العينة الأولى

محمد دخيسي أبو أسامة
الإبداع والنقد خطان متوازيان، لا يجمعهما سوى الكاتبِ، أو المبدع، ولا يفصل بينهما إلا متتبعٌ شغوف، قارئ متلقٍ لنصوص من مختلف الأجناس، والتوجهات، والاتجاهات. ويسعى من خلال هذا التمفصل إلى بناء جديد، يفتح المجال لقراءات مختلفة ومتعددة، تحكمها سيرورة وتحول، وصيرورة وتطور.
نقف في هذا العمود التواصلي، الذي نشكر عبره الأستاذ الجليل الحسن الكماح، على اقتراحه أن أكون وسيطا بين المجلة والقارئ، عبر نافذة النص؛ ولا شيء غير النص.
نقف أيضا، في مساحات زمنية ومكانية متباعدة، تخدم بدايةً ونهايةً السير العادي للمجلة، وتحُفُّ مُتلقيها بالعناية، والرعاية الجمالية؛ ننسج خيطا دقيقا، يستلهم الأسس الفنية، والتعبيرية، والجمالية، والأداتية… لتكون الرسالةُ ذاتَ أثر، وتأثير..
“مختبر النص”، أو بعبارة أخرى “تشريح النص” هو: “انتقال من قراءة انطباعية إلى قراءة منهجية نشِطة، حيث لا يُتعامل مع النص بوصف منتَجا جاهزا، بل بنية حيّة قابلة للفحص وإعادة التركيب. أو كما هوة متعارف عليه نقديا، كونه مفهوما نقديّا وتعليميا يُقصد به تفكيك النص الأدبي إلى مكوّناته الأساسية قصد فهم آليات اشتغاله وبناء معناه، على غرار تشريح الجسد لفهم وظائف أعضائه.”
وفي مجال التربية والتعليم، نستنبط النص مختبريا، للاستئناس بالتجارب السابقة، وتحيينِ فرضيات العمل، ضمن نسقٍ تنويري وتطويري للثوابت والمتغيرات. وقد يُهدف من وضع النص رهن إشارة المختبر، ليُستثمر في الدرس الأدبي الحديث، فيجعلَ من القارئ:
- باحثا لا متلقيا سَلبيا؛
- شريكا في إنتاج المعنى؛
- قادرا على مساءلة النص ومقارنته بغيره.
في هذا العمود نفتح باب التجربة على مصراعيه، وندخلُ النصَّ لا بوصفه منتجا نهائيا، بل كائنا حيّا يتشكّل ويخطئ ويتحوّل. «مختبر النص» ليس مساحة للحكم، بل فضاء للاختبار؛ حيث تُفكَّك اللغة وتُعاد صياغتها، وتُسائل البلاغةُ وظيفتَها، ويُستعاد المعنى من بين شقوق الصمت.
النص في مختبره لا يُقرأ وحده، بل يُقرأ بما يجاوره: بسياقه، وبأثره، وبالأسئلة التي يوقظها. هنا نُجرّب العناوين قبل تثبيتها، ونقيس إيقاع الجملة، ونراقب توتّر الصورة، ونفحص علاقة السرد بالزمن، والشعر بالفراغ، والفكرة بظلّها. إننا نؤمن بأن النص القويّ لا يكتمل إلا حين يسمح للقارئ أن يشاركه بناءه.
في «مختبر النص» نحتفي بالاختلاف: نصوص تتجاور دون أن تتشابه، وأصواتٌ تُسمَع دون أن تتنازع. نمنح المساحة للتجريب الشكلي، وللهجنة الأسلوبية، وللتقاطعات بين الأجناس؛ لأن الأدب—في جوهره—مغامرة معرفية وجمالية، لا تكرارٌ آمنٌ لما استُهلك.
لسنا ضد القواعد، لكننا نضعها على طاولة التشريح لنسأل: متى تخدم الإبداع؟ ومتى تُقيّده؟ فاللغة ليست قيدًا، بل طاقة؛ وإذا أحسن الكاتب توجيهها، تحوّلت القاعدة إلى جناح، والتقنية إلى أفق.
هذا العمود دعوةٌ مفتوحة للكتّاب والقرّاء معًا: تعالوا نجرّب، نخطئ، نعيد المحاولة. فالنص الذي لا يغامر، لا يكتشف نفسه. وفي «مختبر النص» نؤمن بأن أجمل الاكتشافات تولد من سؤالٍ بسيط: ماذا لو؟
وإذا كانت “لو” تفتح باب الشيطان، فإنها إبداعيا تفتح رتاج التأويل، والانفتاح على القراءات المختلفة؛ الأمر الذي يتطلب قارئا من نوع خاص، قارئا نموذجيا كما وصفته نظرية التلقي مع أمبرتو إيكو، الذي يجعله “قارئا افتراضيا، استراتيجيا، يتفاعل بعمق مع النص، ليس مجرد مستهلك سلبي، بل شريك في بناء المعنى وإحياء النص من خلال “استراتيجية نصية” يضعها الكاتب، يكتشف من خلالها الروابط المتعددة ويشارك في “محاكاة عقلية متعمقة” عبر “فجوات النص”، ليصبح بطلا يشارك في المسرحية النصية، على عكس القارئ الفعلي العادي الذي يقرأ سطحياً”.
فمن خلال هذه النافذة الشهرية لمجلة “مدارات الثقافية”، سنطل على تجارب إبداعية عربية، مغربية ومشرقية، نقف عند مظاهرها وتشكلاتها، وتجلياتها، وأثرها.. ومن ثمة وضعُها ضمن نسق تجريبي “مختبري”. وإن كانت المختبرات خاصيةَ العلوم الحقة، فللعلوم الإنسانية كشفٌ باطني، يخترق الجاهز، لينفتح على المجهول؛ هذا المجهول الذي نضعه رهن إشارة التجربة والتجريب، للبحث عن كوامنه، ومستوره.
مرحبا بك، أيها القارئ النهم، مرحبا باقتراح يعمق الفكرة، أو رأي يسلط الضوء على تجربة، تفيد، ويستفاد منها.
مساحة حرة، نقتبسها من الواقع الإبداعي، لتتشكل وفق تصور شمولي، يتغيا الرؤية والرؤيا، التبصر والبصيرة، الرأي والرأي الآخر، الموقف والموقف المضاد، في أفق بناء فكر مفتوح على الآخر..
كما تجدر الإشارة أن هذا الحيز، قد ينتبه إلى النص الإبداعي، فيُنشر للتقاسم والاعتراف به، وتعرفه، كما نفتح مجال المجلة، أمام النص النقدي، الذي يخترق حواجز الإبداع، فيُطل بالقارئ من شرفة القراءة الدقيقة، أو القراءة “الحقيقة” المُغَيَّبة.
وجدة، 7 يناير 2026
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي