القراءة 3:
ضباب الفجر-
بخطى خفيفة،
الشاطئ
brume de l’aube~
à pas légers,
le rivage
Haiku : M. Benfares
dawn mist~
with light steps;
the shore
Version anglaise: Brendon Kent
ضباب الفجر يثقل الرؤية، وخطى خفيفة تتحرك بانسجام، كأنها تطفو فوق الماء لا على اليابسة. أثر النص يصل مباشرة، ويخلق إحساسًا بالثقل والخفة، بالصمت والحركة، كل ما يصل إليك يكفي.
القراءة4:
pareti bianche-
nella sala d’attesa
memoria vuota
Angiola Inglese- Italia
حيطان بيضاء-
في غرفة الانتظار
ذاكرة فارغة
ترجمة: محمد بنفارس
الحيطان صامتة وباردة، غرفة الانتظار ممتدة بلا انتماء، والذاكرة خالية من العلامات. التوليفة تخلق شعورًا بالفراغ والانتظار، بالصمت واللاشيء. كل عنصر متوازن، يتيح للقارئ الانغماس في المناخ الشعوري للنص كما يصل.
خاتمة: خيط ناظم
ما يجمع بين هذه القراءات الأربع ليس الحدث أو الصورة، بل خيط ناظم يتمثل في تأثير النص على القارئ: كل هايكو يفتح مساحة للإنصات، يسمح للخيال بالتحرك، ويترك وقعا شعوريًا على الوجدان. من شدو الزيز الأخير إلى الجسور المهشمة إلى الخطى الخفيفة إلى الذاكرة الفارغة، كل نص يُستشعر كما هو، بلا شرح، ولا تفسير، بلا تدخل ولا توجيه.
هايجن ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي