الرئيسية / الأعداد / صدى الصمت وبلاغته في المجموعة القصصية نافذة للصمت للكاتب “هشام أزكيض” – زكية مجدوب  

صدى الصمت وبلاغته في المجموعة القصصية نافذة للصمت للكاتب “هشام أزكيض” – زكية مجدوب  

صدى الصمت وبلاغته في المجموعة القصصية نافذة للصمت للكاتب “هشام أزكيض”

زكية مجدوب *

 

عرفت القصة كجنس أدبي فرض حضوره منذ القدم ، إلا أن جاذبيتها ارتبطت بما قدمته من  تقنيات حديثة موظفة،  أثرت على الكتابة القصصية شكلا ومضمونا، تجاوزت النمط التقليدي،  وبحثت في آفاق إبداعية مغايرة،  تسعى إلى تجويد التجربة القصصية، أضحى الصمت في القصة  خطابا أقوى من خطاب البوح في كثير من المحطات، إنه خطاب بين النفس وذاتها،  للتفكير والتأمل في اليومي والغائب والمسكوت عنه  الذي ينخره الضياع والتيه  من كل صوب،  جاءت المجوعة القصصية “نافذة الصمت” موزعة على تسعين صفحة من القطع المتوسط،  ويتكون المتن القصصي من عشرين قصة قصيرة بعناوين بارزة تخطف ذهن القارئ وتشده إلها،   والبعض منها كالتالي:  (تحت المجهر، قلوب في المزاد،  نافذة الصمت،  ربما كان هذا الموت،  على الهامش،  دموع في وجه الذكريات،  لقمة الفقراء،  الذكريات لا تكذب،  قطار العمر ،  الحب تحت المطر …)،  تتفاوت في الحجم ولكنها تضع اليد على مواطن الجرح والخلل بين العلاقات الإنسانية  والكونية عامة،  تطرح قضايا اجتماعية متعددة في قالب قصصي كثيف مختزل، ممتع  ومشوق للقارئ في نفس الوقت بازخ بالرسائل والمعاني البليغة. سنحاول من خلال هذا المقال ملامسة الأبعاد الفنية والجمالية والثقافية في المجموعة القصصية “نافذة الصمت” لكاتب “هشام أزكيض”

  • دلالة الصمت الداخلي في “نافذة للصمت” لهشام أزكيض

يشغل الصمت حيزاً كبيراً في السرد العربي عامة،  إذ نلحظ أن موضوع الصمت ضل مغيبا  في الخطاب السردي نوعا  ما عدا بعض الدراسات المتناثرة في بعض المجلات والكتب،  لابد لنا من الوقوف عن مفهوم الصمت في اللغة، ” للصمت عدة معان،  فقد ورد في لسان العرب:  صمت يصمت صمتا وصمتا وصموتا وصماتا وأصمت: أطال السكوت”[1] ،  وقد بحث علماء اللغة والبلاغة العرب في الصمت وهو ما يصطلحون عليه الحذف،  ونظر علماء اللغة عامة إلى الحذف نظرة إكبار لأهميته في البيان والبلاغة”[2] ، الحذف في اللغة” موضوع على غاية من الدقة والتعقيد،  بل باب البلاغة وقطب الرحى فيها وعليه مدار الإعجاز”[3]،  وقد أقر الجاحظ ببلاغة الصمت حين قال:” واعلم أن الصمت في موضعه ربما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه وعند إصابة فرصته”[4] ،

ينكشف الصمت في المجموعة القصصية “نافدة الصمت” مزيحاَ الستار عما تخفيه الذات الإنسانية من خوف من الماضي الذي عاشته،  وما يحمله المستقبل الذي تنتظره،  متربصة بوقائع ذاكرة لا تنسى لحظات الهلع والذعر ، لحظات أقل ما يقال عنها تمتلك،  بشاعة

الواقع وانهيار معيار القيم بالمجتمع،  حين يصير الصمت صوتاً لتعبير عن الذات وعن الجماعة في نفس الوقت، “الكل منشغل بسعادته عن حزنه،  فلا تصدقي بأن أحدا ما قد يغير مسار حياته لأجلك،  ولكن قد يحاول أن يحرك نحوه بطريقة ما،  لا تؤثر على طقوس كوكبه الخاصة”[5]

يبرز لنا عنوان قصة “نافذة الصمت” عن صدى الصمت العميق لشخص سجن بين أربعة جدران سبعة عشر عاما، زأر الصمت بداخله بعد أن سلب منه أثمن شيء يمتلكه حريته يقول السار د:  “هو وحيد كصوت ميت قرؤوا عليه الفاتحة،  فتناثر في الهواء،  لا أحد يستطيع سماعه،  ولا أحد يكترث لارتطامه به”[6]،  حين يصبح الدفاع عن الأرض والمقاومة والكرامة جريمة يعاقب عليها الشخص بسنوات عجاف،  لغة الألم الوحيدة التي تعلمها طيلة مدة مكوثه داخل سجن سحيق كفيلة بأن تعبر عن حدود التضحية في سبيل الوطن .

يجد القارئ نفسه مسكوناً بقصص قصيرة منسابة تبعث على الهدوء والتأمل والتفكير العميق في متاهات السرد وما يحمله الصمت من بلاغة وكثافة لغوية ، كشفت الستار عن المعاناة بين جدران السجن،  لا وجود للصمت به كل زاوية داخله،  تحمل ذاكرة لأشخاص مروا من هناك خطفهم الموت أم تفرقت بهم طرق الحياة ومساربها المتعبة . يقترن الوجود الإنساني الذي يقوم على النزاهة والكرامة بالمتاهة والفقدان والخسارة والسجن،   يقول السجان: “لو استمعت لكلام المحقق،  واعترفت بأسماء زملائك في نضالهم الوهمي لما وصلت لما أنت عليه،  ماذا استفدت من عنادك سوى ترزح تحت وطأة السجن الطويلة هاته،  وأصدقائك ينعمون بالحياة السعيدة؟ بالنار يقتلها قلق الانتظار “ألم تكن تعلم أيها المثقف أن الفراشات الذكية التي لا تموت” [7]

في قصة “ربما كان هذا الموت “يحضر الصمت معادلا موضوعيا لانتكاسة الحرب ومخلفاتها على الناس وذاكرتها المحملة بالألم والأنين،  يقول السارد: “كانت أصوات الطلقات قريبة جداً من الخيمة،  الموت يحيط بنا من كل جانب.. قلوبنا تهتز مع كل أزيز، لم نعرف ماذا سيحدث بعد أن يتوقف صخب الرصاص في كل مرة،  كان الموت يعطينا فرصة للعبث بالحياة …كنت أفكر في جدوى هده الحرب التي تشرب الحياة من حولي سرقت أبي وأخي وكل أقربائي سرقت طفولتي أيضاً،  لكنها لم تتمكن من سرقة هويتي ، “[8]

يعد الصمت جداراً حارقاً حين ينتظر الإنسان أجله،  على إثر سماع طلقات الرصاص المتسارعة يمينا وشمالا،  لا مكان للفرار والنجاة،  في لحظة سكون وصمت حارق وانتظار ساعة الصفر،  “أنا أرتجف لأنني مللت الانتظار،  أريد لهذا الجسد أن يعانق رصاصة: لكي أرتاح من عناء النظر إلى كل تلك العيون الخائفة من حولي. أمضينا ليالي كثيرة هنا وفقدنا أناساً هنا ما عدنا مكترث للألم،  الفقدان علمنا البرود واللامبالاة “[9]، للصمت صدى يسمع ويذوي عاليا ويرى في عين كل ذو بصير ة بما يجري في الواقع البئيس،  من فساد وضياع للحقوق ونهب وحروب ،  وانقطاع للأرحام والأرزاق،  وتخلي عن منظومة القيم الأخلاقية،  وبطالة وفقر مدقع تصيح صرخة أم بحرقة: “لقد رحل ابني عابراً مخاطر البحر… ربما أصبح طعاماً شهياً لأسماكه المفترسة”[10]

إن كل قصة تحمل في ثناياها ذاكرة فردية،  تعبر عن تجربة أليمة لشخصياتهاـ،  تتميز بكثافة  شعرية ولغة منسابة نحو أفق القارئ  الفسيح للتأويل،  تميزت بطرح أسئلة فلسفية عميقة تخص العلاقات الإنسانية والذاكرة الجماعية،  وقد أبدع الكاتب (هشام أزكيض) في مجموعته  القصصية (نافذة الصمت)،  بالاعتماد على حبكة متناسقة ومتماسكة بعضها مع بعض،  اتخذت من الاختزال والومضة القصصية نبراسا لها،   قصص مستقاة من الواقعي واليومي  ملامسة فئات اجتماعية  متعددة،  وفضاءات هامشية متناسية،  لتسريد  الذاكرة الثقافية  العامة،  معبرة في النهاية عن  عمق التجربة  القصصية للكاتب المبدع  “هشام أزكيض”.

لائحة المصادر والمراجع :

المصادر:

هشام أزكيض،   نافذة للصمت،  دار الثقافة الشارقة ،  ط1،  2025

المراجع:

  1. ابن منظور، لسان العرب،  دار المعارف،  ( د،  م)،  (د،  ت)،  مادة ( صم, ت)،
  2. الجاحظ، الرسائل ، تحقيق عبد السلام مجمد هارون،  دار الجيل،  ط1،  بيروت 1991،   رسالة المعاش والمعاد،
  3. عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني،  دار المعرفة ،  ط1 بيروت،  1994
  4. عبد الله البهلول، الصمت سياسة في القول،  ضمن كتاب في الصمت،  (الندوة العلمية الدولية الصمت أيام 5، 6، 7 أبريل 2007)،  القسم العربي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس،  وحدة تحليل الخطاب،  ط1 ،  2008،

 

باحثة من المغرب

 

[1]–  ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، ( د، م)، (د، ت)، مادة ( صم, ت)،

[2]–   عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، دار المعرفة ، ط1 بيروت، 1994

[3]– عبد الله البهلول، الصمت سياسة في القول، ضمن كتاب في الصمت، (الندوة العلمية الدولية الصمت أيام 5،6،7 أبريل 2007)، القسم العربي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، وحدة تحليل الخطاب، ط1 ، 2008، ص90

 

[4]–  الجاحظ، الرسائل ، تحقيق عبد السلام مجمد هارون، دار الجيل، ط1، بيروت 1991،  رسالة المعاش والمعاد، ص 113

[5]– نافذة الصمت، ص 35

[6]– نافذة الصمت ، ص 11

[7]– نافذة الصمت، ص18

[8]– نافذة الصمت ، ص 14

[9]– نافذة الصمت، ص 15

[10]– نافذة الصمت، ص 34

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً