الرئيسية / الأعداد / العدد السبعون / أمازيغيات / عادات الزواج في واحة دادس بالجنوب الشرقي المغربي: “تمغرا”.. جسر بين العزوبة والزواج تقاليد أمازيغية عريقة تواجه رياح التغيير – عمر ايت سعيد

عادات الزواج في واحة دادس بالجنوب الشرقي المغربي: “تمغرا”.. جسر بين العزوبة والزواج تقاليد أمازيغية عريقة تواجه رياح التغيير – عمر ايت سعيد

عادات الزواج في واحة دادس بالجنوب الشرقي المغربي: “تمغرا”.. جسر بين العزوبة والزواج تقاليد أمازيغية عريقة تواجه رياح التغيير

عمر أيت سعيد*

 

في أعماق جنوب شرق المغرب، حيث تمتد واحة دادس الخلابة، تحتفظ منطقة قلعة مكونة بتقاليد زواج فريدة تعرف محلياً باسم “تمغرا” أو “العرس”. هذه الطقوس ليست مجرد احتفال بيوم أو يومين، بل هي رحلة كاملة تمتد على أيام، محملة برموز ثقافية ودلالات اجتماعية تختزل فلسفة حياة المجتمع الأمازيغي في المنطقة.

“يمكن اعتبار ‘تمغرا’ أو العرس نموذجاً حياً للتراث اللامادي الذي يحكي قصة مجتمع من خلال طقوسه. كل حركة، كل أغنية، كل زي، يحمل رسالة ووظيفة اجتماعية «الزواج هو نافدة مفتوحة حول التاريخ القديم للأسرة المغربية ولا تزال الدراسات التي تناولته كموضوع أنثروبولوجي قليلة وغير مستوفية لكل جوانب هدا الحدت الجميل والرئيسي في حياة كل فرد من افراد المجتمع .

رحلة العرس: من الخطوبة إلى “أمسفاض

تبدأ الرحلة بمرحلة “الخطوبة” أو “توتّرا”، حيث يتقدم العريس “أسلي” مع ذويه لطلب يد العروس “تيسليت”. وبعد القبول، تحدد موعد “تمغرا” ويبدأ الاستعداد ليوم “إسقيمو”، اليوم الأول للعرس، حيث ينشغل الرجال بذبح الدابة تغرسي، بينما تجمع النساء لوازم العرس ويضعن الحناء للعروس مصحوبات بأهازيج شعبية مثل “هيرو ن ويرو “. وهي قصيدة غنائية نسائية قديمة جدا، طقوسية تحمل نصائح ودروسا للزوجين وللحضور بصفة عامة .

من اللحظات البارزة في اليوم الأول طقس “اغمان” أو تزيين العروس بـ”أعبراق”، وهو زي مزركش توضع أتوابه على رأس العروس. “جميع ألوان هذا الزي تدل على عذرية العروس”، كما تروي الحاجة فاطمة (70 عاماً) من المنطقة. أثناء التزيين، تتردد أهازيج شعبية تخلق جواً من الفرح والتماسك الاجتماعي.

مع حلول المساء، يصل “أسناين” (ممثلو العريس) حاملين “تحرويت” أو “تمنديلت”، وهي حقيبة تحتوي ملابس العروس. وعند باب بيت العروس، تستقبلهم النساء بأهازيج وزغاريد، في مشهد يعبر عن التواصل الرمزي بين العائلتين.

الليلة الكبيرة والانتقال: رمزية الماء والعنبة

بعد ليلة من رقص “أحدوس” حتى الفجر، يأتي اليوم الثاني حاملاً طقوساً خاصة، منها “أزنزي”، حيث يتم “هجاء” أم العروس بطريقة فكاهية تقليدية، فترحل لتعود ومعها فاكهة اللوز وحقيبة العروس.

قبل غروب الشمس، ينتقل موكب العروس إلى منزل العريس في مشهد مهيب: “وقبل ركب العروس الدابة، يقوم أحد أفراد أهلها وخاصة أخوها وامرأتان مخصصتان لهذا الحدث بحمل العروس ويدورانها على الدابة سبع مرات. وفي كل دورة تزغرد النساء”، عند وصول الموكب، يرمي العريس فواكه اللوز من فوق سطح المنزل على الحاضرين، في إشارة إلى الكرم والخصب. ولا تجلس العروس إلا بعد مفاوضات رمزية بين “أسناين” وأمها، تتوج بدفع مبلغ مالي وتزغرد الأم سبع مرات.

تسي”: طقس الماء والحياة

في المساء، تصل المرحلة المعروفة بـ”تسي” (السقي)، حيث يتحشد الجميع نحو واد دادس أو بئر، والعروس تحمل إناء “تناست” مملوءاً باللوز، ممسكة بطرف غصن عنب. شاب يمسك بالطرف الآخر ويجرها بلطف، في مشهد يرمز إلى الشراكة والتوازن.

تصف الدكتورة سعيدة شريفي (2020) هذا الطقس قائلة: “إنها لحظة انتقالية، حيث ترمي العروس اللوز (رمز الخصب) وتملأ الإناء بالماء (رمز الطهارة والحياة)، في دلالة على تحولها من فتاة إلى امرأة، وحاملة لمسؤولية استمرار الحياة”.

بعد العودة، تدخل العروس بيت الزوجية وسط طقوس أخرى، منها تمرير خنجر ولفة من الثوب على وجهها سبع مرات، قبل أن يجتمع الجميع مرة أخرى في رقصة “أحدوس” التي قد تمتد حتى الصباح.

نهاية الرحلة: “أمسفاض” واستمرارية العلاقات

يظهر اليوم الموالي بوادر نهاية العرس، حيث تظهر العروس بملابسها العادية وتكشف عن وجهها. بعد غداء “أمسفاض” (الرحيل)، يتبادل الجميع التهاني والدعاء بالتوفيق. وبعد أسبوع، تدعو عائلة العروس عائلة العريس لوجبة تسمى “رزان أفود اتيسلست” أو “أخدمي”، في تأكيد على استمرارية الروابط بين العائلتين.

تقاليد في مهب التغيير

مع كل هذا الغنى التقليدي، يمكن ان نشير إلى وجود تحولات مجتمعية مقلقة: “في الآونة الأخيرة، عرفت هذه العادات والتقاليد تغيرات غريبة عن تقاليدنا الأصيلة، وهذا يؤسفني شخصياً”.

من هذه التغيرات دخول “النكافة” والموسيقى الحديثة، وتقليص مدة العرس، وترديد أهازيج لا علاقة لها بالفن الشعبي المحلي، وتزيين العروسين بمواد عصرية تقليداً لمجتمعات أخرى، واستبدال الدابة ‘تسردونت بموكب سيارات ضخم، وتغيير اللباس التقليدي إلى أزياء غربية.

هنا يمكن ان نطرح سؤال : “كيف نحافظ ونعيد الاعتبار لهذه التقاليد والعادات الجميلة التي تتلاشى جيلاً بعد جيل؟

نحو صون التراث الحي

يجمع مختصون على ضرورة توثيق هذه الممارسات وتناقلها للأجيال. تقول الأنثروبولوجية خديجة المسعودي (2019): “لا ينبغي أن يكون الحفاظ على التقاليد مجرد تحنيط للماضي، بل عملية ديناميكية تسمح بالتطور مع الحفاظ على الجوهر الروحي والاجتماعي لهذه الطقوس”.

وفي إطار جهود الصون، أدرجت اليونسكو العديد من التقاليد المشابهة في قائمة التراث اللامادي، مما يشكل سنداً لحماية هذه الممارسات (اليونسكو، 2023).

ختاماً، تبقى “تمغرا” دادس شاهداً حياً على قدرة المجتمعات المحلية على صياغة طقوس تعبر عن هويتها وتواصلها مع الطبيعة ودورة الحياة. وحماية هذا التراث ليست مسؤولية أهل المنطقة وحدهم، بل هي مساهمة في حفظ تنوع الثقافة الإنسانية الذي يغني الحضارة العالمية.

المراجع:

شريفي، س. (2020). المرأة والطقوس الانتقالية في المجتمع الأمازيغي. مراكش: جامعة القاضي عياض.

المسعودي، خ. (2019). أنثروبولوجيا الأعراس التقليدية في المغرب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

اليونسكو. (2023). قائمة التراث الثقافي غير المادي. تم الاسترجاع من https://ich.unesco.org

باحث في الأمازيغية من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حلاق قريتي – عمر ايت سعيد

عمر أيت سعيد*   يبدأ الجمال حين يستقبلك الحلّاق الفنان في صالونه المتواضع بابتسامته الرقيقة …

اترك تعليقاً