الرئيسية / الأعداد / الفقيه العلامة محمد بنعبود: أو المكناسي الذي أبلى في انتفاضة وثيقة المطالبة الاستقلال ولم تتح له فرصة توقيعها – محمد بشار

الفقيه العلامة محمد بنعبود: أو المكناسي الذي أبلى في انتفاضة وثيقة المطالبة الاستقلال ولم تتح له فرصة توقيعها – محمد بشار

علم من مدينتي

الفقيه العلامة محمد بنعبود: أو المكناسي الذي أبلى في انتفاضة وثيقة المطالبة الاستقلال ولم تتح له فرصة توقيعها

محمد بشار*

 

الوطني الزاهد الذي أفشى المرحوم امحمد بوستة، أمين عام حزب الاستقلال، أحد أسراره الدفينة

أو المكناسي الذي أبلى في انتفاضة وثيقة المطالبة الاستقلال ولم تتح له فرصة توقيعها

 

نكتب اللقب كما هو مدون في كناش الحالة المدنية “بنعبود “، عوض تدوينه الأصلي الذي هو “ابن عبود”

العلم المكناسي موضوع ورقتنا لهذا الشهر، ينحدر من عائلة مكناسية عريقة ذات أصول أندلسية، استوطنت مكناس منذ القرن التاسع الهجري. عائلة اشتهرت على مر العصور بالعلم والصلاح وفعل الخير والتواضع. إنه أحد علماء مكناس الأجلاء، الفقيه محمد بنعبود.

ولد علمنا، تقديريا، سنة 1913 ميلادية بباب عيسـي بدرب العنبوب بالمدينة العتيقة، وذلك بأحد المنازل الثلاثة الكبرى للعائلة، والتي كانت تأوي مجموعة من أسر آل بنعبود. وكان ترتيبه الثاني من بين أربعة إخوة، بنتان وطفلان.

شاء القدر أن يتوفى الوالد وعلمنا لم يكمل السنة السابعة عشرة من عمره. ولأن العائلة متحابة ومتماسكة، فقد سهر العم، الحاج ادريس، على تربية ورعاية أبناء أخيه وأجاد في المهمة.

سار محمد بنعبود على نهج والده –محمد بن المعطي بن الهادي بن مسعود ابن عبود المكناسي، الذي كان فقيها ورعا، وعدلا موثقا نزيها صاحب هيبة ووقار — أي سكة التحصيل والتكوين العلمي. فوضع عائلته الاجتماعي وبصمتها العلمية في الوسط لم يكونا ليسمحا له بغير ذلك. إن موضوع تعلم حرفة يدوية أو “صنعة” ما، لم يكن مطروحا البتة بالنسبة اليه. أولى مكاسبه المعرفية، من قراءة وحفظ للقرآن الكريم وتعلم أصول العبادة، تلقاها بداية بالبيت ثم بالجامع (لمسيـد). بعد ذلك ستعرفه المجالس العلمية والحلقات المعرفية التي كان يزخر بها المسجد الأعظم، وكذا العديد من أماكن ودور التعليم بالمدينة طالبا مجدا وقارئا نهما. لقد كان دائم الانتقال من مجلس الى مجلس، ومن حلقة الى أخرى طامحا في تثمين مداركه وباحثا عن الجديد في المعارف وبين الأساتذة والفقهاء.

كوكبة متميزة من مشايخ وفقهاء وعلماء مكناس الموقرين ساهموا في تأطيره وتكوينه، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

  • في تحفيظ القرآن الكريم: عبد السلام بن الهاشمي الأجراوي، عبد السلام العرائشـي.
  • في تحصيل المعارف والعلوم المختلفة: المختار السنتيسي، سيدي محمد بن الحسين العرائشي، الفقيه محمد غازي، سيدي محمد بن أحمد العلوي، محمد الهلالي، محمد بن عبد السلام السايح.

كصديقه وتوءم روحه، محمد العيساوي المسطاسي، ولج محمد بنعبود ساحة العمل الوطني مبكرا. فوعيه العميق بما يقاسيه البلد من ظلم واستعباد للمواطنين، واستنزاف لخيراته وتدمير لهويته، راكم لديه الإحساس والاقتناع بضرورة الكفاح والمواجهة. وهكذا انخرط في الفعل النضالي ضد المحتل وكله استعداد للبدل والتضحية، شعاره كان، “كل شيء في سبيل استقلال الوطن يهون”. هذا الشعار الذي بلوره على أرض الواقع جهاديا وماديا على طول فترة امتدت من منتصف ثلاثينات القرن الماضي الى منتصف خمسيناته.

شارك محمد بنعبود، الى جانب ثلة من القادة الوطنيين بالعاصمة الإسماعيلية (محمد بنعزو – محمد بن حماد الديغوسـي –محمد العيساوي المسطاسـي – أحمد بنشقرون وآخرين) في معركة الماء الحلو سنة 1937، أي السنة نفسها التي أصبح فيها عضوا في الحزب الوطني بمكناس. وهو التنظيم الذي أسسه الوطنيون كبديل لكتلة العمل الوطني، والذي ترأس فرعه السيد ادريس المحمدي الذي تقلد فيما بعد منصب وزير دولة في حكومة مبارك البكاي لهبيل الأولى (07/12/1955)، ومنصب وزير الداخلية في حكومته الثانية (25/10/1956).

في سنة 1944 لعب بنعبود دورا مهما في معركة وثيقة المطالبة بالاستقلال. ذاك أنه كان ضمن الثلاثي الذي كلف بإحضارها من فاس إلى مكناس (رفقة محمد العيساوي المسطاسي وأحمد بن عبد القادر العرايشـي). وكان أول من بدأ بتحرير نسخ لها بالمدرسة الفيلالية، وربما كان هو من نسخ أكبر عدد منها، قصد توزيعها في مناطق مختلفة من المغرب. عن هذه الواقعة، يروي محمد العيساوي المسطاسي بأن محمد بنعبود كان يحرر النسخ باليد اليسرى عوض اليمنى، التي يكتب بها في الأصل، وذلك على سبيل الاحتياط، لكيلا يتم كشفه، لأنه كان معروفا لدى الدوائر الاستعمارية. كان من المفروض أن يكون محمد بنعبود أحد المكناسيين الموقعين على الوثيقة، وقد كان يرنو لذلك بشوق، لكن لكونه كان حديث عهد بالزواج، لم يحظ بهذا الشرف. فقيادة الحركة الوطنية، بدافع اجتماعي وإنساني، لم ترخص للوطنيين المتزوجين حديثا بالتوقيع. أضف الى ذلك قرارها بحصر عدد الموقعين وطنيا تحسبا للاعتقالات التي قد تقدم عليها السلطة الاستعمارية في صفوف الموقعين وتأثيرها السلبي المرتقب على الساحة.

يذكر أنه في نفس السنة، أي 1944، كان محمد بنعبود حديث الارتباط بابنة عمه السيدة السعدية، وذلك تماشيا مع عادة أغلب العائلات آنذاك، التي كانت تفضل زواج الأقارب. بعد الزواج اقتنى منزلا مستقلا بسيدي عمر بوعوادة، استقر فيه لبعض الوقت، لكنه ما لبث أن باعه وطلب من زوجته العودة للسكن مع العائلة دون أن يعطي تفسيرا لقراره، ودون أن يكشف عن مصير استعماله لثمن البيت. في سنة 1980 وفي إحدى مناسبات تخليد ذكرى الزعيم علال الفاسي بمدينة مكناس، قال الأستاذ امحمد بوستة، في معرض كلمته للحاضرين، سأطلعكم على سر قديم ظل محصورا بين عدد قليل من الأشخاص، وما زال الفقيه بنعبود يرفض إفشاءه. ولكني قررت اليوم أن أكشفه دون استئذان. لقد باع الفقيه أول منزل تملكه وهو في بداية حياته الزوجية، وتبرع بمبلغ البيع لحزب الاستقلال الذي كان حديث التأسيس. فما كان من محمد بنعبود إلا أن رد عليه، “مالنا وهذه الفضيحة”.

واقعة أخرى تؤكد مدى تضحية محمد بنعبود وزهده، احتفظ بها لنفسه أسريا ولم يفصح عنها أبدا لأي من أبنائه، سيكشف عنها لاحقا المرحوم الشيخ مولاي مصطفى العلوي (مستشار وزير الأوقاف ورئيس المجلس العلمي لمكناس -رئيس رابطة علماء المغرب والسنغال قيد حياته) لبعض أفراد أسرة الفقيه. يروي الشيخ بأن الوطنيين خططوا لإنشاء ورشة بمكناس لإنتاج أسلحة تقليدية لمواجهة المستعمر. ولهذا الغرض أطلقوا حملة سرية لجمع التبرعات. وقد كانت مساهمة محمد بنعبود هي الأكبر. الشيء الذي أثار دهشة مجموعة من الوطنيين الحاضرين لدى تسليمه للمبلغ، منهم عمر بنشمسي، محمد بنعزو ومولاي مصطفى العلوي. لكن دهشة الجميع تبخرت حين علموا بأن المساهمة كانت مشتركة بينه وبين زوجته الحاجة السعدية، التي تخلت عن جزء كبير من حليها بالمناسبة. للإشارة محمد بنعبود كان عضوا في المجلس العلمي بمكناس الذي كان يرأسه مولاي مصطفى العلوي.

بالطبع ما كان لمحمد بنعبود، رغم أخلاقه السامية وشخصيته المتميزة وعزيمته الكبيرة، أن يقوم بكل ما قام به، وأن يضحي ويزهد في الماديات والمواقع ابتغاء تحرير ومرضاة الوطن، لولا أنه كان مسنودا من طرف زوجته الحاجة السعدية، السيدة الوطنية والجريئة. إن اقتناعها بقرارات شريكها وبمواقفه وصلاحه، جعلها تقف بجانبه في السراء والضراء، وتكتم الأسرار التي كان يطلعها عليها، وتضع كل ما كانت تتوفر عليه من حلي ونقود وغير ذلك رهن إشارته، الشيء الذي كان له عظيم الأثر في ثباته على مواقفه وتحفيزه على المضي قدما في كفاحه.

يوم 03 غشت 1953، وبينما هو في جولة بقبة السوق رفقة أحد أبناءه، تلقفه رجال الأمن حوالي الساعة السادسة زوالا واقتادوه الى كوميسارية لهديم حيث أمضى 3 ساعات تحت التحقيق، تم بعدها إطلاق سراحه وعودته الى مقر سكنه. لكن لم تمض الا دقائق معدودة على عودته حتى داهم جنود، مدججون بالسلاح ومصحوبون بكلاب بوليسية، المنزل، وبدأوا تفتيشه بعنف أمام أنظار أفراد الأسرة المرعوبين، بحيث جعلوا عاليه سافله، وأخذوا كل ما وقعت عليه أيديهم. لكنهم لم يجدوا لا سلاحا ولا آلة الرقن التي كانت ضمن التجهيزات المكتبية لفرع الحزب. فهذه الأخيرة كان محمد بنعبود وأحد رفاقه الوطنيين (الذي تتحفظ الأسرة على ذكر اسمه) قد ألقيا بها في مكان خرب بالدريبـة. لحسن الحظ أن لائحة تضم أسماء متعاطفين ومنتسبين للحزب وقعت في يد أحد عناصر الأمن المتعاطفين مع الوطنيين فأتلفها.

اقتيد محمد بنعبود الى نفس الكوميسارية وألحق به رفيقه. وبالطبع لم يكونا الوحيدان اللذان اعتقلا ذاك اليوم. فالعملية همت مجموعة كبيرة من الوطنيين، كان من ضمنهم المرحوم عبد الرحمان بادو، الذي أصبح فيما بعد نائبا عن مكناس في أول برلمان مغربي لفترة “1963-1965″، (وكانت تلك ثاني تجربة تشريعية وطنية بعد تجربة المجلس الاستشاري “1956-1959” الذي ترأسه الشهيد المهدي بنبركة). بعدها تقلد عدة مناصب سامية (سفير في السعودية ورومانيا، كاتب دولة في حكومة المرحوم أحمد عصمان سنة 1977 …).

هذه الحملة سبقتها في نفس السنة مداهمة بوليسية أخرى، لا تتذكر الأسرة تاريخها بالضبط. فبمناسبة اجتماع حزبي كان سيعقد بأحد منازل المدينة العتيقة بحضور محمد بنعبود، هاجمت عناصر الشرطة البيت المذكور لكنها لم تجد السلاح الذي كانت تبحث عنه، لأن الوطنيين، الذين أخذوا خبرا بالمداهمة، كانوا قد غادروا المكان عبر السطوح بعدما قذفوا بالبنادق التي كانت بحوزتهم في بئر المنزل. للتذكير، الآبار كانت جزءا من تجهيزات الكثير من منازل المدينة العتيقة. وما زالت بيوت عديدة في مناطق مختلفة من المدينة تحتفظ بها.

طيلة 10 أيام التي قضياها في الكوميسارية، خضع محمد بنعبود ورفيقه للتحقيق تحت التعذيب الشديد والمهين الذي كان من نتائجه أن دلهم رفيق بنعبود على مكان الآلة. بعد ذلك تمت محاكمتهما بسنة ونصف ونقلا إلى سجن سيدي مومن بسطات، الذي كان يأوي عددا كبيرا من الوطنيين. نذكر منهم الفقيه سيدي أحمد بنشقرون أحد المكناسيين الموقعين على وثيقة الاستقلال. للإشارة، بنعبود كان يعمل قبل هذا الاعتقال كاتبا للضبط بالمحكمة.

عن تجربة الحجز بالكوميسارية، التي يروي أبناءه بأنه كاد يفقد حياته بها بسبب التنكيل، كتب قصيدة نقتبس منها هذه الأبيات:

مخافر أمن هذه أم مجازر     وأقسام تحقيق بها أم مقابر

أقمت بها عشرا أشابت مفارقي      بحوث جرت معي ومرائر

وقيل تجرد من ثيابك واصعدن       لطاولة التعذيب إنك فاجر

هناك وتحت السوط أَلهمت قصة     بلالية فاهتزت مني المشاعر …

من ذكريات السجن، كان محمد بنعبود يحكي بدعابة كيف أنه تمنى لو أنه كان يتقن “صنعة” ما. فقد كانت ستمنع عنه ما كابده من إنهاك وإرهاق جسدي بفعل الأشغال الشاقة التي كانت توكل للوطنيين الذين لا حرفة لهم. أما الوطنيون “الصنايعية” فقد كانوا يزاولون المهام التي تتطابق مع تخصصاتهم، وبالتالي كان تعبهم أخف.

بعد الخروج من السجن، منع محمد بنعبود ورفيقه من الدخول الى مكناس، وتم نفيهما الى الرباط. التحقت الأسرة بالفقيه واستقرت بحي العكاري. ومن أجل الحصول على دخل لتدبير أمورهما الحياتية اشترك الرفيقان في إقامة ورشة للزليج كانا يشرفان عليها معا.

لأن محمد بنعبود كان مريدا استثنائيا لمدينة مكناس وخاصة شطرها العتيق، حيث كان لا يتصور العيش، وحتى الموت، خارج أسوارها أو بعيدا عن زواياها ومساجدها وناسها ودروبها، فقد عاد وأسرته الى مسقط رأسه مع بداية الاستقلال تاركا الورشة تحت إدارة رفيقه الذي استقر نهائيا بالرباط إلى أن وافته المنية. رفيقه هذا خان الأمانة، مع الأسف، واستولى على الورشة. بعد عدة سنوات، على تسجيل واقعة الخيانة، اتصل به أحد المحامين المكناسيين -منتدبا من طرف رفيقه-عارضا عليه مبلغا ماليا كتعويض عن خسارته لكنه رفض الاقتراح والمبلغ.

بمسقط رأسه التحق بسلك القضاء وقطن من جديد وأسرته بدار العائلة بدرب العنبوب، وذلك إلى غاية ما أسندت إليه إحدى دور الأحباس الكبيرة داخل المدينة العتيقة. لم تمكث الأسرة كثيرا بهذه الدار، فبمجرد ما شيدت منزلها بالقنوط (درب الدرعاوي)، والذي تم على مراحل، انتقلت إليه سنة 1962، وكان ذلك آخر عهد لمحمد بنعبود بالتجوال. مباشرة بعد ذلك تنازل عن دار الحبوس رافضا تمريرها إلى أحد أفراد العائلة رغم إلحاحه الشديد. في علاقة بهوسه بالمدينة العتيقة، يذكر أبناء بنعبود أنهم-مستغلون الفرص الكثيرة التي كانت متاحة لهم-حاولوا مرارا بصحبة والدتهم إقناعه بالانتقال من القنوط للسكن بالمدينة الجديدة (حمرية) لكنهم لم يفلحوا في ذلك. فخلافا لمجموعة من أعلام مكناس، في العلم والسياسة وغيرها من الميادين (سيدي محمد المنوني-مولاي مصطفى العلوي-محمد بنعزو-عمر بنشمسي-ادريس المحمدي-المحجوب بن الصديق …)، الذين، كل حسب ظروفه والتزاماته وتطلعاته، غادروا المدينة بحثا عن آفاق خارجها، ظل بنعبود متمسكا بالبقاء بها رافضا كل عرض كان سيحمله خارجها.

بالنسبة لمسار محمد بنعبود بعد الحصول على الاستقلال، يمكن القول، ولو تعسفا، بأنه ينقسم الى شطرين:

  • مرحلة العمل بسلك القضاء التي انتهت سنة 1974: عرف بنعبود خلال ممارسته للقضاء “بتقديسه” لمهنته وانضباطه واحترامه الكبير للوقت، ولكل أسرة القضاء ورفضه القاطع لمحاباة المحامين له، لدرجة أنه كان يتحاشى مشاركة أي محامي نفس الطريق أو أن يمتطي معه نفس السيارة. مبتغاه كان إبعاد أي شبهة عنه، والحيلولة دون أي استغلال لسلوكياته من طرف الغير. لقد كان مشهودا له بالإنصاف والسعي الدؤوب أولا إلى إصلاح ذات البين بين المتقاضين قبل اللجوء إلى إصدار الأحكام، وخاصة حين كان يتولى مؤقتا مهمة القضاء الشرعي أثناء غياب القاضي والفقيه السي الطاهر البـعاج.

بموازاة مع مهنة القضاء، كان محمد بنعبود يزاول مهمة خطيب الجمعة بالزاوية العلمية (سيدي قدور العلمي) وذلك الى نهاية السبعينات. أي لمدة تفوق العشرين سنة. زيادة على الخطابة كان يعطي، بين العشاءين بالمسجد الأعظم، دروسا في الوعظ والإرشاد وفقه العبادة والتوحيد. وبنفس المسجد كان يقوم بقراءة صحيح البخاري خلال أشهر رجب وشعبان ورمضان من كل سنة هجرية. نظرا لفصاحته وأسلوبه القريب من الوجدان الشعبي وجهره في قول الحق وروح الدعابة التي تطبع أحاديثه ومحاضراته، كانت الساكنة، التي تهب بكثرة لتأدية صلاة الجمعة بسيدي قدور العلمي من أجل الاستفادة من خطبه، تأتي من أحياء مختلفة من المدينة. كما كانت قراءاته لصحيح البخاري بالمسجد الأعظم تشهد إقبالا ومواظبة كبيرين من طرف مواطنين من مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية.

– مرحلة ما بعد سلك القضاء. أي مرحلة التقاعد المهني، وهي فترة ما بعد الستين عاما. هذا الفصل من العمر الذي تخصصه الغالبية العظمى مبدئيا للراحة والاستجمام، والاهتمام أساسا بما هو شخصي وعائلي، وجد فيه محمد بنعبود مساحة سانحة لتنمية وتنويع أنشطته الكثيرة بعيدا عن السياسة وعن حزب الاستقلال:

-واصل القيام بالخطابة في الزاوية العلمية الى نهاية السبعينات، كما سبق الذكر.

-واصل دروس الوعظ والإرشاد وقراءة الصحيح، بشكل منتظم بالمسجد الأعظم، الى أن حالت بينه وبين ذلك ظروفه الصحية الصعبة الطارئة.

– صادفت العودة النهائية للدكتور تقي الدين الهلالي الى الوطن (بعد غربة طويلة قادته إلى ألمانيا والعراق والسعودية من أجل التحصيل وبعده التدريس)، وبالضبط الى مكناس، سنة 1974، وعزمه التفرغ للدعوة، إحالة محمد بنعبود على التقاعد. هذه الصدفة منحت الفرصة للعالمين ليوحدا جهودهما في الميدان الدعوي. وكان أن أسسا معا “جمعية الدعوة الى الله” التي ترأسها محمد بنعبود.

– إلى جانب هذه الجمعية، أسس محمد بنعبود “رابطة مجودي القرآن العظيم” التي ترأسها. وكان هدفه منها النهوض بمستوى تجويد القرآن الكريم بالمدينة، والحرص على تلقين قواعده على أسس صحيحة، وتعويض النقص الذي لاحظه في هذا المضمار. احتراما لشخصه وتقديرا لمكانته العلمية عملت وزارة الأوقاف على ترميم بناية في ملكها، تقع بقبة السوق، وأسندتها للرابطة، وهي ما تزال قائمة إلى الآن.

-إلى جانب تكثيف أنشطته الدعوية وانتظامها، انخرط محمد بنعبود في مسلسل التأليف. وهكذا أصدر ديوانا شعريا ومجموعة من الكتب، كانت في عمقها ذات نبرة دينية ودعوية (السيرة النبوية، التربية …)، وكانت كلها من تمويله الخاص وتمويل أسرته، وكان يوزعها بالمجان تعميما للإفادة ودون بحث عن الربح:

– ديوان شعري: “ما سمح به الفكر وجاد”. في هذا الديوان جمع:

أ-بعض القصائد التي كتبها في الفترة الاستعمارية وليست كلها. ذاك أنه، خلال المداهمة البوليسية لشهر غشت 1953، أقدم على إتلاف مجموعة من النصوص لكيلا تقع في يد المستعمر، وضمنها قصيدة بعنوان “فرنسا إلى المرقد الأخير” كتبها في أواخر الحرب العالمية الثانية، وكان من الممكن أن تؤدي به إلى المقصلة. فيما بعد، لم يحاول إعادة كتابة القصائد الضائعة.

ب-ما أنتجه من نصوص بعد الاستقلال.

  • باقة الزهر والياسمين من شمائل سيد المرسلين
  • سبيل الفوز بالجنة فيما نهى عنه نبي الأمة
  • التيسير والتسهيل لمعرفة النبي الجليل
  • تحقيق الأمنية في توحيد الألوهية
  • التربية بالقدوة والمثال أجدى وأنفع للأجيال

سياسيا، وخاصة فيما يتعلق بعلاقته بحزب الاستقلال، يمكن القول بأنها لا تختلف في شيء عن حالة صديقه محمد العيساوي المسطاسي. فالاثنان التحقا بسلك القضاء في بداية الاستقلال، وبالتالي كان منطقيا أن يضعا حدا لصلتهما بالفعل السياسي المباشر وبالتنظيم الحزبي، وإن كانا وجدانيا لم يقطعا الصلة بالحزب في صيغته الوطنية الأصلية.

إذا كان محمد العيساوي المسطاسي، بعد تقاعده، قد قال رأيه بكل صراحة في الحزب وتطوره السلبي واعتباره أول مسؤول عما راكمه البلد من خيبات، فإن محمد بنعبود، الرجل الكتوم والمتحفظ، لم يجهر برأيه في الموضوع بعد مغادرته القضاء. لكن واقعتين قديمتين ترويهما أسرته يبرزان بشكل جلي تطابق وجهة نظره مع صديقه:

  • في أحد أيام سنة 1974 وهو بالرباط بمناسبة وفاة الزعيم علال الفاسي رحمه الله، وفي مجرى حديث له مع أحد قدماء الاستقلاليين الذي التقاه صدفة، سأله هذا الأخير عن سر وجوده في الرباط، هل من أجل التعزية في وفاة المرحوم علال الفاسي. رد محمد بنعبود بأنه، بالفعل، أتى للتعزية في وفاة الزعيم، وفي ذات الوقت في وفاة حزب الاستقلال. (للتذكير المرحوم علال الفاسي وافته المنية في شهر ماي 1974 ببوخارست وهو في مهمة رسمية)،

2-خلال سنة، 1976 وفي خضم استعداد حزب الاستقلال للانتخابات التشريعية التي جرت يوم 03 يونيو 1977، تم الاتصال بمحمد بنعبود لإقناعه بالترشح لهذه الانتخابات، نظرا لسمعته الطيبة وما يحظى به من احترام وسط الساكنة، لكنه رفض العرض بشدة، فقرار ابتعاده عن السياسة والحزب وتفرغه للدعوة كان قد حسم.

رزق محمد بنعبود ب 8 أطفال كلهم ذكور، كتب لسابعهم أن يغادر الحياة وهو بالكاد ابن سنة. أسلم محمد بنعبود، الذي كان ما يزال رئيسا شرفيا للجمعيتين اللتين أسسهما (الدعوة الى الله ورابطة مجودي القرآن العظيم)، الروح يوم الخميس 9 دجنبر 2010 عن عمر يناهز القرن، أي تقريبا في نفس عمر صديقه محمد العيساوي المسطاسي رحمهما الله. ووري جثمانه الطاهر غير بعيد عن محل ولادته بمقبرة لالة العلمية بجانب جده المعطي بنعبود. خمس سنوات بعد وفاته، التحقت به شريكته السيدة الفاضلة الحاجة السعدية رحمها الله.

يجوز القول في العلامة محمد بنعبود، بأنه قد اجتمع فيه ما تفرق في غيره. فهو الوطني الزاهد، والسياسي الخلوق، والإمام الشاعر، والخطيب المفوه، والعالم الجليل، والقاضي المتمرس العادل، والداعية المتفتح والمتنور الكثير الاستبصار.

ختاما من الأكيد أن محمد بنعبود لم يحظ بما يستحقه من اهتمام، كما الكثير من أعلام مكناس. وهذه، مع الأسف بامتياز، ظاهرة مغربية سلبية. لكن ألا يمكن القول بأن الأعلام أنفسهم يتحملون نصيبا من المسؤولية في هذه اللامبالاة. وذلك بترددهم في الكلام عن مساراتهم وتجاربهم وتدوين مذكراتهم لتبقى للتاريخ والذاكرة الجماعية. أكثر من هذا، نجد أعلاما يرفضون رفضا قاطعا كتابة المذكرات، كالوطني محمد العيساوي المسطاسي الذي، زيادة على ذلك، يعتبر بأن المذكرات لا يمكن أن تكون صادقة.

ختاما:

كل الشكر والتقدير للأصدقاء عبد اللطيف بنعبود، عبد المجيد بنعبود وسعيد بنعبود (زميل الدراسة بثانوية مولاي إسماعيل) على الوقت الذي خصصوه لنا، وعلى سعة صدورهم وسخائهم في إمدادنا بمجموعة من المعطيات مكنتنا من إعداد هذا النص الذي نتوخى من خلاله إلقاء الضوء، ولو بشكل ضئيل، على مسيرة أحد رجالات الوطنية والعلم بمكناس.

الرباط في 11 فبراير 2021

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً