افتتاحيــــــة العدد
مرافئ الذاكرة.. وسؤال التجديد الإبداعي.

مع إشراقة العدد التاسع والستين، نواصل في مجلتنا الإبحار في لُجّة الإبداع الإنساني، مؤمنين بأن الكلمة ليست مجرد أثر، بل هي كائن حي ينمو ويتفاعل مع تحولات العصر. يأتي هذا العدد ليكون جسراً يربط بين عراقة التراث وطموح الحداثة، وبين ضفاف المغرب وتطلعات المشرق، في رحلة بصرية وفكرية تليق بقرائنا.
نبدأ رحلتنا من “طنجة العالية”، حيث يواصل الأستاذ الحسن الكامح في الجزء الثاني من “اهتزازات” رصد جماليات هذه المدينة التي كانت ولا تزال ملهمة الأدباء والرحالة. ومن سحر المكان، ننتقل إلى سبر أغوار الذات البشرية عبر قسم الدراسات، حيث تتجلى “المأساة” كحتمية تاريخية في قراءة محمد فرحات لأعمال أحمد سراج، وتتماهى الميثولوجيا مع “غابات الأرواح” في شعر الشعوب الأصلية بكندا كما ترصدها لهيب عبد الخالق.
يحتفي هذا العدد بحركية نقدية واسعة؛ فمن “سيميائية الغموض” في الرواية البوليسية عند شادي بن راضية، إلى “فلسفة الوجود” في “شوكة الآلهة” لعلي شنينات. كما نفتح نافذة على نقد النقد عبر مقاربة نجاة الغوز لمنجز الغذامي في قراءة التراث، ونلامس “موت المؤلف” مع أيمن البزى. إن التنوع النقدي هنا — الذي يشمل قراءات في أعمال إسماعيل هموني، وعبد الدين حمروش، وإدريس علوش — يعكس رغبتنا في تقديم مشهد بانورامي للأدب العربي المعاصر، خاصة وهو يقف اليوم على مفترق الطرق بين “الإبداع الإنساني والإنتاج الاصطناعي”، وهي الإشكالية التي يطرحها عبد العالي أغلايش بذكاء.
في قسم الإبداع، تنسكب المشاعر في “فوارق” مصطفى لفطيمي و”وفاء” فاطمة الديبي، وتتعالى “أصوات الظلال” و”حشرجات” الحروف لتؤثث فضاء العدد. ولأن الإبداع لا يكتمل إلا بالحوار، نسلط الضوء على تجربة المبدعة نجاة الزباير، ونغوص في عوالم الزجل المغربي مع حسان بلعطار، الذي يكتب بمداد الذاكرة ويرنو لآفاق الحداثة.
لم يغفل العدد خصوصية الهوية، حيث نخصص مساحة وافرة لـ “الأمازيغيات”، باحثين في تدوين الأدب الأمازيغي وسيرة التاجر نحو الشمال. وفي المقابل، نواصل ترسيخ “شعرية المناخات المشهدية” عبر ملف الهايكو المتكامل، الذي يستنطق الطبيعة في لحظاتها الخاطفة. أما الفنون البصرية، فكان لها نصيب الأسد؛ من تحليل الملصق الإشهاري، إلى “سمفونية الجسد” في لوحات روجين حاج حسين، وصولاً إلى الحوار مع الفنانة الفوتوغرافية لطيفة هرموش وقراءة “سمفونية الظل” لعادل الشافعي.
نختتم عددنا بمتابعات ثقافية حية من “مهرجان حلالة”، وجولة بين الإصدارات الجديدة التي تزين “رفوفنا”، مؤكدين أن المجلة ستظل منبراً لكل قلم جاد، ومرآة تعكس وجه الثقافة العربية في أبهى صورها.
رئيس التحرير
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي