الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / النقد والمجاملة – محمد دخيسي أبو أسامة

النقد والمجاملة – محمد دخيسي أبو أسامة

مختبر النص

النقد والمجاملة

محمد دخيسي أبو أسامة

 

منذ 1923 حينما أصدر الكاتب العربي اللبناني ميخائيل نُعيمة كتابه “الغربال”، انتقل النقد العربي من سلطة البلاغة، والنقد البلاغي التقليدي، إلى نقد حديث يهتم بالتجربة الإبداعية، والتجربة الإنسانية عامة.

قدم نُعيمة نفسه مدافعا عن أصالة الأدب، وعودة إلى التعريف القديم للنقد من حيث التمييز بين الجيد والرديء، وقد تحولت الدراسات الأدبية صوب تحقيق نوع من التكافؤ بين صدق التجربة الشعرية والقيم الإنسانية للنص، مع الالتزام بالأدب وجوديا، وإخضاع النص لمختبرات التحليل والتفسير والتقويم، مع المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة..

هذا التوجه الذي لاقته التجارب الإبداعية، كان له الدور في استمرار التجارب الإنسانية عامة، وفي تطويرها لتصلنا في شكلها المتناسق والمنسجم.

بين النقد الهدام، والنقد البناء بون شاسع، غير أن النقد الممارس في كثير من الأحيان من أجل صباغة النص كما يقال، أو تحرير مقالات للتعريف والوصف، والمدح والثناء؛ أفرغ النص من حقيقته، فأصبح النقد بَرًّا يلجأ إليه كل من استساغ التبجيل والتعظيم.

سلطة النص، أمام مختبر النص، كما سقناها في هذا العمود، دليل على العودة إلى الجودة. فإذا كان المعروف أن النقد يتبنى:

  • فهم النصوص ويتعمق فيها، من خلال الكشف عن المعاني والدلالات؛ سواء المعاني الأولية، أم المعاني الثانية؛
  • تقويم الأعمال الإبداعية، وذلك بغربلتها، وتمييز الجيد من الهزيل؛
  • تطوير الإبداع، الذي لن يتأتى إلا بتفعيل وظيفة التأثير، أو الأثر؛
  • السعي إلى المحو، محو الماضي لبناء الفكر البناء.

يسعى النقد إذًا، أن يقدم الصورة الجديدة للنص، بعيدا عن التنميط، أو التقليل من قيمة التجديد. ونقف أحيانا مذهولين أمام مقالات ودراسات تدافع عن العمل الأدبي من جهة، فتبجله وتعظمه، كما ترى في التجارب المخالفة نسقا غير أصيل..

وتحضر أيضا المجاملات، وهي التي تفرغ النص من محتواه الحقيقي، ليبرز دور التجميل، ويظهر ذلك كثيرا في أفق قراءة النصوص المنشورة، المقدمة للقراءة والتوقيع في منتديات ثقافية مختلفة؛ سواء محلية أم جهوية أم وطنية، أم دولية.. ونرى أن مثل هذه اللحظات الجزئية هي الدافع القوي نحو بروز هذا النوع من النقد، دون أن نغفل التقديمات التقريظية، والقراءات المؤدى عنها سلفا…

فالمجاملة بهذا المقياس، هي إبداء رأي إيجابي دوما، بوازع شخصي (علاقات شخصية)، أو علاقات اجتماعية (انتماء لمجموعة معينة)، وليس ضرورة الانطلاق من حكم نقدي موضوعي، بل بالتحليل المباشر المبرز للجوانب الحسنة بصورة أكثر تجميلا ومجاملة.

والنقد المجاملاتي أيضا، هو السياق الثقافي الذي يبتعد فيه “الناقد” من ردود الفعل السلبية، خوفا من المبدع ذاته، أو تلميعا لصورته؛ كونه مثالا للإبداع الحق الذي لا يعلى عليه؛

تشويه الذائقة الأدبية، والابتعاد عن الإبداع الحق، والإبداع الذي يؤدي وظائفه داخل النسيج المجتمعي الخاص والعام.

لا نعني بكلامنا، أو حكمنا، أن كل ما يكتب من نقد ودراسات أدبية تسير وفق هذا النمط، بقدر ما نطمح إلى تجاوز هذه التفاهة، إلى ما هو أهم وأخص. بالعودة إلى قراءة النص بالموضوعية المطلوبة، واعتماد المعايير التي تجعل النص الأدبي نصا قابلا للقراءة والتعامل، والتفاعل، يحمل من سمات الإفادة، ومن نسمة الإمتاع ما يحقق الوقع والأثر الإيجابيين.

لذلك، فالمطلوب:

التوازن الموضوعي: حيث رد الاعتبار لجودة النص؛ لغة، وتركيبا، وصياغة، وتصويرا، وتخييلا…؛

الموهبة: التي تطبع الإبداع الأدبي بالجدة والجدية والجودة؛ ثلاث جيمات، تدفع إلى تفعيل زر “الجيمات”؛

الأهلية العلمية: فالنقد علم قبل كل شيء، يساير الإبداع ليقومه، ويحلله، ويفسره، ويبحث بين ثنايا أسطره عن القضايا ذات الأولوية، والمميزات ذات الأفضلية.

ويمكن القول إن المجاملة تقوض البناء الإبداعي، أكثر مما تبني أسسه، ولا يعني أيضا رفض المجاملة أن يكون النقد قاسيا أو جارحا، بل المطلوب:

  • الصدق والموضوعية؛
  • الاحترام في عرض النص، وهنا تحضر القيم التي يحرص البعض على تنزيلها وأجرأتها، أو من خلال توطين الذات، لجعلها تمسك عنان الواقع، فتحمي أواصره، وتكرس كلمتها خدمة له؛
  • العلمية، وهي تتقوى بالتركيز على نبذ العلاقات الاجتماعية الموظفة، والتفكير دائما في جعل النص الإبداعي نصا قائما على رؤية وموقف ما، ومتبنيا لرؤيا وأفقا معينا، بعيدا عن التداول اليومي، وعن التشكيل البصري المبالغ فيه.

ناقد من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً