الرئيسية / إبداعات / امرأة على الهامش – سعاد السبع

امرأة على الهامش – سعاد السبع

امرأة على الهامش

سعاد السبع*

 

جلست هناك، في زاوية المنزل التي لا ينظر إليها إلا عند الحاجة، كأنها جزء من الديكور، قطعة ثابتة لا تتحرك، لا ثرى إلا حين يطلب منها الحركة.

كانت تعرف منذ سنوات أن وجودها لم يعد يُسجل، وأن أصغر تفاصيلها تهمل، وأن ضحكتها لم تعد تسمع إلا في صدى الغرفة، وكأنها صدى قديم لا يرتد.

كانت المرأة التي أحبت، واهتمت، ووفرت، واحتملت ….حتى صار الصبر جزءا من ملامحها، والحذر عادة من أن تظهر المها.

كان زوجها مشغولا دائما، منشغلاً بالعالم الخارجي، بعمله، بمواعيده، بمشاريعه التي لم تكن لها نهاية، وكانت هي هناك تنتظر لحظة اهتمام بسيطة، كلمة عابرة، لمسة تذكرها بأنها لا تزال موجودة.

ذات مساء حين جلس على الأريكة وهو يتابع هاتفه .ابتسمت ابتسامة خافتة، محاولة أن تملأ الفراغ:

هل تلاحظني اليوم ؟

نظر إليها لمحة، ثم عاد إلى الهاتف، ابتلعت خيبة أملها بصمت كما اعتادت. كان كل لحظة رفض كانت تضيف طبقة جديدة من الجفاف إلى قلبها.

وفي صباح اليوم التالي، حاولت أن تتحدث، أن تدخل نفسها في مكان لم يكن لها قيد أنملة فيه: لقد صنعت البيت، ربت الأطفال، تحملت كثيرا ….

وكنت في أمس الحاجة إليك….

رفع رأسه، رمقها بنظرة سريعة ثم قال: نعم، أعلم.

لم تكن تعرف إن كان يعنيه الكلام أم لا.

لكنها تعلم أن كثيرا من الكلمات يمكن أن تقال بلا معنى ..

وفي ذلك اليوم وبين طيات الصمت أدركت شيئا مؤلما :

النساء لا يذبلن فجأة، لكنهن يذبلن حين يهملن، حين ينسين، حين تصبح حياتهن مجرد هامش بجوار حياة الآخرين.

لم يعد هذا مجرد شعور بل حقيقة:

إن المرأة التي كانت محور الاهتمام، يمكن أن تصبح خلفية ثابتة، وأن الحب إذا لم ينظر إليه لن يموت، لكنه سيتحول إلى صمت طويل، صمت يملأ الفراغ بلا صدى.

وفي لحظة صمت عميق، جلست تتأمل نفسها،

هل أنا هنا بسببه، أم لأثبت لنفسي أنني ما زلت موجودة ؟

وهنا أدركت أن الإجابة ليست في نظره، بل في قلبها، أن الوجود الحقيقي حتى وسط الإهمال، هو أن تظل صاحبة صوتك حتى لو لم يسمعه أحد.

وفي النهاية، جلست هناك

امرأة في الهامش، لكنها لم تعد تنتظر

لم تعد تبحث عن اهتمام هو مفقود أصلا.

لأن الصمت الذي عاشته ، علمها أن أهم ما يرى الإنسان، أن يرى خصيصة نفسه.

قاصة من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً