قراءات في خصائص بنية الهايكو (الجزء الرابع)
توفيق أبوخميس*
“ليس الشعر رأياً تعبر الألفاظ عنه، بل أنشودة تتصاعد من جرح دام أو فم باسم”.
(جبران خليل جبران)١
يرى بعض النقاد أن الصورة المشهدية حديثة، ومرتبطة بالفنون البصرية كالسينما والمسرح، وأحيانًا الفن التشكيلي، وهذا الافتراض في الحقيقة محدود وقاصر؛ إذ الشعر القديم مكتنز بالصور المشهديّة، وعرف الشاعر العربي رسم المشاهد بدقة متناهية، تلتقط الصوت واللون والحركة وخفايا الصورة الكاملة، نواته حدّة انتباه فطريّة، ورهافة حواسّ طبيعيّة..
كان للتصوير الشعري(المشهدية) دوراً محورياً في كل المدارس والتوجهات الشعرية قديماً وحديثاً، والتصوير باللغة الواصفة المشخِّصة ذات الطابع الإنحرافي والبعيد كل البعد عن معايير بناء اللغة المألوفة، هو الأساس الذى ارتكزت عليه أغلب المدارس الشعرية المعاصرة، التى استعارت المشهدية من حقل السينما والمسرح لتضفي عليها طابعاً شعرياً، فأصبحت القصيدة عبارة عن مشهد كلي دال يتكون بالعادة من عدة مشاهد جزئية، وكل مشهد من مكون من لقطات، والرابط بين هذه اللقطات والمشاهد التمثيلية هو السرد الشعري الذي يقوم بنفس الدور الذي يقوم به ما يسمى بالمونتاج في الأفلام السينمائية وذلك بإنتقاء اللقطات والمشاهد ذات الإيحاء والمؤثرة والربط بينها.
وفي تتبع تاريخي لنشأة الهايكو نجد أن الشاعر (تشيكي ماسوكا)٢ هو أول من صرّح بطلاقة ! ووضع حجر أساس المشهدية في الهايكو وجعل منها جوهر شعرية الهايكو وأساسه الذي لا يمكن أن يمس أو أن يتم استبعاده
وبما أن نص الهايكو لقطة حسية تعتمد كل الاعتماد في رسمها على حواس الشاعر الخمس(السمع/البصر/اللمس/التذوق/الشم) فوجب عليه أن يكون مبتعداً فيها عن إستخدام الوصف التجريديِ الغامض أو الفانتازيا والمجاز الموحش، بحيث يسمح هذا النقل الحسي للمتلقي إمكانية رسم صورة للمشهد من خلال التخيل والتأمل والغوص فيما وراء المشهد، ذلك لأن نص الهايكو هو عبارة عن نص ذو أبعاد فلسفية تأملية عميقة، وبإستخدام المجاز أو الفانتازيا في كتابته فأنه يبتعد كل الابتعاد عن روح وجوهر الهايكو المتمثلة بالبساطة ومصداقية المشهد والتي من دونها تذهب بعيداً بجمالية النص وصدق مشهديته.
الهايكو شعر، لا ينتمي إلى عالم الأساطير وإنما إلى عالم الحقائق الملموسة، وهو معبر عن الطبيعة والبيئة المحيطة بكاتب النص ودور الشاعر فيما هو أبعد وأكبر وأعمق من عمل المثقفين “المشبوه بالتعريف”، كما ينقل عن الكاتب (جورج برنانوس)٣ ذلك على أساس أن المثقف هو الذي يمنح نفسه صفة “المثقف” على أساس المعارف والشهادات التعليمية التي يمتلكها، هذا على عكس العالم أو الفنان أو الكاتب الذين تحرّكهم رغبة الاكتشاف والإبداع وليس دواعي “الصنعة”.
الهايكو مشهد محسوس يُصاغ بلغة بسيطة لا تكلف ولا إسفاف فيها تتسمُ بالبساطةِ والسهولة، وبلاغة المفردة حيث تكون في مكانها الصحيح وذات الدلالة في سياق النص، كما لا يأخذ بالموسيقى الخارجيةَ التي تصرفُ المتلقي عن المواطن الحقيقية للدهشة في النص.
كيف لها المشهدية في الهايكو، وما هي خصائصها سواء كان النص مكون من مشهد أو مشهدين، هذا ما سوف نتطرق إليه في الجزء القادم بإذن الله ..
شاعر وناقد من الأردن
هوامش
*1- جُبْران خليل جُبْران (6 يناير 1883 – 10 أبريل 1931 م) شاعر، كاتب، فيلسوف، عالم روحانيات، رسّام متعدد المواهب من أدباء وشعراء المهجر، ولد في بلدة بشري في شمال لبنان وتوفي في نيويورك/الولايات المتحدة الأمريكية.
*2- ماسوكا شيكي شاعرٌ وناقدٌ يابانيٌ ( 1867- 1920) يُعد واحداً من كبارِ شعراءِ الهايكو الأربعةِ مع ماتسو باشو ويوسا بوسن وكوباياشي إيسا
*3- جورج برنانوس (1888-1948) في باريس، ودرس للحصول على شهادة الليسانس في القانون والأدب في جامعة باريس. كان مؤلفًا للعديد من الروايات، بما في ذلك “مذكرات كاهن ريفي”، التي اقتبسها بريسون أيضًا لفيلم سينمائي .
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
